📖 المدخل لدراسة القانون — الفصل 2 من 9 — فهرس الكتاب
مدخل
القانون يشكل مجموعة من القواعد الملزمة التي تؤطر سلوك الأفراد وتوفق بين مصالحهم ويتحدد في الزمان والمكان ويطلق عليه القانون الوضعي ، وهو مجموعة من القواعد القانونية التي تخص بلدا معينا في زمن معين .
الفصل الأول خصائص القاعدة القانونية
قاعدة سلوكية ، عامة ومجردة ، اجتماعية ، مقترنة بالجزاء
المبحث الأول : القاعدة القانونية قاعدة سلوكية
تتوجه القاعدة القانونية بأحكامها ومقتضياتها إلى سلوك الأفراد ، وخصوصا السلوك الخارجي للفرد ، فهي سلوكية ، ولا تتجه إلى نواياه ومشاعره وخواطره مثل الكراهية والحقد رغم أنها مخالفة للأخلاق والمثل العليا . فالقانون يبقى بعيدا عنها لكنه يتدخل عندما تصبح وقائع مادية . لكن عامل النية يحضر عند اصدار الجزاء سواء تخفيفا أو تشديدا ، فالقانون الجنائي يعتد بالنية وكذلك القانون المدني حيث ينص قانون الإلتزامات والعقود المغربي على ضرورة التحلي بالنية الحسنة .
المبحث الثاني : القاعدة القانونية عامة ومجردة
توجه خطابها بصفة عامة وليست لشخص محدد بعينه ، أو واقعة معينة ، لكنها توجه إلى أشخاص ووقائع متى توفرت الشروط والاوصاف المحددة في القاعدة القانونية لهذا يتم تحديد مضمون القاعدة القانونية طبعا لمعطيات مجردة ، فالتجريد هو الذي يضفي على القاعدة القانونية وصف العمومية لتواجه حالات غير متناهية .العمومية والتجريد وجهان لعملة واحدة فالقاعدة تبدأ مجردة وتصبح عامة عند تطبيقها ، فـ القاعدة القانونية تتكون من الفرض والحكم فمتى توفر الفرض وقع الحكم ، التجريد يتعلق بالفرض والعمومية تتعلق بالحكم ، فالحكم يكون عاما لأن الفرض كان مجردا
بعض القوانين تتعلق بالأطباء أو الشغالين ، ومع ذلك ينطبق عليها العمومية والتجريد لأنها موجهة ليس لذواتهم بل لصفتهم كذلك الأمر لرئيس الدولة أو رئيس الوزراء .
التجريد والعمومية تتضمن صفة الدوام ولاستمرار لكن هذا لا يمنع من صدور قواعد قانونية محددة بزمان ومكان مؤقت لظروف استثنائية حصار أو نكبة ، كما يمكن صدور قواعد قانونية بأماكن مخصصة مثل تنمية أقاليم الجنوب فرغم طابعها المحلي فلا ينفي عنها صفة العمومية والتجريد .
المبحث الثالث : القاعدة القانونية قاعدة اجتماعية
القانون ظاهرة اجتماعية ، لها علاقة مباشرة بالمجتمع وتنظيم الحقوق والواجبات ، رغم أنه حاليا تم احتكاره من طرف الدولة نظرا للتطور السياسي المعاصر ، حيث أن القاعدة القانونية وجدت قبل الدولة في القبائل والعشائر ، كما أنها تعبر عن مراحل التطور المجتمعي ف القاعدة القانونية في الدول الرأسمالية ليست نفسها في الدول الاشتراكية وهي ليست نفسها في الدول الاسلامية ، و القانون من العلوم الاجتماعية فهو يتأثر بالعنصر البشري والسياسة المتبعة في المجتمع لذلك عند دراسة القاعدة القانونية لا بد من فهم لعلوم ذات صلة مثل الاقتصاد والدين والسياسة وغيرها .
المبحث الرابع : القاعدة القانونية قاعدة ملزمة
المطلب الأول : تعريف الجزاء
القاعدة القانونية عبارة عن خطاب موجه للأفراد يتضمن تكليفا أو أمرا أو نهيا يترتب عن مخالفته تدخل السلطة من أجل توقيع الجزاء على المخالفين ، لهذا كان الإجبار أهم عنصر يميز القاعدة القانونية عن بقية القواعد الأخرى مثل الدين والأخلاق ، فالجزاء وسيلة للضغط على إرادة الأفراد من أجل احترام مضامين القاعدة القانونية ، هذا الحزم يعتبر نوعا من الضرر المادي توقعه الدولة بواسطة المحاكم على من يخالف القانون .
فلولا الجزاء لكانت القاعدة القانونية عبارة عن نصائح وإرشادات ، لكن هذا لا يعني أن الناس لا يحترمون القاعدة القانونية إلا لتوفر الجزاء بل إن الكثير يمتثل لها شعورا منهم بأهمية سيادة القانون داخل المجتمع لأن ذلك من مصلحة الجميع ، فالجزاء ينقل القاعدة القانونية من مرحلة السكون إلى مرحلة الحركة عندما يتم مخالفة أحكامها أو الإعتداء على حقوق الغير .
المطلب الثاني : خصائص الجزاء
السلطة العامة تحتكر توقيع الجزاء نظرا لما تتوفر عليه من وسائل مادية ومعنوية وحفاظا على النظام العام من الفوضى ، إلا في استثناءات قليلة تجعل الافراد يمارسون القضاء الخاص أو العدالة الخاصة وهي حالات ضيقة ومحددة بنص القانون :
• الدفاع الشرعي الفصل 124 من القانون الجنائي ” لا جناية ولا جنحة إذا كانت الجريمة استلزمتها ضرورة الدفاع عن النفس بشرط أن يكون الدفاع متناسبا مع خطورة الإعتداء “
• الحق في الحبس ، وهو حبس مستحق للمدين من طرف الدائن حتى يسدد دينه
• الدفع بعدم التنفيذ ، وهو الامتناع عن تنفيذ التزام ما دام الطرف الآخر لم يلتزم
• قطع جذور الأشجار الممتدة من أرض الجار أو الاستفادة من ثمارها
• التحكيم ، اتفاق طرفين على جهة معينة للتحكيم في حالة نزاع محتمل ويكتب ويوقع
المطلب الثالث : أنواع الجزاء
يختلف حسب نوع و صفة القاعدة القانونية
الجزاء الجنائي : وهو أقسى أنواع الجزاء باعتباره يتعلق بقواعد القانون الجنائي وتأتي قسوة هذا الجزاء لأنه يفرض لمصلحة المجتمع والمصلحة العامة ، ويندرج من الإعدام إلى السجن الحبس الاعتقال أو الإقامة الجبرية والغرامات المالية أو المصادرة أو التجريد م الحقوق المدنية والسياسية ، وهو يتقرر حسب خطورة الفعل الجرمي المرتكب
الجزاء المدني : يقع عند الاعتداء على ملك خاص وتؤطره قواعد القانون المدني
• التنفيذ العيني : وهو إلزام المدين بتنفيذ ما التزم به عندما يكون ذلك ممكنا مثل تسليم وديعة إلى المودع أو تسليم طفل إلى حاضنه الشرعي
• التنفيذ بمقابل : في حالة العجز عن التسديد يتم التعويض نقدا بما يعادل ما لحق الدائن من خسارة أو ما فاته من كسب .
• الفسخ : عندما يخل أحد الطرفين بالبنود المتفق عليها يتم الفسخ
• البطلان : يتم البطلان إما بسبب عدم وجود تراضي بين الطرفين أو سبب غير مشروع للعقد ( كراء بيت من أجل دعارة العقد يعتبر باطلا )
• الإبطال : يتطلب العقد لتكوينه أركانا أسياسية هي التراضي والمحل والسبب وأن يكون خاليا من عيوب الإرادة أو الغلط أو الغبن أو التدليس أو الإكراه وفي حالة غياب أحد هذه الأركان يتم الإبطال مع الأثر الرجعي ويعتبر العقد كأن لم يكن
الجزاء الإداري أو التأديبي : يطبق عند الإخلال بقوانين مهنة ما ، فالموظف يخضع لقوانين الوظيفة العمومية ، ولكل مهنة هيئات مهنية توقع العقوبة على المخالفين حيث يختلف العقاب حسب درجة الخطأ من إنذار توبيخ اقتطاع وقف فصل نقل حرمان من معاش
تمييز القواعد القانونية عن قواعد السلوك الإجتماعية الأخرى
القاعدة القانونية تهدف إلى ضبط سلوك الفرد داخل المجتمع ، لكن ليست القاعدة القانونية وحدها التي تهدف إلى تنظيم العلاقات الإجتماعية بل هناك قواعد اجتماعية أخرى تحكم بدورها سلوك الأفراد هي قواعد المجاملات والعادات والأخلاق والدين
التمييز بين القاعدة القانونية وقواعد العادات والمجاملات
قواعد المجاملات والعادات شرع الناس على اتباعها واصبحت سارية وتعطي مظهرا اجتماعيا للمجتمع لكنها غير مكتوبة وتصدر بعفوية عكس القاعدة القانونية التي تكون مكتوبة وصادرة عن جهات مختصة ، كما أن الجزاء في القاعدة القانونية يكون ماديا ملموسا بينما هنا نجد الجزاء عبارة عن استنكار الناس واحتقارهم لمن خالف هذه القواعد وتجميد العلاقات الإجتماعية معه ، لكن يمكن أن ترتقي إلى القاعدة القانونية عندما يرى المشرع ضرورة لذلك مثل منع التدخين بالأماكن العمومية .
التمييز بين القاعدة القانونية وقواعد الأخلاق
تمثل الأخلاق قيما سامية ومثلا عليا وهي قواعد سلوكية تهدف إلى تنظيم العلاقات الإجتماعية وهي تتشابه مع القاعدة القانونية من حيث العمومية والتجريد والإلزام لكنها تخلف مع القاعدة القانونية من حيث التنظيم والوضوح ، ف القاعدة القانونية واضحة مضبوطة مكتوبة بينما القاعدة الأخلاقية مشتتة وغير مضبوطة بدقة ، القاعدة القانونية لا تضبط النوايا بينما الأخلاق تركز بشكل اساسي على مكامن النفس ونواياها ، ويبقى أهم اختلاف هو الجزاء حيث أن الجزاء في قواعد الأخلاق يكون تأنيب الضمير واحتقار الناس بينما يكون في القاعدة القانونية جزاء ملموسا ماديا ، ومع ذلك تبقى دائرة الأخلاق أكبر من دائرة القاعدة القانونية في تأطير علاقات الناس .
يتضح هنا أن هناك دائرة خاصة بالأخلاق وأخرى بالقانون وأخرى مشتركة بينهما
النطاق الخاص بالأخلاق هو فعل الخير والامتناع عن الشر التحلي بالمروءة والشهامة .
النطاق الخاص بالقاعدة القانونية هو المرور ، التحفيظ ، الضريبة
النطاق المشترك وهو قواعد الاعتداء على الغير واحترام العهود .
وتجدر الإشارة أن القواعد الأخلاقية يتبناها المشرع في شكل قاعدة قانونية عندما يكون الأمر ضروريا ، مثال : الوشاية الكاذبة ، التزوير ، شهادة الزور .
التمييز بين القاعدة القانونية وقواعد الدين
يقصد بقواعد الدين مجموعة من الأوامر التي أنزلها الله سبحانه وتعالى في القرآن والسنة وهي أوامر ونواهي مقترنة بالجزاء عند مخالفتها ، وهي قواعد تسعى إلى تنظيم سلوك الفرد مع خالقه وتتمحور غالبا في العبادات ، الفرق أن الجزاء في القاعدة القانونية مادي معجل والجزاء في القاعدة الدينية مؤجل في الآخرة .
📗 خلاصة الباب
- القاعدة القانونية مجموعة من القواعد الملزمة التي تؤطر سلوك الأفراد وتوفق بين مصالحهم، وتتميز بأربع خصائص: أنها قاعدة سلوكية (تخاطب السلوك الخارجي للفرد)، عامة ومجردة (لا تخاطب شخصا بعينه)، اجتماعية (تفترض وجود مجتمع)، وملزمة (مقترنة بجزاء توقعه السلطة العامة).
- يتميز الجزاء بأنواعه: جنائي (الأقسى)، مدني (تنفيذ عيني أو بمقابل، فسخ، بطلان، إبطال)، وإداري أو تأديبي، وتتميز القاعدة القانونية عن قواعد السلوك الأخرى (العادات والمجاملات، الأخلاق، الدين) رغم تقاطعها معها أحيانا، إذ قد يتبنى المشرع قاعدة أخلاقية أو دينية في شكل قاعدة قانونية ملزمة عند الضرورة.
◀ الفصل السابق: تقديم
الفصل التالي: الباب الثاني: تصنيف القاعدة القانونية وفروع القانون ▶
اترك تعليقاً