لماذا يشعر المغاربة اليوم بأن كثيراً من التنظيمات التي كانت تَعِدُهم بالنهضة والإصلاح قد تحولت إلى مجرد آلات للمناورة السياسية والمصالح الضيقة؟ ولماذا بات الحديث عن القيادة الرشيدة والحكمة التنظيمية يبدو وكأنه ترف فكري من زمن مضى، بينما الواقع يقدم لنا نماذج من التخبط والارتجال والانتهازية؟ المفارقة أن هذه التنظيمات نفسها كانت تتحدث بالأمس القريب عن المشروع الحضاري ومعالي الأمور، فما الذي جرى؟
من الإبحار إلى الغرق
يستحضر فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» صورة بليغة عن القيادة الحقيقية، فيكتب: “القيادي هو الذي يستطيع أن يحافظ على جذوة الإيمان والجهاد مشتعلة رغم الأعاصير الداخلية والخارجية، يربي من معه من الرجال ويتربى معهم ويتخذ القرارات الشجاعة دون تردد بقلب من حديد”. هذه الصورة المثالية للقائد الذي يخرج بسفينة التنظيم من العواصف بحكمة وعزم، تصطدم بواقع مرير: قيادات تحولت إلى مجرد مديري أزمات، لا تملك رؤية ولا تحمل مشروعاً، همها الأول البقاء في المواقع والحفاظ على المكاسب.
التحول من نموذج القائد الذي يحمل هَمّ الأمة إلى نموذج المدير الذي يحمي مصالح الجماعة الضيقة، ليس مجرد انحراف فردي، بل هو أزمة بنيوية عميقة. حين تصبح القيادة مجرد وظيفة إدارية، وحين يُختزل الإبحار في بحر الواقع المعقد إلى مجرد صفقات ومساومات، تفقد السفينة بوصلتها، وتصبح عرضة لكل تيار.
ديمقراطية الهراء
يشير أكريم إلى ظاهرة لافتة حين يتحدث عن “هراء الديمقراطية” في لحظات الأزمة، حيث يصبح التشاور عائقاً أمام اتخاذ القرار الحاسم. لكن المشكلة الحقيقية ليست في الديمقراطية ذاتها، بل في تحولها إلى غطاء لغياب القيادة الفعلية. كثير من التنظيمات اليوم تخفي عجزها عن اتخاذ القرارات الشجاعة خلف ستار “المؤسساتية” و”الشورى”، بينما الحقيقة أن لا قيادة حقيقية موجودة أصلاً.
القيادة الحقيقية، كما يصفها المقطع، تعرف متى تحسم ومتى تستشير، متى تعزم ومتى تلطف الخواطر. أما القيادة المصلحية، فلا تحسم إلا حين يتعلق الأمر بحماية مصالحها، ولا تستشير إلا حين تريد توزيع المسؤولية عن الفشل.
التربية التنظيمية أم الولاء الأعمى؟
يتحدث النص عن “تربية تنظيمية” تجعل الأفراد يطيعون القائد حين يعزم، ثم يتقبلون تلطيف الخواطر لاحقاً. لكن ماذا حدث لهذه التربية في زمن المصلحية؟ تحولت إلى آلية للترويض لا للتربية، إلى أداة لفرض الولاء الأعمى لا لبناء الوعي والنضج التنظيمي. أصبح “الانضباط” مرادفاً للصمت، و”الطاعة” مرادفة للاستسلام.
حين تفقد التنظيمات روحها، وتتحول القيادة من رسالة إلى وظيفة، ومن مسؤولية أمام الله إلى مكاسب دنيوية، تصبح كل المفاهيم الكبرى مجرد شعارات فارغة. وحين يختلط الحابل بالنابل، لا يعود التوكل على الله ملاذاً حقيقياً، بل يصبح مجرد عبارة تُردد لتبرير العجز والفشل.
سؤال الخروج من الأزمة
الأزمة ليست في غياب النماذج القيادية الصالحة فحسب، بل في البنى التنظيمية التي أنتجت هذا التحول من الإحسان إلى المصلحية. السفينة اليوم ليست فقط وسط العاصفة، بل هي تدار بعقلية من يبحث عن قارب نجاة شخصي، لا عن إنقاذ الجميع.
فهل يمكن لتنظيمات فقدت بوصلتها أن تستعيدها؟ وهل يكفي الحنين إلى نموذج القيادة الرشيدة لإعادة إنتاجه، أم أن الأمر يتطلب مراجعة جذرية لكل البنى والمفاهيم؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً