حين تصبح الحركة الإسلامية ساحة للصراع الداخلي

حين تصبح الحركة الإسلامية ساحة للصراع الداخلي

لماذا تبدو بعض التنظيمات الإسلامية في المغرب أقرب إلى حلبات مصارعة خفية منها إلى مشاريع إصلاحية؟ ولماذا يتحول الخطاب العام عن الوحدة والإخاء إلى ممارسة داخلية تعجّ بالصراعات والانقسامات؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل هي مفاتيح لفهم واقع تنظيمات كانت تَعِد بالنهوض، فإذا بها تستنزف طاقاتها في معارك داخلية لا تنتهي.

يكشف الكاتب فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» عن بنية هذه الصراعات، مميزاً بين مستويين: الصراع الفردي بين الأعضاء، والصراع الهيكلي بين الأجهزة داخل التنظيم الواحد. وإذا كان الأول يعتمد على «أسلحة خفيفة وذات بُعد شخصي انتقامي أو رئاسي أو نفسي كالحسد والغيرة والنميمة والتشويه الفردي»، فإن الثاني يرتقي إلى مستوى آخر من التعقيد والخطورة.

المفارقة المؤلمة أن تنظيمات تتحدث عن الأخوة الإيمانية والتضحية من أجل المبادئ، تجد نفسها غارقة في منازعات تُستخدم فيها أدوات لا تختلف كثيراً عن تلك المستعملة في الصراعات السياسية التقليدية. الحسد والغيرة والنميمة، تلك الآفات التي يُفترض أن يكون التنظيم الإسلامي محصناً ضدها، تتحول إلى وقود يومي لتآكل الثقة بين الأفراد. وحين يرتفع الصراع من المستوى الفردي إلى المستوى الهيكلي، تدخل اللعبة عناصر أكثر خطورة.

يلفت أكريم النظر إلى أن الصراعات بين الأجهزة الكبرى داخل التنظيم – كالصراع بين الأجهزة السياسية والأجهزة التربوية – تستخدم «أسلحة ثقيلة تدخل فيها مختلف الأسلحة الاقتصادية والسياسية»، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالمال والنفوذ والإعلام تصبح أدوات حسم، وقد تتدخل جهات خارجية في «اللعب الكبير» كما يصفه الكاتب، مما يفتح الباب أمام اختراق التنظيم وتوجيهه وفق أجندات لا علاقة لها بمشروعه الأصلي.

الأخطر من ذلك، أن هذه الصراعات غالباً ما تنتهي بانتصار السياسي على التربوي، أي بانتصار المصلحة الآنية على البناء طويل المدى. حين تدخل «التربية في بيت طاعة السياسة»، كما يعبّر المقطع، فإن التنظيم يفقد بوصلته الأخلاقية والتربوية، ويتحول إلى آلة براغماتية تبحث عن المكاسب العاجلة، حتى لو كان ذلك على حساب مبادئه المؤسِّسة.

القارئ المغربي ليس بحاجة إلى بحث أكاديمي ليرصد هذه الظواهر؛ فالمشهد السياسي المحلي يزخر بأمثلة حيّة عن تنظيمات تفككت من الداخل، أو تحولت عن مساراتها الأولى، أو أصبحت ألعوبة في يد أطراف خارجية. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لتنظيم يستنزف طاقته في صراعات داخلية أن يقدّم مشروعاً إصلاحياً حقيقياً للمجتمع؟

الشتات الداخلي، كما يحذّر أكريم، هو «نذير بدخول الغير على الخط»، وهذا ما يجعل من الصراعات الهيكلية داخل التنظيمات الإسلامية قضية تتجاوز الشأن الداخلي لتلك التنظيمات، لتصبح قضية تمس الفضاء العام والمشهد السياسي برمته. فكلما ضعف التماسك الداخلي، زادت فرص الاختراق والتوظيف من جهات قد لا تشارك التنظيم أهدافه ولا قيمه.

في النهاية، ربما يكون السؤال الأهم: هل ما زال بإمكان التنظيمات الإسلامية أن تعود إلى منطق الإحسان والمبادئ، أم أن المصلحية الضيقة قد رسّخت أقدامها بشكل لا رجعة فيه؟ وهل يملك الجيل الجديد من المنخرطين الوعي الكافي لتفكيك هذه البنى الصراعية، أم سيجد نفسه، بدوره، منجرفاً في دوامة الصراع ذاتها؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية