لماذا يشعر كثير من المغاربة اليوم بأن التنظيمات التي كانت تحمل مشاريع كبرى باتت تدور في فلك البقاء والمصالح الصغيرة؟ لماذا تحوّلت خطابات معالي الأمور إلى مناورات يومية لا تسمو عن حسابات ضيقة؟ هذا السؤال ليس وليد اللحظة، بل هو تعبير عن أزمة عميقة تعيشها الحركات والتنظيمات التي كانت تدّعي حمل رسالة أخلاقية وروحية، قبل أن تغرق في مستنقع التكتيك والانتهازية.
القلوب الكبيرة والزمن الصغير
يروي فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” قصة مولاي العربي الدرقاوي مع ثلاثة يهود جاؤوا إليه، فأكرم وفادتهم رغم أنهم جاؤوا بنيّة السخرية. حين هربوا ليلاً، التقوا بفقراء آخرين فقالوا بحسرة: “لو كان عشرة مثله في الوجود لما بقي على الأرض يهودي”، في إشارة إلى قوة التأثير الأخلاقي الذي يحمله القائد الصادق. لكن الكاتب لا يكتفي بسرد القصة الجميلة، بل ينتقل إلى واقع آخر أكثر قسوة ومرارة.
يعترف أكريم بصراحة نادرة: “معاناة القيادة الصادقة مع الخيانة داخل القيادة أكبر من مجرد مداراة واستضافة لليلة واحدة، بل هي معاشرة وتحمل يومي لا يعلم آلامه ومعاناته إلا الله”. هنا ينتقل النص من التاريخ الملهم إلى الاعتراف الجارح: القيادة الحقيقية ليست في لحظة إحسان عابرة، بل في التحمّل اليومي لخيانات من داخل الصف، لمكر يتدثّر بالولاء، ولنفاق يتقن لغة المبادئ.
عندما تنفد الطاقة الأخلاقية
الأخطر في اعتراف الكاتب هو إقراره بالعجز. يقول إنه جرّب ذلك بنفسه فما استطاع، ويتمنى لو كان في زمن آخر ليخرج على الخونة بالسيف. هذه ليست مجرد لحظة غضب، بل هي علامة على استنفاد الطاقة الأخلاقية، على انهيار القدرة على الاحتمال، على تحوّل المشروع من رسالة تستدعي الصبر إلى عبء يستدعي الانتقام. وهنا بالضبط تبدأ رحلة السقوط من الإحسان إلى المصلحية.
حين يعجز القائد عن احتمال المنافقين في صفه، يصبح أمامه خياران: إما الانسحاب إلى عزلة أخلاقية، وإما التحوّل إلى لاعب في لعبتهم. الخيار الأول نبيل لكنه يعني نهاية المشروع، والثاني واقعي لكنه يعني نهاية المبدأ. وفي كلا الحالين، تنتصر المصلحية على الإحسان، وتصير القيادة مجرد إدارة للتناقضات بدلاً من قيادة نحو غاية سامية.
المفارقة المغربية
في المغرب، شهدنا هذا التحوّل في أكثر من تجربة. تنظيمات بدأت بخطاب التغيير والإصلاح، ثم وجدت نفسها غارقة في صراعات داخلية، في مساومات على المناصب، في تحالفات تناقض خطابها الأول. القيادات التي كانت تتحدث عن التضحية باتت تتحدث عن “الممكن” و”المرحلة” و”التدرج”، وهي عبارات تخفي في الغالب استسلاماً للواقع أكثر مما تعبّر عن حكمة استراتيجية.
المشكلة ليست في التكيّف مع الواقع، بل في فقدان البوصلة الأخلاقية التي تجعل من التكيّف وسيلة لا غاية. حين تصبح المداراة والمناورة هي الثابت، وتصبح المبادئ هي المتغيّر، نكون قد انتقلنا فعلاً من منطق الإحسان إلى منطق المصلحة الضيقة. ومن المفارقات أن التنظيمات التي تسقط في هذا الفخ غالباً ما تبرر سقوطها بـ”الواقعية” و”الحكمة”، بينما هي في الحقيقة تعبّر عن إفلاس أخلاقي وفكري.
سؤال البقاء
ربما يكون السؤال الحقيقي ليس عن كيفية استعادة الإحسان، بل عن ما إذا كان ممكناً أصلاً في زمن احترفت فيه المصلحية. هل يمكن لقيادة أن تحافظ على نقائها الأخلاقي وسط بحر من النفاق الداخلي والمساومات الخارجية؟ أم أن الثمن الحقيقي للبقاء في اللعبة هو التخلي عن المبدأ الذي من أجله دخلناها؟
فهل يمكن حقاً لتنظيم أن يبقى وفياً لمبادئه الأولى دون أن يتحوّل إلى أسير لمصالحه اللاحقة؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً