حين تتحول النية الحسنة إلى ستار للفوضى التنظيمية

حين تتحول النية الحسنة إلى ستار للفوضى التنظيمية

كم مرة سمعنا قيادياً سياسياً أو جمعوياً في المغرب يدافع عن إخفاقاته بالقول: “نيتنا حسنة”؟ كم مرة اكتفت تنظيماتنا، خاصة تلك التي ترفع شعارات القيم والأخلاق، بالحديث عن النزاهة الشخصية لقادتها بديلاً عن بناء مؤسسات فاعلة؟ هذه المفارقة التي نعيشها في مشهدنا العام ليست وليدة اليوم، بل هي تعبير عن انزلاق خطير: استبدال المأسسة بالوعظ، والبرمجة بالارتجال، والمحاسبة بالثقة العمياء.

النية الحسنة ليست برنامجاً

في مقطع لافت من كتابه “من الإحسان إلى المصلحية”، يضع فوزي أكريم إصبعه على الجرح حين ينقل عن قيادي إسلامي قوله: “نحن نفعل ما نستطيع وقد يصل منافق إلى رأس التنظيم، نيتنا حسنة ونحن لا نسرق”. هذا الدفاع الهش يختزل أزمة عميقة في فهم معنى المسؤولية التنظيمية. فالقائد الذي يكتفي بالحديث عن نيته الطيبة وعدم سرقته، إنما يختزل العمل العام في بُعده الأخلاقي الفردي، متناسياً أن المسؤولية الحقيقية تكمن في بناء أنظمة تحول دون وصول المنافق أصلاً، لا في تبرير وصوله بعد حدوثه.

السؤال الذي يطرحه الكاتب بإلحاح يستحق أن نتوقف عنده طويلاً: “أين البرامج المدروسة؟ وأين مؤسسات الرقابة الإدارية الصاحية؟ وأين القانون الداخلي الواضح؟” هذه ليست أسئلة نظرية، بل هي معايير دنيا لأي تنظيم جاد يحترم أعضاءه ويحترم رسالته. غياب هذه الآليات لا يمكن تبريره بالنية الحسنة، لأن النية الحسنة بلا آليات رقابة ومحاسبة تتحول إلى غطاء للفوضى وسوء التدبير، بل وللانحراف أحياناً.

من المسؤول عن وصول المنافق؟

المفارقة الأعمق هنا أن القيادي يعترف بإمكانية وصول المنافق إلى رأس التنظيم، لكنه لا يرى في ذلك فشلاً تنظيمياً ذريعاً يستوجب المراجعة الجذرية. كيف لتنظيم يزعم أنه يحمل مشروعاً أخلاقياً وقيمياً أن يعجز عن فرز عناصره وتمييز الصادق من المنافق؟ أليس هذا دليلاً قاطعاً على غياب “البصيرة النورانية الكاشفة” و”العقل الفطن المتدبر” اللذين يفترض أن يتحلى بهما من يتصدر للعمل الإسلامي؟

المشكلة ليست في الخطأ البشري الذي لا مفر منه، بل في “إهمالها وتناومها ولعبها بالدين وتقصيرها في وضع برامج وقوانين ومؤسسات واضحة”، كما يؤكد الكاتب. فالقيادة التي لا تبني آليات المحاسبة والشفافية ليست مجرد مقصرة، بل هي “مشاركة في الجريمة” حسب تعبيره الصارم. هذا الحكم القاسي ضروري لأنه يحمّل القيادة مسؤولية ما يحدث تحت إمرتها، ولا يعفيها بحجة النية أو الظروف.

الشفافية مسؤولية لا منّة

في المغرب اليوم، نحتاج إلى استعادة الوعي بأن الشفافية والمأسسة ليستا رفاهية تنظيمية، بل هما شرط لصدقية أي مشروع يزعم خدمة الصالح العام. التنظيمات التي تختبئ وراء البلاغة الدينية أو الأخلاقية، فيما تفتقد لأبسط قواعد الحوكمة الداخلية، إنما تخون رسالتها قبل أن تخدمها. وحين تصبح “النية الحسنة” شعاراً يُرفع لتبرير الفشل، فإننا أمام أزمة بنيوية لا تُحل بالمواعظ، بل بالإرادة الحقيقية للإصلاح.

إن المطلوب ليس قادة معصومين، بل قادة يبنون أنظمة تحاسبهم قبل أن تحاسب غيرهم، وتنظيمات تضع “آليات قانونية ومؤسسات مستقلة ساهرة على حسن النظام العام” كما يقترح الكاتب. هذا هو الفرق بين تنظيم جاد وجماعة ارتجالية تدّعي الجدية.

والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل يمكن لتنظيم يرفض المأسسة والشفافية أن يقنعنا بأنه فعلاً يسعى لخدمة مشروع أكبر من مصالح قياداته؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية