كم مرة سمعنا في المغرب عبارات من قبيل: “القيادة أعلم”، “لا تنتقد من اختارهم الله”، “الطاعة واجبة”؟ وكم مرة وجدنا أنفسنا أمام مفارقة صارخة بين الخطاب الديني الذي يُنزّه القيادات ويضعها في منزلة شبه معصومة، وبين الواقع الذي يكشف عن بشر عاديين تحكمهم المصالح والحسابات كما يحكم أي فاعل سياسي آخر؟ هذه المسافة بين الصورة المثالية والحقيقة الواقعية ليست مجرد فجوة عرضية، بل هي آلية مقصودة لضبط الجماهير وتأبيد السلطة.
أسطورة النورانية
في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية”، يفكك فوزي أكريم واحدة من أخطر الآليات التي استعملتها التنظيمات الإسلامية للحفاظ على هيمنتها الداخلية: صناعة قداسة القيادة. يقول الكاتب: “نورانية القيادة وولايتها وكشفها وحبها للمؤمنين وفنائها في الجماعة وتعلقها الدائم بالله وتوفيق الله لها كل طرفة عين وفي كل خطوة تخطوها لم تكن سوى أكذوبة روج لها التنظيم لقضاء مآربه السلطوية”. هذه الملاحظة ليست مجرد نقد لممارسة تنظيمية، بل هي كشف لبنية كاملة من الوهم المؤسس الذي يحول البشر العاديين إلى كائنات فوق النقد، بل فوق المساءلة.
المشكلة ليست في وجود قيادات بشرية تخطئ وتصيب، فهذا أمر طبيعي في كل تنظيم إنساني. المشكلة الحقيقية تكمن في تحويل هذه القيادة إلى مرجعية مطلقة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد أو المساءلة، وربط طاعتها بطاعة الله، وتصوير أي انتقاد لها على أنه خروج عن الدين ذاته. هنا تتحول الجماعة من فضاء للتدافع الفكري والاجتهاد الجماعي إلى هيكل هرمي صارم، قمته محاطة بهالة من القداسة الموهومة.
معايير اختيار القيادة
ما يثيره أكريم في مقطعه يكشف حقيقة أكثر مرارة: معايير الوصول إلى القيادة في هذه التنظيمات لا تختلف كثيراً عن معايير السلطة في أي حزب سياسي أو مؤسسة دنيوية. فـ”القيادة تُعطى للقوي أو الذكي أو الغني أو المثقف أو الصهر أو الوسيم أو الموظف أو طليق اللسان”. هذا الوصف الواقعي يهدم كل الخطاب الذي يُصوّر القيادة على أنها اصطفاء رباني أو نتيجة لمسار روحي استثنائي.
في السياق المغربي، نعرف جيداً كيف تتداخل علاقات المصاهرة والنفوذ الاجتماعي والموقع الوظيفي في تشكيل النخب الدينية والسياسية. لكن الفارق أن الأحزاب السياسية العادية لا تدّعي أن قادتها مؤيدون من الله في كل خطوة، بينما التنظيمات الدينية تُلبس هذا الواقع البشري المحض ثوباً قدسياً، مما يجعل نقدها أو مراجعتها شبه مستحيل داخل بنية التنظيم نفسه.
ثمن الوهم
الثمن الذي تدفعه الجماهير المنخرطة في هذه التنظيمات باهظ. فحين يُحظر التفكير النقدي، وحين تُقدّم الطاعة العمياء على أنها فضيلة دينية، يفقد الأفراد قدرتهم على التمييز بين الدين كمنظومة قيم ومبادئ، وبين التنظيم كبنية بشرية قابلة للخطأ والانحراف. يصبح الولاء للتنظيم وقيادته أهم من الولاء للحق والعدل والمصلحة العامة. وتتحول الجماعة من مشروع إصلاحي مفترض إلى آلة لخدمة مصالح النخبة المسيطرة.
الخطورة الأكبر أن هذا النموذج لا يُنتج مواطنين واعين قادرين على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، بل يُنتج أتباعاً منضبطين، مدرّبين على تلقي الأوامر وتنفيذها دون تفكير. وهذا يتناقض جذرياً مع روح الإسلام الذي يحث على التفكر والتدبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لو كان المنكر صادراً من القيادة نفسها.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، في ظل التحولات التي تشهدها التنظيمات الإسلامية في المغرب والعالم العربي: هل يمكن بناء حركة إصلاحية حقيقية دون تفكيك أسطورة القيادة المعصومة؟ وهل آن الأوان لكي يميّز المنخرطون في هذه التنظيمات بين الانتماء الديني والولاء التنظيمي الأعمى؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً