حين يصبح المنبر سُلّماً إلى الكرسي

حين يصبح المنبر سُلّماً إلى الكرسي

لماذا يشعر كثير من المغاربة اليوم بخيبة أمل من تنظيمات رفعت شعارات الإصلاح والتغيير، ثم انتهت إلى التنافس على المناصب والمقاعد؟ ولماذا تحوّل الخطاب الذي كان يتحدث عن القيم والمبادئ إلى براغماتية سياسية لا تختلف كثيراً عن منطق الأحزاب التقليدية التي كانت تُنتقَد بالأمس؟ هذه الأسئلة ليست وليدة اللحظة، بل هي تعبير عن تحوّل عميق طال بنية التنظيمات الإسلامية ذاتها، تحوّل من الدعوة إلى السياسة، ومن الإحسان إلى المصلحة.

الصراع الخفي داخل التنظيمات

في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية”، يكشف فوزي أكريم عن صراع داخلي يعتمل في قلب التنظيمات الإسلامية، صراع بين تكتّلين: تكتل رجال الدعوة الذين يجرّون الجماعة نحو “الرباط والقيام والذكر والقرآن”، وتكتل رجال السياسة الذين يدفعون باتجاه “العمل الجمعوي والمشاركة السياسية واللعبة السياسية”. هذا الانقسام ليس مجرد اختلاف في الأولويات، بل هو صراع وجودي على هوية التنظيم ذاته: هل هو مشروع تربوي روحي يسعى إلى معرفة الله، أم مشروع سياسي يسعى إلى السلطة؟

المفارقة أن هذا الصراع، رغم أنه يدور داخل تنظيمات تدّعي الأخوّة والوحدة، ينتهي دائماً تقريباً بانتصار الطرف الأكثر براغماتية. فرجل السياسة، بحكم تكوينه وطبيعة عمله، يجيد استخدام الأدوات التنظيمية والإدارية لتحقيق أهدافه، بينما يظل رجل الدعوة محكوماً بمنطق أخلاقي يمنعه من خوض المعارك بالأساليب ذاتها.

الميكيافيلية بثوب إسلامي

يصف أكريم هذا التحول بدقة حين يقول إن “رجل السياسة نظرا لتكوينه الميكيافيلي البرغماتي فهو يحاول ركوب أي شيء ليصل إلى السلطة بما في ذلك التنظيم الدعوي”، وهو وصف يكشف عن جوهر المشكلة: حين يصبح التنظيم الدعوي مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، فإن كل القيم التي كان يُفترض أن يمثلها تصبح قابلة للمساومة.

هذا التحول لا يحدث فجأة، بل عبر مسار طويل من التنازلات الصغيرة والتبريرات الكبيرة. يبدأ بالقول إن المشاركة السياسية ضرورية للتأثير، ثم يتحول إلى أن الوصول إلى السلطة شرط للإصلاح، وينتهي بأن كل شيء مباح في سبيل الحفاظ على المواقع والمكاسب. وفي هذا المسار، يُدفع رجال الدعوة الحقيقيون إلى الهامش، لأنهم يمثلون ضميراً مزعجاً يذكّر بالوعود الأولى والمبادئ المنسية.

من الأخوّة إلى الإقصاء

الأكثر إيلاماً في هذا التحول أنه لا يكتفي بتهميش رجال الدعوة، بل يتبعهم “بالتعبئة الداخلية لضمان عدم رجوعهم إلى الساحة”، كما يشير أكريم. أي أن الصراع لا ينتهي بمجرد الانتصار، بل يستمر عبر آليات إقصاء ممنهجة تضمن ألا تعود الأصوات الناقدة إلى الظهور. هنا تتحول الجماعة التي كانت تتحدث عن الأخوة والمحبة في الله إلى آلة تنظيمية باردة تُمارس الإقصاء بكفاءة عالية.

هذا المسار ليس خاصاً بالمغرب وحده، لكنه يكتسب في السياق المغربي أهمية خاصة، لأن المغاربة عاشوا تجربة مباشرة مع تنظيمات إسلامية وصلت إلى السلطة ثم خيّبت كثيراً من التوقعات. السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل هذا التحول من الدعوة إلى السياسة، ومن الإحسان إلى المصلحية، حتمي في كل تنظيم يدخل اللعبة السياسية؟ أم أن هناك إمكانية للحفاظ على التوازن بين القيم والممارسة، بين المبدأ والواقع؟

هل تعتقدون أن التنظيمات الإسلامية قادرة على استعادة بوصلتها الأخلاقية، أم أن منطق السياسة سيظل الأقوى دائماً؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية