حين يصبح المنبر سُلّماً إلى الكرسي

حين يصبح المنبر سُلّماً إلى الكرسي

لماذا يشعر المغربي العادي بالحيرة حين يرى رجل دين بالأمس يتحول إلى سياسي محترف اليوم؟ ولماذا تتكرر في الساحة المغربية مشاهد الانشقاقات والصراعات داخل تنظيمات كانت تقدم نفسها حارسة للقيم ومدافعة عن الفضيلة؟ المفارقة ليست في التحول ذاته، بل في أن هذا التحول يجري غالباً تحت يافطة “خدمة الإسلام” بينما الممارسة الفعلية تكشف عن منطق مختلف تماماً، منطق تنافسي صِرف على المناصب والنفوذ.

من الصلاح إلى الصلاحية

يطرح فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” تشخيصاً لافتاً لهذه الظاهرة، حين يؤكد أن “القيادة داخل التنظيم الإسلامي كان من المفترض أنها مبنية على أسس الصلاح والولاية والغناء لا على هذه الاعتبارات الدنيوية المنحطة”. هذه الجملة تختزل مأساة حقيقية: الانتقال من معيار الصلاح الروحي إلى معيار الصلاحية الإدارية، ومن شرط التجرد إلى براغماتية المصلحة.

المشكلة ليست في أن التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية تواجه تحديات تنظيمية وبشرية؛ فهذا أمر طبيعي في أي تجمع بشري. المشكلة تكمن في الادعاء بالاستثناء الأخلاقي، ثم الوقوع في الممارسات ذاتها التي تُدان عند الآخرين. حين يختلس عضو في تنظيم “إسلامي” أموال الجماعة، أو يستغل نفوذه لمصالح شخصية، أو يمارس “المشيخة على عباد الله” كما يصفها الكاتب، فإن الخيبة تكون مضاعفة لأن الوعد كان أكبر والمعيار المعلن كان أسمى.

القيادة الموصولة أم المنفصلة؟

ما يميز رؤية أكريم أنه لا يكتفي برصد المرض، بل يحدد الدواء بدقة: التنظيم الإسلامي “لا يستقيم إلا وهو تحت أيادٍ موصولة بالله وبرسول الله”. هذا الوصل ليس شعاراً أو ادعاءً، بل هو حالة وجودية من التجرد عن المطامع الدنيوية. لكن كم من قائد في الساحة الإسلامية المغربية اليوم يستطيع أن يدعي هذا التجرد بصدق؟

الواقع يكشف أن كثيراً من القيادات تحولت إلى ما يشبه البيروقراطية الحزبية العادية: حسابات انتخابية، ومناورات سياسية، وتحالفات تكتيكية، وصراعات على المواقع. لا شيء من هذا خطأ في ذاته إذا جرى في إطار حزب سياسي صريح لا يدعي غير السياسة. لكن حين يُغلَّف بخطاب ديني ويُقدَّم على أنه “جهاد” أو “دعوة”، فإننا نكون أمام تزييف مزدوج: للدين وللسياسة معاً.

فصل الأدوار أم دمجها؟

يقترح الكاتب حلاً جذرياً: فصل واضح بين الفضاءين. السياسيون الوصوليون لهم الحزب “الإسلامي” الذي “يدفع بهم إلى الساحة السياسية ليجروا فيها جري الوحوش”، أما المؤمنون الطيبون فيبقون “في حمى أهل الله” بعيداً عن هذا الصخب. هذا الفصل ليس احتقاراً للسياسة، بل اعترافاً بطبيعتها التنافسية الصراعية التي لا تتناسب مع منطق التربية الروحية والإحسان.

في السياق المغربي، حيث تجربة حزب ذي مرجعية إسلامية وصل إلى الحكومة وعاش كل إكراهات السلطة وإغراءاتها، يصبح هذا السؤال ملحاً: هل يمكن الجمع بين الدعوي والسياسي دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟ التجربة أثبتت أن السياسي يبتلع الدعوي دائماً، وأن الخطاب الأخلاقي يتحول تدريجياً إلى مجرد غلاف تسويقي لممارسة سياسية عادية.

ربما حان الوقت لمصارحة صعبة: إما أن نقبل بأن التنظيمات الإسلامية هي أحزاب سياسية عادية تخضع لمنطق السياسة ونقدها وفق ذلك، أو أن نطالبها فعلاً بأن تكون تحت قيادة “أيادٍ موصولة بالله”، وهذا يعني تجرداً حقيقياً قد لا يتوافق مع المشاركة السياسية التنافسية. فأيهما تختار التنظيمات الإسلامية في المغرب: الصدق مع الذات أم الاستمرار في الازدواجية؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية