حين يصبح التنظيم أفعى تلدغ أصحابها

حين يصبح التنظيم أفعى تلدغ أصحابها

كم مرة سمعنا في المغرب عن جمعية خيرية تحولت إلى مشروع شخصي؟ أو عن حركة إصلاحية بدأت بشعارات نبيلة ثم انتهت إلى صراعات داخلية على المناصب والنفوذ؟ المفارقة أن الأدوات التي نبنيها لخدمة غاياتنا السامية كثيراً ما تنقلب علينا، فتصبح هي الغاية ذاتها، ويتحول الوسيط إلى سيد، والخادم إلى متسلط.

الحاجة إلى التنظيم وخطره المستتر

في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يضع فوزي أكريم يده على جرح عميق في تجربة الحركات الإسلامية المعاصرة. يقول: “نكاد نخلص إلى قاعدة مفادها أن التنظيم ضرورة، لكننا ومع ذلك نشير إلى أن التنظيم أفعى خطرة، وقد تلتهم أو تلدغ في أي لحظة من يقترب منها”. هذا التشبيه المزدوج ليس مبالغة أدبية، بل هو تشخيص دقيق لظاهرة عاشتها وتعيشها تنظيمات كثيرة: التنظيم ضرورة لا غنى عنها، لكنه في الوقت نفسه يحمل سمّه في جوفه.

الإشكالية ليست في وجود التنظيم من عدمه، فالعمل الجماعي المنظم ضرورة شرعية وواقعية. النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، كما يذكر الكاتب، “أدرك أهمية التفويض، ولذلك أوجد لكل طاقة ما يناسبها من عمل، ووزع المسؤوليات، وفرض المهام ومنح أجزاء متساوية من المسؤولية والسلطة لأصحابه”. الإشكالية تكمن في أن التنظيم كائن معقد، له منطقه الخاص، وله قوانينه التي قد تتعارض مع الغايات التي أنشئ من أجلها.

حين يبتلع التنظيم التربية

من أخطر ما يكشفه أكريم أن “التجربة العملية أثبتت أن التنظيم لا يمكنه بتاتا أن يدل الناس على الله”. هذه الجملة تحمل نقداً جذرياً لوهم استمر عقوداً في أوساط العمل الإسلامي: الاعتقاد بأن الانخراط في التنظيم هو بذاته مسار تربوي روحي. الواقع المغربي يشهد على هذا التحول: كم من شاب التحق بحركة إسلامية باحثاً عن معنى روحي، فوجد نفسه غارقاً في اجتماعات إدارية، وصراعات تنظيمية، ومناورات سياسية، بينما ظمؤه الروحي يزداد؟

لذلك يدعو الكاتب إلى أن “التربية كمؤسسة تربوية قائمة بذاتها يجب أن تنفرد وتستقل عن التنظيم لما لها من خصوصية”. هذا الفصل ليس انفصالاً تاماً، بل استقلالية وظيفية تحفظ للتربية نقاءها وتمنع التنظيم من ابتلاعها. التنسيق يبقى ضرورياً، لكن الذوبان كارثي.

الدرس المغربي

التجربة المغربية في العقود الأخيرة تقدم مادة غنية لهذا التحليل. شهدنا تحول حركات كانت تتحدث عن الإحسان والتزكية إلى آليات براغماتية تتحرك بمنطق المصلحة الضيقة. رأينا كيف أن همّ الحفاظ على التنظيم طغى على هدف الدعوة إلى الله. وعاينا كيف تحولت التربية الروحية إلى أداة لضبط الأعضاء وضمان ولائهم للهيكل التنظيمي، بدل أن تكون رحلة حرة نحو الله.

ليست المشكلة في وجود هيكل تنظيمي، بل في تأليهه. حين يصبح الحفاظ على التنظيم أهم من الغاية التي وُجد لأجلها، وحين تُقاس الأمور بمقياس “مصلحة التنظيم” لا بمقياس الحق والعدل، وحين يُضحّى بالقيم لحماية الهيكل، فنحن أمام انقلاب صامت: الوسيلة أكلت الغاية، والأفعى لدغت من اقترب منها.

السؤال المفتوح إذن: هل يمكن لأي تنظيم إنساني أن يحافظ على نقاء غاياته الأولى مع مرور الزمن، أم أن قانون “الأفعى” حتمي، وكل ما نملكه هو الوعي به ومحاولة تأخير لدغته؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية