كم مرة سمعنا في المغرب عن جمعية أو تنظيم بدأ بحماس الشباب وأحلام التغيير، ثم انتهى إلى صراعات داخلية وتكالب على المناصب؟ كم من حركة انطلقت بشعارات براقة عن خدمة المجتمع، لتجد نفسها بعد سنوات أسيرة لمصالح قلة من قادتها؟ هذه المفارقة ليست وليدة اليوم، بل هي تحول بنيوي يصيب التنظيمات حين تنسى غاياتها الأولى وتستبدل الإحسان بالمصلحية الضيقة.
في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يضع فوزي أكريم إصبعه على الجرح حين يرصد كيف تتحول التنظيمات من أدوات لتنسيق الجهود إلى آليات للهيمنة والاستئثار. يكتب أكريم أن بعض التنظيمات «تحب أن تركب على جهود الآخرين والوصول بأقل مجهود، وتشتهي الاستئثار بمقدرات الجماعة البشرية والمالية لفائدة مصلحتها الفردية». هذا التشخيص القاسي يكشف عن انحراف جوهري: التنظيم الذي وُجد أصلاً لتجميع الطاقات وتوجيهها نحو غايات نبيلة، يتحول إلى أداة لامتصاص جهود الأفراد لصالح نخبة تتحكم فيه.
من الفلسفة إلى الآلية
المفترض في التنظيم، كما يشير الكاتب، أن يكون «تلك الفلسفة التي تُنسق الجهود وتمنع الطغيان»، لكن ما يحدث في كثير من الحالات هو العكس تماماً. يصبح التنظيم بيئة حاضنة للطغيان، حيث تتركز السلطة في يد قلة، وتُختزل المشاركة إلى طاعة عمياء. وهنا يستحضر أكريم الآية الكريمة عن فرعون وقومه، ليذكّرنا بأن السكوت على الطغيان التنظيمي له عواقبه الوخيمة، فـ«السكون للطغيان التنظيمي الفرعوني والاستخفاف بالنفس» يؤدي حتماً إلى «الغرق الشامل للجماعة».
هذا التحذير ليس مجرد خطاب أخلاقي مجرد، بل هو قراءة واقعية لمآلات التنظيمات التي تفقد بوصلتها. فعندما يتحول القائد التنظيمي من منسّق للجهود إلى مستبد يستأثر بالقرار والموارد، فإن التنظيم برمته يدخل في مرحلة الاحتضار، حتى لو بدا من الخارج قوياً ومهيمناً.
الرجل الكفء أم جامع المصالح؟
يضع الكاتب معياراً واضحاً للتنظيم الناجح: القدرة على تعبئة الطاقات دون هدرها، وتحقيق الغايات الجماعية بأقل تكلفة. و«رجل التنظيم الكفء» في نظره هو من يجيد «جمع الجهود» و«ربط العناصر بعضها ببعض لا تشتيتها». لكن الواقع يقدم لنا نموذجاً مغايراً: قائداً يجيد تشتيت الجهود لصالح مركزة السلطة، ويبرع في خلق التنافس السلبي بين الأعضاء لضمان ولائهم الشخصي له.
المشكلة الكبرى تكمن في أن هذا الانحراف لا يحدث فجأة، بل يتسلل تدريجياً. يبدأ بتبريرات براغماتية: «نحن بحاجة لقيادة قوية»، «الظرف يقتضي الحسم»، «الخلاف يضعفنا أمام الخصوم». ثم تترسخ ثقافة الطاعة على حساب المشاركة، ويصبح التنظيم هرماً يعلوه فرد أو طغمة، بدلاً من أن يكون شبكة من العلاقات الأفقية الحيوية.
السؤال المسكوت عنه
ما يثيره أكريم ليس فقط نقداً لممارسات خاطئة، بل هو دعوة لإعادة التفكير في جوهر التنظيم نفسه. هل نحن بحاجة إلى تنظيمات ضخمة بهياكل جامدة، أم إلى أشكال تنظيمية مرنة تحفظ للفرد كرامته وللجماعة غايتها؟ كيف نمنع التنظيم من أن يصبح غاية في حد ذاته، بدلاً من أن يبقى وسيلة لتحقيق غايات أسمى؟
في السياق المغربي، حيث شهدنا صعوداً وأفولاً لتنظيمات كثيرة، يحق لنا أن نتساءل: هل نملك الجرأة لمراجعة تجاربنا التنظيمية بصدق؟ أم سنظل ندور في حلقة مفرغة من التأسيس ثم الاستبداد ثم الانهيار؟ ربما يكون السؤال الأهم: كيف نبني تنظيمات تخدم الناس دون أن تستعبدهم؟
ما رأيكم؟ هل عشتم تجربة مشابهة في تنظيم أو جمعية؟ وكيف يمكن حماية التنظيمات من داء المصلحية والطغيان؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً