حين يجتمع السيف والمحراب: أزمة القيادة في التنظيمات الإسلامية

حين يجتمع السيف والمحراب: أزمة القيادة في التنظيمات الإسلامية

لماذا يشعر المغربي العادي بالحيرة حين يرى رجل دين ينزلق إلى معترك السياسة، أو سياسياً يتدثر بعباءة الوعظ؟ هذه الحيرة ليست وليدة اللحظة، بل هي صدى لانفصام تاريخي عميق بين مجالين ظلا متداخلين ثم افترقا، قبل أن تحاول التنظيمات الإسلامية المعاصرة إعادة جمعهما بطريقة تثير أسئلة جوهرية حول طبيعة القيادة ومشروعيتها.

يذكّرنا فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” بأن الانفصال التاريخي بين القيادتين الدينية والسياسية لم يكن مصادفة، بل كان نتيجة تحول بنيوي في طبيعة الحكم الإسلامي. يقول: “بعد قفزة معاوية إلى سدة التنظيم النبوي وترسيخه للتوريث بقوة السيف وتنحيته للشورى انفصلت القيادة الدينية عن القيادة السياسية واتجهت صوب العمل الدعوي”. هذا الانفصال لم يكن انسحاباً طوعياً، بل كان نوعاً من المقاومة الصامتة؛ اختار العلماء الربانيون حفظ “الإرث النبوي بعيداً عن رجس القيادة السياسية”، تاركين للسلطان سيفه وللعالم علمه.

لكن ما حدث في القرون اللاحقة أنتج “نوعاً من الازدواجية الإمارية داخل المجتمع المسلم”، كما يصفها أكريم. كانت القيادة السياسية تحكم بالتغلب، والقيادة الدينية تحكم بالصلاح والعلم والكرامة الربانية. هذا التوازن الدقيق، رغم ما فيه من توتر، كان يحفظ للمجتمع مساحة من الاستقلالية الروحية والأخلاقية عن سطوة السلطان.

التنظيمات المعاصرة: جمع قسري أم ضرورة؟

المفارقة أن التنظيمات الإسلامية المعاصرة تحاول إعادة جمع ما افترق تاريخياً. في داخلها “تجتمع القيادتان معاً إما في شخص واحد أو في مجموعة من الأشخاص يكونون مجلس القيادة”. هذا الجمع يبدو للوهلة الأولى استعادة للنموذج النبوي والراشدي، لكنه في الحقيقة أقرب إلى الهجين المشوه: لا هو يملك شرعية النبوة والخلافة الراشدة، ولا هو يحافظ على استقلالية العلماء الربانيين الذين رفضوا التلوث بسياسة السلطان.

المشكلة أن هذا الجمع غالباً ما يتم بمنطق المصلحة التنظيمية لا بمنطق الإحسان والقيم. حين يصبح الداعية سياسياً، أو السياسي داعية، فإن الحدود تضيع والمعايير تختلط. هل نحاسبه بمنطق الأخلاق والصلاح أم بمنطق المصلحة والمناورة؟ هل نطالبه بالكرامة الربانية أم بالواقعية السياسية؟ هذا الالتباس يخلق أزمة ثقة عميقة لدى الناس، وهو ما يفسر جزئياً تراجع قبول الخطاب الإسلامي السياسي في الشارع المغربي وغيره.

بين المحراب والبرلمان

المواطن المغربي عاش تجربة حية مع هذا الجمع الإشكالي. رأى كيف تحول خطاب الوعظ والإرشاد إلى خطاب انتخابي، وكيف أصبح المسجد أحياناً منصة للتعبئة السياسية. هذا التحول لم يُثرِ المجال السياسي بالضرورة بالقيم الأخلاقية، كما لم يحافظ على قداسة المجال الديني. بل إن كثيرين يرون أن النتيجة كانت إفقار الطرفين: سياسة تتدثر بالدين لتبرير مصالحها، ودين يتلوث بحسابات السياسة فيفقد نقاءه.

السؤال الذي يطرحه أكريم ضمنياً هو: هل يمكن أن تجتمع القيادتان دون أن تفسد إحداهما الأخرى؟ هل الحل في الفصل التام، أم في جمع واعٍ يحفظ لكل مجال خصوصيته ومعاييره؟ وهل تملك التنظيمات الإسلامية المعاصرة الحكمة الكافية للتمييز بين ما يُطلب من العالم الرباني وما يُطلب من السياسي البراغماتي؟

هل ترى أن الجمع بين القيادتين الدينية والسياسية في شخص واحد أو تنظيم واحد ضرورة أم خطيئة تاريخية تتكرر؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية