لماذا تتحوّل تنظيمات تنطلق بشعارات سامية إلى بنى هرمية صامتة، يتسلّق فيها الأكثر براغماتية بدلاً من الأكثر صدقاً؟ سؤال يطرحه المغاربة اليوم وهم يراقبون مسارات فصائل إسلامية كانت تتحدث بلغة الإصلاح، ثم تحوّلت إلى آليات للمساومة السياسية والمناورة الحزبية. المفارقة ليست في التحوّل ذاته، بل في استمرار الخطاب القيمي الذي يغلّف ممارسة مصلحية خالصة، وكأن التنظيم أصبح مسرحاً للقيم لا حاضناً لها.
الذئب الكامن
في تشريحه لآليات التحوّل التنظيمي، يذهب فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» إلى جوهر الإشكال حين يصف “النفس البشرية كأنها ذئب جائع للسلطة، والتربية منوط بها ترويض هذا الذئب”. هذا التشخيص يضعنا أمام حقيقة قاسية: التنظيم ليس بريئاً بطبيعته، والشعار الأخلاقي وحده لا يكفي لحماية البنية من الانزلاق نحو المصلحة الضيقة. السلطة داخل أي تنظيم ليست مجرد أداة لتنفيذ الأهداف، بل هي مطمع يوقظ في النفوس أحلام الهيمنة، وبدون ترويض داخلي أو رقابة خارجية صارمة، يصبح التنظيم مرتعاً لمن يجيدون اللعبة على حساب من يؤمنون بالقضية.
أين الحصانة؟
يطرح أكريم فكرة محورية: لا يكفي الزجر الداخلي وحده، بل لا بد من “نظام محصّن ضد الطغيان بآليات إدارية وقضائية وقانونية صارمة، مع رقابة تحتية يقوم بها الرجال الصادحون بالحق”. هنا تكمن المشكلة الكبرى في التنظيمات التي تعتمد فقط على التربية الروحية أو الولاء الشخصي للقيادة. فحين تغيب الآليات المؤسساتية الصلبة، يسهل على القيادات أن تتحول إلى مراكز قوة مستقلة، وأن تفرض إرادتها على قاعدة يُطلب منها الطاعة باسم الانضباط التنظيمي، بينما تُسكَت الأصوات الناقدة تحت مسمّيات مختلفة: الحفاظ على الوحدة، تجنّب الفتنة، أو احترام الهرمية.
المغرب والدرس التنظيمي
التجربة المغربية مع التنظيمات الإسلامية تقدّم نموذجاً حياً لهذا التحوّل. منذ الثمانينيات إلى اليوم، شهدنا كيف تحوّلت حركات كانت ترفع شعار التغيير الجذري إلى أحزاب تبحث عن مقاعد وزارية، وكيف تحوّل خطاب المقاومة إلى براغماتية التحالفات. ليست المشكلة في التحوّل السياسي بذاته، بل في غياب النقاش الداخلي الصريح حول هذا التحوّل، وفي تحوّل القواعد إلى جمهور يصفّق بدلاً من أن يكون رقيباً. غياب “الرقابة التحتية من القواعد” يحوّل التنظيم إلى آلة بيروقراطية تخدم مصالح القيادة، لا مشروعاً جماعياً يخضع للمساءلة.
القيادة الربانية أم السياسية؟
يميّز أكريم بين القيادة الربانية “الممسوكة بالصحبة” والقيادة السياسية “المقطوعة من يد الله”، وهو تمييز يكشف عن أزمة عميقة: حين تفقد القيادة مرجعيتها الأخلاقية وتصبح ممارستها مجرد حساب سياسي، فإنها “تستطيع أن تبيع القضية في أية لحظة عندما يُدفع الثمن المناسب”. المغاربة شهدوا نماذج من هذا البيع: تنازلات سياسية باسم الواقعية، صمت عن قضايا مبدئية باسم حفظ المكاسب، وتحالفات غير مفهومة باسم المصلحة العامة. وفي كل مرة، كان الخطاب يُعاد تدويره ليبرر التحوّل، بينما القواعد تُطالب بالصبر والفهم.
المخرج الصعب
الحل الذي يقترحه الكاتب ليس سهلاً: “اجتماع كل من الرقابة الداخلية والخارجية لحسن سير المؤسسات التنظيمية”. هذا يعني بناء آليات حقيقية للمحاسبة، وتعزيز دور القواعد في المراقبة، وإيجاد أجهزة قضائية داخلية مستقلة، وفوق كل ذلك، حماية الأصوات الناقدة من التهميش أو الإقصاء. التنظيم الذي لا يحمي معارضيه الداخليين محكوم عليه بأن يصبح أداة في يد الذئاب، لا مشروعاً للتغيير.
فهل يمكن لتنظيم إسلامي في المغرب اليوم أن يبني آليات رقابة حقيقية تحميه من الانزلاق نحو المصلحية، أم أن المسار التاريخي يدفع حتماً نحو ترويض المبادئ لصالح البقاء السياسي؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً