كم مرة تساءلنا ونحن نتابع المشهد السياسي المغربي: لماذا يتحول من رفع شعارات الإصلاح والتغيير إلى حارس أمين على امتيازاته؟ لماذا ينقلب الخطاب من الدعوة إلى القيم الكبرى، إلى حسابات المصالح الضيقة والمناصب؟ هذا السؤال ليس وليد اليوم، بل هو جوهر أزمة عميقة تعيشها التنظيمات التي انطلقت باسم الدين، ثم وجدت نفسها أسيرة منطق السلطة وإغراءاتها.
من الدعوة إلى الجهاز
يطرح فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” قضية محورية: كيف تتحول الأجهزة الدعوية من فضاء للتربية والتوجيه إلى آلية للهيمنة والاستتباع؟ المفترض أن هذه الأجهزة تبقى مستقلة، تؤدي وظيفة المراقبة والتوجيه، لا أن تنخرط في لعبة السلطة بقواعدها الملتوية. لكن الواقع يشهد على انحراف خطير: حين تتماهى البنية الدعوية مع البنية السياسية، تفقد الأولى بوصلتها الأخلاقية، وتصبح مجرد أداة لإضفاء الشرعية على ممارسات بعيدة كل البعد عن القيم التي رفعتها شعاراً.
يحذر الكاتب من خطر محدد يعرفه المغاربة جيداً من تجاربهم السياسية: “لا أخبث من سياسي يقلب الشورى وراثة”. هذه العبارة تختزل مأساة كاملة. فحين يتحول التنظيم الذي يدّعي التمثيل الديني إلى إقطاعية يديرها شخص أو جماعة ضيقة، يتوارثون القرار ويحتكرون التوجيه، نكون أمام أسوأ أشكال الاستبداد: ذلك الذي يتدثر بالدين ويمارس باسمه.
الشيخ المُستدرَج والناعقون
الخطورة لا تكمن فقط في البنية، بل في الأشخاص الذين يديرونها. يتحدث أكريم عن “شيخ مُستدرَج خلفه ناعقون”، وهي صورة مألوفة في المشهد المغربي: قيادي يُحاط بهالة من التبجيل، يُقدَّم على أنه المرجع الذي لا يُسأل، تُستثمر فيه “نورانية مزيفة” تجعل أتباعه يتحركون وفق إشارته دون تفكير نقدي. هذا النموذج ينتج ثقافة الطاعة العمياء بدلاً من ثقافة الشورى الحقيقية، ويحوّل الأعضاء من فاعلين واعين إلى مجرد “ناعقين” يرددون ما يُملى عليهم.
هذا الانحراف ليس مجرد خلل تنظيمي، بل هو “فساد أخلاقي وتربوي” بتعبير الكاتب. فالتنظيم الذي يُفترض أن يربي أفراده على الاستقلالية والمسؤولية الفردية أمام الله، يتحول إلى آلة لإنتاج التبعية والخنوع. والأخطر من ذلك أن هذا النموذج “يريد أن يستعبد الصف من باب آخر وهو الدين”، أي أنه يمارس الاستبداد نفسه الذي يدعي مقاومته، لكن بغطاء ديني يجعل مقاومته أصعب.
الشخصية المعنوية أم الإقطاعية الجديدة؟
المشكلة تبدأ حين تتحول الهيئة من “شخصية معنوية” لها أهداف واضحة ومؤسسات قائمة على الكفاءة، إلى إقطاعية يتحكم فيها فرد أو مجموعة صغيرة. في المغرب، شهدنا كيف أن بعض التنظيمات التي انطلقت بخطاب تغييري، انتهت إلى إعادة إنتاج نفس آليات الاستبداد التي كانت تنتقدها: احتكار القرار، تهميش الأصوات المختلفة، وتحويل الاختلاف إلى خيانة.
الأمر لا يتعلق بنقد تنظيم بعينه، بل بفهم آلية الانحراف نفسها. فحين تندمج الدعوة في السياسة دون ضوابط، وحين تتحول الشورى إلى ديكور شكلي، وحين يصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمبدأ، نكون أمام “سراب شيطاني” كما يسميه الكاتب، يُوهم الأتباع بأنهم يسيرون نحو غاية نبيلة، بينما هم في الحقيقة يخدمون مشروعاً ذاتياً ضيقاً.
خاتمة
التجربة المغربية غنية بالدروس في هذا المجال. فقد رأينا تنظيمات تحولت من حركات احتجاجية إلى جزء من المنظومة، ورأينا قيادات تحولت من دعاة إصلاح إلى حراس للوضع القائم. السؤال الذي يطرح نفسه: هل من سبيل لتجنب هذا المسار؟ هل يمكن لتنظيم يرفع شعارات دينية أن يحافظ على استقلاليته الأخلاقية حين ينخرط في اللعبة السياسية؟ وهل الحل في الفصل التام بين الدعوي والسياسي، أم في بناء آليات رقابة داخلية فعّالة؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً