حين تصبح الفتوة سلعة: أسئلة في الفساد التنظيمي

حين تصبح الفتوة سلعة: أسئلة في الفساد التنظيمي

هل لاحظتم كيف أن أكثر الخطابات حماسة في الشأن العام المغربي تنبع من تنظيمات تدّعي الإصلاح، بينما تمارس داخل جدرانها ما تنتقده خارجها؟ كيف يمكن لمن يرفع شعارات العدالة والشفافية أن يحوّل أعضاءه إلى رهائن لمنطق المصالح الضيقة والولاءات الشخصية؟ هذه المفارقة ليست جديدة، لكنها تتكرر بأشكال مختلفة في مؤسساتنا السياسية والدينية والمدنية، حتى باتت جزءاً من المشهد اليومي الذي نعيشه.

الفتوة المسروقة

في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يشخّص فوزي أكريم ظاهرة خطيرة: تحويل طاقة الشباب وحماسهم إلى وقود لخدمة أجندات ضيقة. يقول: “فتوة جديدة تُطلق سراح الفتوة التي تم تركيعها باسم الدين وركبوا عليها باسم الحكمة لصالح اللوبيات التنظيمية التي تعمل صباح مساء لصالح جهات مشبوهة داخل التنظيم وخارجه”. هذا التشخيص يكشف عن آلية دقيقة: استخدام المقدس والأخلاقي لترويض الطموح الحقيقي، وتحويل الإيمان بالتغيير إلى أداة للحفاظ على الوضع القائم.

ما يحدث هنا ليس مجرد صراع أجيال، بل هو صراع بين رؤيتين للعمل الجماعي: رؤية تقوم على البذل والمصلحة العامة، وأخرى تتستر خلف الخطاب الديني أو الأخلاقي لتكريس منطق السيطرة والإقصاء. حين ينخرط الشاب المتحمس في تنظيم ما، يحمل معه أحلاماً بالإصلاح والتغيير، لكنه سرعان ما يصطدم بجدار من المصالح المتشابكة والحسابات الضيقة التي تحكم القرار الفعلي.

آليات الترويض

الأخطر في هذا المشهد هو الآليات المستخدمة لاحتواء الطاقة الثورية لدى الأعضاء الجدد. فالتنظيمات التي تحكمها “الذئاب العجوزة” -كما يسميها الكاتب- لا تلجأ فقط إلى العصا، بل تتقن استخدام الجزرة. هناك من يُفصل لأنه لا يملك ما يغري، وهناك من يُقرَّب بـ”الكلام التربوي المعسول” والمسؤوليات الفارغة، في عملية انتقائية تكشف عن منطق نفعي بحت.

هذه الازدواجية تخلق واقعاً مشوهاً: خطاب عام يتحدث عن القيم والمبادئ، وممارسة داخلية تقوم على المحسوبية والإقصاء. المفارقة أن هذا النمط لا يقتصر على تنظيم بعينه، بل يتكرر في أحزاب وجمعيات ونقابات، حتى بات نموذجاً سائداً في إدارة العمل الجماعي في المغرب.

من الإحسان إلى المصلحية

العنوان الذي اختاره أكريم لكتابه يختزل مساراً تراجيدياً: التحول من منطق الإحسان -أي طلب معالي الأمور والعمل من أجل الصالح العام- إلى منطق المصلحية الضيقة التي تقيس كل شيء بمعيار المنفعة الشخصية أو الفئوية. هذا التحول لا يحدث فجأة، بل عبر عملية تدريجية من التآكل الأخلاقي، حين تصبح السيطرة على التنظيم أهم من رسالته، وحين يتحول الحفاظ على المواقع غاية في حد ذاته.

المشكلة الأعمق أن هذا النمط يقتل الأمل لدى الأجيال الجديدة. فحين يكتشف الشاب أن حماسه استُغل، وأن مبادئه استُخدمت ضده، فإنه إما ينسحب بصمت أو يتحول إلى نسخة أخرى من الذئاب نفسها. وفي الحالتين، تخسر الحركة الإصلاحية طاقتها الحقيقية.

سؤال الخروج

التشخيص الذي يقدمه أكريم قاسٍ، لكنه ضروري. فلا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون مواجهة هذه الآليات التي تحول التنظيمات إلى أدوات للحفاظ على السلطة بدل التغيير. السؤال المطروح: هل يمكن إصلاح هذه البنى من الداخل، أم أن المطلوب هو إعادة تصورها بالكامل؟

في تجربتكم مع التنظيمات السياسية أو المدنية أو الدينية، هل صادفتم هذا النمط من الممارسات؟ وكيف يمكن حماية الفتوة والحماس من أن يصبحا مجرد وقود لمصالح ضيقة؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية