حين تتحول الخلافة من مشروع حضاري إلى شعار انتخابي

حين تتحول الخلافة من مشروع حضاري إلى شعار انتخابي

لماذا تراجعت التنظيمات الإسلامية في المغرب من الحديث عن مشروع حضاري شامل إلى الاكتفاء بإدارة الشأن اليومي؟ وكيف تحوّل الخطاب الذي كان يَعِد ببناء نموذج بديل عن الحضارة المادية إلى مجرد برامج تدبيرية لا تختلف كثيراً عن برامج الخصوم السياسيين؟ هذا السؤال يطرح نفسه بإلحاح على كل من تابع المسار السياسي للحركات الإسلامية المغربية، خاصة بعد تجربتها في تدبير الشأن العام.

من المشروع الحضاري إلى التدبير اليومي

في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية”، يضع فوزي أكريم إصبعه على جرح عميق حين يستعيد ما كان يُفترض أن يكون جوهر المشروع الإسلامي. يقول: “الخلافة الإسلامية وهي جوهر الحضارة الإسلامية المرجو بناؤها، ما هي بديل لحضارة المادة من حيث صناعتها وإنجازاتها الاجتماعية والسياسية والحياتية، بل تكون استمرارا على شكل جديد لنفس الحضارة المادية إن لم تكن الدعوة إلى الله، البالغة إلى كل إنسان، الملحة عليه، المتحببة إليه بالعيش الكريم تحت ظلها، والإيواء الكريم إلى كنفها، هي روح الحضارة ومهمة الخلافة”.

هذا التحذير النظري يصيب كبد الحقيقة فيما آلت إليه التجربة الإسلامية السياسية المعاصرة. فالمشروع الذي كان يُقدَّم على أنه نقلة نوعية في فهم الحياة والمجتمع والدولة، تقلّص إلى مجرد إدارة لا تختلف عن غيرها إلا في بعض الشعارات والرموز. الوعد كان ببناء حضارة ذات روح، لكن الواقع أفرز ممارسة سياسية غارقة في المادية ذاتها التي كان المشروع يزعم تجاوزها.

الغاية المفقودة

المفارقة الكبرى تكمن في أن التنظيمات الإسلامية، التي طالما انتقدت الحداثة الغربية لافتقارها إلى البعد الروحي وتقديسها للمادة، وجدت نفسها تمارس السياسة بالمنطق المادي ذاته. فالدعوة التي كان يُفترض أن تكون “البالغة إلى كل إنسان، الملحة عليه، المتحببة إليه” تحولت إلى شعارات موسمية تُستحضر في الحملات الانتخابية ثم تُنسى في دهاليز المساومات السياسية.

هذا الانزلاق لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة طبيعية لفقدان البوصلة. حين تصبح السلطة غاية في حد ذاتها، وليست وسيلة لتحقيق رسالة أسمى، فإن كل الخطاب الحضاري يتحول إلى مجرد زينة لفظية. والأخطر من ذلك أن هذا التحول يُفرغ المشروع الإسلامي من محتواه الجوهري، ويجعله مجرد نسخة أخرى من نفس النماذج السياسية القائمة.

عمارة بلا روح

الكاتب يذكّرنا بأن “عمارتها ليست مقصودة لذات العمارة، إنما عمارتها شرط ليعرف العبد ربه ويتهيأ للقائه”. هذا التذكير يكشف عمق الهوّة بين الأصل النظري والواقع الممارس. فالتنمية الاقتصادية، وتحسين الخدمات، وإصلاح الإدارة، كلها أمور ضرورية، لكنها إذا لم تكن في خدمة غاية أسمى تتعلق بالإنسان ككائن روحي وأخلاقي، فإنها تصبح مجرد تكرار لنفس النموذج الحضاري الذي كان المشروع الإسلامي يزعم تجاوزه.

التجربة المغربية تقدم مثالاً واضحاً على هذا الانحراف. فالحركة الإسلامية التي وصلت إلى السلطة وجدت نفسها منشغلة بالحسابات السياسية الضيقة، والمناورات الحزبية، والتنازلات المتتالية، حتى أصبح من الصعب التمييز بين برنامجها وبرامج الأحزاب الأخرى. الروح التي كان يُفترض أن تميّزها تبخرت، وبقيت القشور.

سؤال المصداقية

اليوم، وبعد عقود من النشاط السياسي، تواجه التنظيمات الإسلامية أزمة مصداقية حقيقية. الوعود الكبرى لم تتحقق، والمشروع الحضاري البديل لم يُبنَ، والممارسة السياسية لم تختلف جوهرياً عن ممارسة غيرها. هذا الواقع يطرح أسئلة مؤلمة حول جدوى الاستمرار في نفس المسار، وحول إمكانية العودة إلى الجوهر الذي ضاع في زحمة المصالح والحسابات.

هل ما زال ممكناً استعادة الروح التي كانت تحرّك المشروع الإسلامي في بداياته؟ أم أن الانخراط في اللعبة السياسية بقواعدها المادية الصرفة قد أنهى إلى الأبد إمكانية تقديم بديل حضاري حقيقي؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية