لماذا تتحول الحركات التي تنطلق بشعارات الإصلاح والتغيير إلى هياكل جامدة تحرس امتيازات قياداتها؟ هذا السؤال يطرح نفسه بإلحاح على المغاربة اليوم، وهم يشاهدون تنظيمات إسلامية كانت تتحدث عن العدل والإحسان وهي تتصرف كإقطاعيات سياسية، يُورَّث فيها النفوذ ويُحتكر القرار.
من الربانية إلى الملكية
في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية”، يضع فوزي أكريم إصبعه على جرح عميق: كيف تنزلق الجماعات من خطاب “القيادة الربانية” إلى ممارسة شبيهة بالملكية المطلقة؟ يستحضر الكاتب المفارقة اللافتة حين يقتبس من أدبيات هذه الجماعات قولها: “الوصلة الصحيحة بين الصحبة والجماعة قيادة ربّانية واحدة”، ثم يضعها جنباً إلى جنب مع تعريف الملكية المطلقة التي “يكون الملك هو صاحب جميع السلطات في الدولة”.
هذه المقاربة الجريئة تكشف عن تناقض صارخ: جماعات تنتقد الاستبداد السياسي في الفضاء العام، لكنها تمارس داخل أسوارها نموذجاً أشد مركزية. فحين تُختزل “الوصلة الصحيحة” في قيادة واحدة، وحين يصبح التعدد خطراً على وحدة الجماعة، فإننا أمام نسخة دينية من مقولة لويس الرابع عشر الشهيرة: “الدولة هي أنا”، أو بالأحرى: “الجماعة هي أنا”.
الستالينية بلغة الإحسان
يلفت أكريم الانتباه إلى آلية خطيرة تتقاسمها الأيديولوجيات الشمولية، سواء كانت علمانية أم دينية: “تسعى الستالينية إلى تبرير هذه الإخلالات باسم حاجات الدفاع عن الثورة”. هنا يكمن مربط الفرس: حين تصبح “حماية الجماعة” و”الدفاع عن المشروع” مبرراً لكل انحراف، فإن المبادئ الأولى تتبخر تحت وطأة البراغماتية القاسية.
في السياق المغربي، نشهد هذا التحول في خطاب يميّز بين “حقوق الإخوة” و”حقوق الله”. يقول أحد النصوص المؤسسة: “التبسم لإخوتك والبِشر والتبشير حق المسلمين عليك، لكن محاسبة النفس في حقوق الله هي واجبك نحو الله”. الإشكال ليس في النص ذاته، بل في توظيفه: فحقوق الله تصبح شأناً فردياً باطنياً، بينما تُختزل حقوق الإخوان في الابتسامة والبشاشة، دون محاسبة حقيقية للقيادة أو شفافية في القرار.
الدفاع عن الثورة… أية ثورة؟
المفارقة الأعمق تكمن في أن هذا النموذج التنظيمي المغلق يُقدَّم باعتباره ضرورة لحماية “المشروع الإصلاحي”. لكن أي إصلاح يمكن أن ينبع من بنية لا تقبل المساءلة الداخلية؟ كيف يمكن لجماعة ترفض الفصل بين السلطات داخلها أن تطالب به في الدولة؟
التاريخ السياسي المغربي مليء بتجارب حركات بدأت بخطاب التغيير، ثم استنسخت داخل أروقتها نفس آليات السلطة التي كانت تنتقدها. الفرق أن الاستبداد السياسي الكلاسيكي يُمارس باسم الأمن والاستقرار، بينما الاستبداد التنظيمي يُغلَّف بمفردات الربانية والإحسان والصحبة.
من يحاسب الحارس؟
السؤال الذي يطرحه كتاب أكريم، والذي يجب أن يشغل كل مواطن مغربي، ليس فقط عن مصير هذه الجماعة أو تلك، بل عن طبيعة الثقافة السياسية برمتها. فعندما تصبح المحاسبة خيانة، والنقد فتنة، والمراجعة ضعفاً، فإننا نؤسس لمجتمع عاجز عن التطور.
المطلوب ليس الهدم، بل البناء على أسس جديدة: تنظيمات تفصل بين الإرشاد الروحي والقرار السياسي، تؤمن بالتداول لا بالاحتكار، وتجعل المحاسبة فضيلة لا جريمة. تنظيمات تدرك أن الإحسان الحقيقي يبدأ بالعدل داخل الصف، قبل المطالبة به خارجه.
فهل يمكن لتنظيم يرفض الديمقراطية الداخلية أن يكون حاملاً حقيقياً لمشروع ديمقراطي في المجتمع؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً