📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 55 من 77 — فهرس الكتاب
تصور معي شخصا يملك اشرطة مرئية مخلة بالحياء تعود إليك أو مقاطع صوتية أو صورا غير لائقة أو وثائق تخصك تتضمن إخلالات حدثت في وقت ما ثم يبتزك بها كل حين لتركع وتسير وفق تصوراته، كيف تكون نظرتك للعمل الاسلامي لو فعل ذلك إخوة في الله كنت تنظر إليهم كل حين على أنهم أولياء الله؟
استعمال الملفات الشائكة كوسيلة للتركيع والاصمات أمر جار به العمل داخل التنظيم، ويمارس على أعلى مستوى، فإذا كنت معنا فملفاتك في أمان وإذا انقلبت علينا فضحنا أمرك بين الخاصة والعامة، وبالتالي عليك أن تكون شخصا يردد كل ما يقال له أو يصمت حين يهوي عليه سيف الفصل لانتهاء مهمته التنظيمية، الصمت مقابل السلامة، والويل لمن سقط في مصائد التجسس.
نفهم الآن لم يحرص التنظيم على التجسس واستراق السمع وتجنيد الزوجات وجمع التقارير وشراء العناصر الاستخباراتية وحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة في حياة الاعضاء، فالتجسس هو الوسيلة الفعالة لتحصيل الملفات الثقيلة، هذه الملفات لها ثمن سياسي وتنظيمي لا يقدر بثمن، فأحيانا تكون أموال الدنيا غير ذي فائدة مقارنة بهذه الملفات التي تعني وضع رقاب الكثير من الناس تحت رحمة التنظيم أو مقصلته.
ذات مرة كنت غبيا أو ربما حسن النية، استدعاني مسؤول كبير في طنجة بدعوى المحبة والمساعدة لكن الحقيقة أنه كان استنطاقا بوليسيا، كنت حينها أتعاطى حبوبا مهدئة للأعصاب وظهري مشرط بمشرط الحجامة وحالتي الصحية الجسدية والنفسية جد متدهورة، كنت بالكاد أسير عل الطريق دون أن أسقط، المسؤول طبعا شخص مرتاح يتوفر على كل سبل الراحة والعيش الرغد، مسؤول يتحكم في تنظيم كبير، ميسور، بصحة جيدة، زوجة جميلة، حوله نظرات التبجيل والتقدير، ضاحك ينظر إلي نظرة الاحتقار لا لشيء سوى لأنني مُنهك مريض، يحتقرني لأنني لا أملك مالا كثيرا، لا أملك سيارة، لا أملك وظيفة مرموقة، لا أملك ملابس جديدة.
كنت في حضرته التنظيمية المقدسة أبتلع الاحتقار لأنني اعتدت ذلك، لكن ما لفت انتباهي أنه في خضم الاستنطاق والتعذيب النفسي كنت عندما أحاول انتقاد المسؤولين في التنظيم أو ذكر أحد الاسماء يشير إليه بسبابته على فمه بمعنى اسكت ولا تذكر إسم أحد، وأنا في خضم سكرات العذاب كنت اسكت وأتجاوز النقط التي يأمرني بالسكوت عنها بسبابته، أما النقط الشائكة والمواضيع الشخصية التي تخصني فكان يطرح علي فيها أسئلة ملغومة تحتمل الاجابة عنها السقوط في فخ الاعتراف بما لم تفعله، وأنا بحسن نية أجيب معتقدا أن التنظيم حبيبي والمسؤول التنظيمي حاضني، لكني علمت لاحقا أن هذه اللقاءات يتم تسجيلها. ففهمت.
أما تناقل رسائل الهاتف والصور والمحادثات وتعليقات المواقع الاجتماعية فحدث ولا حرج، كل في كتاب مبين يحتفظ به التنظيم ليضرب به في الوقت الذي يراه مناسبا، وتحدث أنت عن الخلافة الراشدة والوصول الى الله والحب في الله وستر المؤمنين والحياء من الله والأخوة في الله وسائر الخرافات التي يتحدث بها المسؤول التنظيمي ليذر الرماد في عيون إخوان التنظيم، ويعلم هو وأعلم أنا أنه اللعب بالدين والضحك على قفا المؤمنين.
حكايات كثيرة سمعناها لم نكد نصدق كثيرا منها حتى سمعناها من ثقات كلها تؤكد خبث التنظيم وابتزازه كثيرا من المؤمنين بملفات حساسة ومسكه إياهم من اليد التي تؤلمهم، كان يزكيهم أمام الاخوان وينكر كثيرا من تجاوزاتهم أمام القضاء بل ويرسل رجاله القانونيين ليدافعوا عنهم ويتهم كل مشكك في نزاهتهم بعمالته للمخزن، ثم تبين لاحقا أن رواية الجهات الرسمية كانت صحيحة بل وأخرج التنظيم نفسه أدلة على ذلك ثم فصلهم من التنظيم لما تبين له أنهم أوراق محروقة أو عندما بدأوا ينتقدون بعض سياسات تدبير التنظيم لأمور تنظيمية أو تربوية أو شخصية.
أنت معنا نسترك، ضدنا نفضحك، غير صالح نفصلك، في الوقت المناسب نزكي من نشاء ونشيطن من نشاء.
هذه السياسة الخبيثة تؤكد أن التنظيم الذي نحن بصدده تنظيم مكيافيلي مصلحي لا ينتسب إلى أي دين أو ملة، تنظيم سياسي سياسوي يقضي مصالحه التنظيمية والسياسية بالمكر والخديعة والتجسس والقسوة والفصل، وما المصطلحات التربوية من قبيل أخي في الله وحبيبي في الله سوى وسيلة للخداع.
نقول هذا ليحذر كل مؤمن من أموره الشخصية أن يطلع عليها التنظيم. والله المستعان.
◀ الفصل السابق: تصفية الرباطات الاربعينية ومدارس القرآن
الفصل التالي: التنظيم المضطهد والفرد المضطهد ▶
اترك تعليقاً