فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

نرجسية القيادة الاسلامية

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 22 من 77 — فهرس الكتاب

النرجسية أسطورة يونانية ورد فيها أن نركسوس كان آية في الجمال فـعشق نفسه حتى الموت عندما رأى وجهه في الماء، ومنذئذ أصبحت النرجسية مثالا لتعظيم الذات وعشق النفس وحب الظهور والتميز عن الناس، وطبعا للنرجسية أسس متعددة كالجمال والذكاء والفصاحة والتدين، وهي بجانب الميكيافيلية والاعتلال النفسي [1] ثالوث الشر.

عادة ما تتميز العناصر القيادية بالتكبر والعجرفة والانانية والدكتاتورية، وإلى عهد قريب كنا نعتقد أن القيادة الاسلامية هي شيء من روح النبوة على اعتبار أنها تقوم مقام النبوة في زمن الفتنة، لكن الحقيقة أن هذه القيادة ليست من النبوة في شيء، إنها مجرد قيادة سياسية بعباءة دينية تركب على الدين لتمرير برامجها السياسية وتحقيق أهدافها الشخصية، وإذا كان الشخص القيادي في التجمعات المتخلفة يتصف عادة بالكبر فإن العناصر القيادية داخل الصف الاسلامي غالبا ما تحاول إبراز نوع من التواضع الأصفر للركوب عليه وكسب القلوب والتشبه بالنبوة في تواضعها مع عباد الله.

لقد كشف الواقع أن القيادة الاسلامية هي أكثر الناس شعورا بأهميتها وتميزها عن العامة ورغبتها أينما حلت وارتحلت في أن تكون مركز دائرة الاهتمام ومحط الاشارة، كل ذلك على أساس تميزها الروحي والعلمي والحركي والاجتماعي والتنظيمي، وكل هذه العناصر يلعب الدين فيها الاساس الذي تقف عليه نرجسية القيادي الاسلامي، فالمسؤول الاسلامي شخص لا وجود له بلا دين، تجده أحيانا بلا مؤهلات علمية ولا مواهب عقلية ولا نورانية روحية حتى ومع ذلك يقف راسخا على الدين، لكأنه الحاكم باسم الله في القرون الوسطى يهددك بالانتقام الالاهي كلما خالفته، يركب على الدين ويستشعر في نفسه أنه مركز الكون ونقطة الارتكاز التي يدور حولها التنظيم والبشر أينما وجد، كل ذلك لأن الناس تحترم الدين والتنظيم الديني، وإذا حضر مأدبة ولم تعطه الميكروفون ليلقي كلمة يوجه فيها الحضور إلى الطريق المستقيم نظر إليك نظرة شزرة علامةً على الغضبِ والاستهانة.

لا يتوقف التنظيم عن النفخ في قيادييه وإذكاء نرجسيتهم بالطرق التنظيمية المختلفة، يستعرض كل حين إنجازاتهم الموهومة وكراماتهم المزعومة ومواهبهم الربانية التي لا نظير لها في العالم، تماما كما يفعل القذاذفة الموهومون حين يعتقدون أنهم وحدهم مركز الأمة وبدونهم لن يسير شيء، يتوهمون القوة والجمال والبلاغة والتألق الدائم ويحتقرون في قرارة أنفسهم كل الاخرين بما فيهم من تحتهم في قاع التنظيم، وأنت تقف مع القيادي الاسلامي المخدوع من نفسه يحاول أن يفرض عليك تميزه، يتلوى من العُجب يريد أن يبلغ إلى فهمك أنه شخص غير عادي، يبلغك بكل صراحة أو إشارة أنه شخص مميز عن المسلمين، وعليك أن تقتنع وتصرح بتميزه وإلا كنت من المحرومين من بركاته الإيمانية وتزكياته التنظيمية، يدور ثم يدور ليؤكد لك تميزه، وحين تنحني لتميزه إجلالا يبتسم لك ابتسامة التواضع الصفراء والمحبة اللئيمة التي تستبطن في طياتها كل أنواع الكبر الشيطاني.

حين يحضر القيادي يجب أن يتصدر المجلس ويجلس في صدارة القوم، طبعا لا يمكن أن ينصرف دون أن يلقي بالكلمة "النورانية" ويوجه الحضور الذين يفترض فيهم أنهم مُعوجون يحتاجون دائما الى تقويم وتوجيه إرشادي يرشدهم إلى طريق الكمال الذي وصله القيادي، يصعد صديقنا القيادي المهووس بمركزه التنظيمي إلى المنصة مستشعرا في نفسه حقارة الذين يستمعون إليه، يلقي إليهم بالكلام المرشد من علياء الولاية وسماء الكمال، ينتقد بشراسة واستهزاء مظاهر الاستخفاف بالتنظيم والمسؤولين والويل لمن "جا فيه البلان"، البلان هو تصميم تهيئة المدن وأحيانا يدك هذا التصميم منازل الغير للمصلحة العامة، والمدكوك منزله هنا هو ذاك الذي يحاول أن يشاكس القيادة، فينزل عليه القيادي من علياء منبر الارشاد بعصا الاستهزاء والتقليل فيجعله أضحوكة للحضور، ثم يقال له اقتل نفسك، بمعنى لا تنتقم لنفسك فهذا أمر طبيعي في طريق الله وعليك أن تصبر على قجاقل المرشد.

والأمر صحيح إذا مارسه ولي الله في إطار الكلام القوي المقوم للنفوس الطاغية، لكنه طغيان تنظيمي إذا مارسه القيادي السياسوي الخبيث في إطار كلام الاستهزاء والتصفية التنظيمية، فهو في الاولى نيته التربية وفي الثانية غايته الاستهزاء الفرعوني.

القيادي لا يحب المناقشة ولا المجادلة ولا تقليب الرأي، يحب أن ينزل رأيه كما هو على الجميع، وأساس ذلك أنه يرى نفسه أفضل من غيره تربية وتنظيما وخَلقا وخُلقا، ولذلك فهو يحتكر الكلام والفهم، والدهماء غالبا ما تعطيه حق الكلام المنفرد بما أنها الصورة المعاكسة للنرجسية، فإذا كان القيادي متعجرفا بقياديته مستمتعا بنرجسيته فالإمعة مستمتع بحقارته متلذذ بـنذالته.

من أهم مظاهر النرجسية استغلال الناس على أساس هذا الوهم بالتميز، فمن يعتقد في نفسه الافضلية على الناس ضروري أن يعمد إلى تسخيرهم لخدمة مقامه العالي، وهو إن أحس بتحرر الناس وانفلاتهم من قبضة خدمته تضايق وانتفش غاضبا وتساءل مستنكرا كيف يجرؤون؟ تتغذيان مثلا في مطعم على طريق السفر فينتظر منك أن تقفز مسرعا وتؤدي الفاتورة، تعمل له عملا في بيته فينتظر منك أن لا تأخذ مقابلا عن عملك، تلتقيه رفقة ابنه على باب الحي فينتظر منك أن تجامل الابن المنور وتتمسح ببركاته، يدخل المجلس التربوي فينتظر في تواضع مزور أن يستدعى إلى المنصة لتتمتع نفسه بصدارة المجلس والسمو التربوي والتنظيمي على الحاضرين.

هكذا هي الشخصية النرجسية تحب أن تسخر الناس لقضاء مآربها الذاتية، وهذا الأمر هو من أهم تجليات الانانية والكبر اللذان يسكنان قعر نفسها، وهي مع ذلك لا تحس بالآخر ومعاناته، قلبها قاس لا يأبه بالألم الذي يحرق قلوب الآخر، شخصية تعتبر الآخر تافها لدرجة أن لا تأبه لمعاناته ولا لتأوهاته، وحتى لو تساقطت أوراق التنظيم واحدة تلو الاخرى فلا يتحرك فيها عرق لسقوط المؤمنين، تعطي الأوامر للدعوة وكأن الدعوة أوامر وتخطيطات وضحك على الناس.

النرجسية القيادية الاسلامية بالاضافة الى ذلك تحقد على العناصر المتميزة، حقد دفين ضد كل متميز تربوي طارئ على الساحة، حقد عمقه الحسد المؤسس على استصغار الغير، فالحسود النرجسي لا يكاد يقتنع بتميز غيره عنه ولا يكاد يقبل عطاء ربك على عباد الله، لا يرى سوى نفسه والأغيار كلهم لا يستحقون عطاء من الله، وأنت تتميز عنه بعطاءات إلاهية يحقد عليك إذا كنت خارجا عن نطاق مؤسسته ويفصلك بهدوء إذا كنت تحت سلطته ولم تتلو عليه آيات الولاء صباح مساء، يريد كل شيء له وعلى يديه، والفتات لابد أن يخرج بأمره لمن يرضى عنهم.

لو كانت مقادير الخير بيد القيادي النرجسي لمنع الماء والهواء على المؤمنين حتى يتأكد من تميزه وانفراده بالافضلية، لذلك لا أعتقد أن قيادة كهذه ستجلب خلافة على منهاج النبوة.

يبقى أكثر ما يميز القيادة النرجسية هو غضبها الشديد في حالة عدم حصولها على معاملة خاصة، إنها تغضب غضبا تنظيميا في وجه كل من لا يعاملها بحنان خاص، تشعر بالاهانة بمجرد عدم حصولها على دلال خاص، وخلال تحركها اليومي لا تستشعر الأمان في وسط لا يمكنه أن يعطيها التميز المجاني والحنان الفياض وشلالا من التبجيل كل حين، لذلك تطرح هذه العناصر النرجسية سؤال الشرعية باستمرار، فذلك أن تثبيت الشرعية التنظيمية وحده الكفيل بإعطائها قدما راسخة في أرض النرجسية.

هكذا تتحول القيادة الاسلامية إلى قيادة نرجسية لا يهتم فيها القائد التنظيمي إلا بنفسه، فتتمركز الأولوية عنده حول نفسه على حساب أفراد الجماعة الآخرين، ثم يسلك صاحبنا لاحقا مسلك الغطرسة والهيمنة والنفوذ والعدائية والفصل تجاه كل مخالف أو مشكك في تميزه.

الحقيقة لا أدري كيف تعالج النرجسية خاصة في مواجهة قيادة تحتكر الدين وتمتلك حق التربية وبركة الصحبة، فالشخص النرجسي العادي يمكن كسر نرجسيته بالقول البليغ والإشارة العميقة، أما الجالس على عرش التربية فكيف تعالج نرجسيته الجالسة على السلطة الروحية المطلقة، إنه يستحيل حتى الاشارة إليه بنرجسيته المثيرة للغثيان، فلا طبيب يداوي القيادي النرجسي داخل الصف الاسلامي سوى المرشد القوي تنظيميا، ولي الله القوي تنظيميا وحده من يستطيع أن يهش بهراوة الفصل التنظيمي على النرجسي المتعفن في نرجسيته المقيتة فيرديه قتيلا على أبواب التنظيم أو متواضعا بين أيدي الاخوان.

أما في حالة كان ولي الله ضعيفا على مستوى التنظيم فالتعقيدات التنظيمية غالبا ما تتفاقم في وضع تحت سيطرة القيادة النرجسية، فيفسد التنظيم من قاعه إلى أساسه ليرضي نفسية صديقنا القيادي المدلل تربويا وتنظيميا، تماما كما يحدث في ضيعات الانظمة السياسية الشمولية التي تحكمها العائلة المدللة، تفسد الدولة كلها لـيبقى بن قبان النرجسي مرتاحا على كرسي السلطة.


📌 الهوامش

  1. [1] شخصية معتلة نفسيًا ويسمى أيضًا بالسيكوبات هي باختصار أكثر الشخصيات تعقيداً وصعوبة في التعرف على صاحبها، حيث أن المعتل نفسياً يجيد تمثيل دور إنسان عاقل كما أن لهُ القدرة في التأثير بالآخرين والتلاعب بأفكارهم، ويتلذذ بإلحاق الأذى بمن هم في محيطهِ وخاصة إذا ما كان زوجاً أو زوجة، وهو عذب الكلام، يعطي وعوداً كثيرة، ولا يفي منها بشيء؛ عند مقابلته ربما تبهرك لطافته وقدرته على استيعاب من أمامه بمرونته في التعامل وشهامته الظاهرية المؤقتة ووعوده البراقة؛ ولكن حين تعامله لفترة كافية أو تتحرى حوله من أحد مقربيه عن تاريخهِ تجد حياته شديدة الاضطراب ومليئة بتجارب الفشل والتخبط والأفعال اللاأخلاقية، وكثيرا ما يتعهد ويعد ويخلف، هي شخصية لا يهمها إلا نفسها وملذاتها فقط وتشعر بأنها محور الكون، وبعضهم ينتهي بهِ الأمر إلى السجون وبعضهم يصل أحياناً إلى أدوار قيادية في المجتمع نظراً لأنانيتهم المفرطة وطموحهم المحطِّم لكل القيم والعقبات والتقاليد والصداقات في سبيل الوصول لمرادهِ، هذا الشخص هو من انعدم الضمير لديه فولع بالأنا (الهو) الشهوانية حسب أفكار فرويد، ونفى الضمير (الأنا العليا)، فهو لا يحمل في طياتهِ كثيراً من الأخلاقيات أو العرف من الدين أو الضمير أو أي حسيب، وبالتالي فإن مؤشر المحصلة سوف يكون دائماً في حالة من الميل المستمر نحو الغرائز ونحو تحقيق ما تصبو إليهِ النفس وحتى دون الشعور بالذنب أو التأنيب الإنساني.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية