حين يصبح التفويض هروباً من المسؤولية

حين يصبح التفويض هروباً من المسؤولية

لماذا يشعر المواطن المغربي بأن المسؤول حاضر في الصورة غائب عن المحاسبة؟ لماذا نجد أنفسنا أمام هياكل تنظيمية ضخمة، لكننا لا نعرف من يتحمل مسؤولية القرار حين تسوء الأمور؟ هذه المفارقة التي نعيشها يومياً في إداراتنا ومؤسساتنا وحتى في تنظيماتنا السياسية والاجتماعية، تطرح سؤالاً جوهرياً عن الفرق بين التفويض الحقيقي والتنصل من المسؤولية.

التفويض في أصله: منح الثقة لا التخلي عن العبء

يقدم لنا التاريخ الإسلامي المبكر نموذجاً مختلفاً تماماً عما ألفناه اليوم. فحين كان النبي صلى الله عليه وسلم يوكل علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان بكتابة الوحي، وحين كان الزبير بن العوام وجهيم بن الصلت يتوليان كتابة أموال الصدقات، لم يكن ذلك تخلياً عن المسؤولية، بل توزيعاً للمهام وفق الكفاءات. كل واحد من هؤلاء كان يعرف بالضبط ما هو مطلوب منه، وكانت المساءلة واضحة المعالم.

والأهم من ذلك، أن المسؤول الأعلى لم يكن يختفي خلف هذا التفويض. ففي عهد عمر بن الخطاب، كما يذكر فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية”، كان الخليفة “يطلق الحرية لعماله في الشؤون الوظيفية، ويقيدهم في المسائل العامة، أي يفوضهم بعضاً من السلطات ويراقب عملهم في حدود ذلك التفويض”. هنا بالضبط يكمن الفرق: التفويض مع المتابعة، الثقة مع المحاسبة، المنح مع المراقبة.

الاختبار المستمر: ضمانة الكفاءة

لم يكن التفويض في ذلك العهد قراراً نهائياً جامداً، بل كان خاضعاً للمراجعة المستمرة. كان عمر “يختبر موظفيه بين الحين والآخر ليتأكد من كفاءاتهم وقدرتهم”، وموقفه مع كعب بن سور يختصر هذا المنهج: حين جاءته امرأة تشكو زوجها، طلب من كعب أن يقضي بينهما، فلما رأى حكمته في القضاء، ولاه قاضياً على البصرة. الاختبار أولاً، ثم التولية، ثم المتابعة.

هذا المنطق يبدو غريباً في سياقنا المعاصر، حيث يُعيَّن المسؤولون لاعتبارات لا علاقة لها بالكفاءة أحياناً، وحيث يصبح المنصب مكسباً نهائياً لا مسؤولية مستمرة. وحين تفشل السياسات أو تتعثر المشاريع، يتوارى الجميع خلف “اللجان” و”التنسيقيات” و”الهيئات”، فلا تعرف من المسؤول الحقيقي.

تفويض العمل لا تفويض المسؤولية

الخلاصة التي يقدمها الكاتب واضحة وحاسمة: “التفويض ليس تهرباً من المسؤولية لأن المسؤول في النهاية هو الذي يتحمل نتائج إدارته، فهو تفويض للعمل لا تفويض للمسؤولية”. هذه الجملة تضع الإصبع على الجرح في تنظيماتنا المعاصرة، سواء كانت إدارية أو سياسية أو حتى دينية.

حين تتحول التنظيمات من البحث عن معالي الأمور إلى المصلحية الضيقة، فإن أول ما يتآكل هو هذا المفهوم النبيل للتفويض. يصبح المسؤول يبحث عن كيفية توزيع اللوم لا توزيع العمل، عن كيفية التملص من العقاب لا تحقيق الإنجاز. تتحول الهياكل التنظيمية من آليات لتحقيق الأهداف إلى دروع للحماية من المساءلة.

واقعنا المغربي اليوم، في مؤسساته المختلفة، يحتاج إلى إعادة النظر في هذا المفهوم. نحتاج إلى تنظيمات تعرف كيف توزع العمل دون أن تضيع المسؤولية، تمنح الصلاحيات دون أن تتخلى عن المحاسبة، تختبر الكفاءات قبل أن تمنح المناصب.

فهل مازالت تنظيماتنا قادرة على التمييز بين تفويض العمل وتفويض المسؤولية، أم أن المصلحية الضيقة طمست هذا الفرق تماماً؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية