حين يصبح التنظيم قفصاً: من العائلة إلى المصلحة

حين يصبح التنظيم قفصاً: من العائلة إلى المصلحة

كم مرة سمعنا في المغرب عن «قيادي» استقال من حزبه أو جماعته ليؤسس تنظيماً موازياً؟ وكم مرة شهدنا انشقاقات تُبرَّر بـ«خلافات فكرية» بينما الواقع يفضح صراعات على المناصب والنفوذ؟ المفارقة أن هذه التنظيمات التي تدّعي السعي لإصلاح المجتمع، تفشل في إصلاح ذاتها، وتتحول من فضاءات للعمل الجماعي إلى ساحات للإقصاء والتصفيات الداخلية.

وهم العائلة الواحدة

ينطلق فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» من تشريح عميق لمفهوم التنظيم، مستحضراً نموذجاً يبدو بعيداً عن سياقنا لكنه يكشف جوهر الأزمة. يقتبس عن الفيلسوف الياباني دوكو قوله: “إن المصانع اليابانية ليست إلا أسرة، إنها حياة العائلة الواحدة، بكل ما في كلمة العائلة من معنى”، ليضعنا أمام سؤال محرج: هل تنظيماتنا الإسلامية والسياسية تشبه هذه العائلة المترابطة، أم أنها تحولت إلى مؤسسات يحكمها منطق الإقصاء والولاء الأعمى؟

الإشكالية ليست في التنظيم بحد ذاته، فهو كما يشير الكاتب «وليد الضرورة الإنسانية منذ القدم»، وتطور عبر التاريخ من تنظيم الحرث والتجارة إلى علم قائم بذاته. المشكلة تكمن في نوعية القيادة التي تدير هذا التنظيم: هل هي قيادة «الرجل المغناطيس ذو القلب الجامع» أم قيادة «صاحب القلب القاسي الذي يذبح العناصر المتميزة والطاقات المنافسة له مع أول منعرج»؟

من التنظيم إلى التحجّر

في الواقع المغربي، نلاحظ كيف تحولت بعض التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية من مشاريع إصلاحية إلى بنى هرمية متصلبة، يُقاس فيها النجاح بالقرب من القمة لا بالكفاءة أو الإبداع. الشاب النابه الذي ينضم إلى هذه التنظيمات بحماس وأفكار جديدة، سرعان ما يصطدم بجدار من البيروقراطية الداخلية والأعراف غير المكتوبة التي تحدد من يصعد ومن يبقى في القاع.

الفارق بين النموذج الياباني الذي يستحضره الكاتب وواقعنا المحلي صارخ. في اليابان، العامل «قد ولد ليموت في داخل المصنع»، لكن هذا الانتماء مبني على تبادل المنفعة والاحترام المتبادل وفرص النمو. أما عندنا، فالانتماء مبني على الولاء الشخصي والإذعان، والخروج من التنظيم يُعتبر خيانة تستوجب الحرق والتشهير، حتى لو كان الخارج يحمل مشروعاً إصلاحياً حقيقياً.

أسئلة الراهن

المشهد المغربي اليوم يشهد تراجعاً واضحاً لجاذبية التنظيمات الإسلامية، خاصة بين الشباب. هذا التراجع ليس فقط بسبب التحولات الاجتماعية أو «الهجمة العلمانية» كما يحلو للبعض تسميتها، بل لأن هذه التنظيمات فقدت روحها الأولى. تحولت من فضاءات للإحسان والتربية إلى آلات انتخابية ومصالح ضيقة، يُضحّى فيها بالكفاءات من أجل الطاعة، وبالأفكار الجديدة من أجل استمرار الوضع القائم.

التنظيم الناجح ليس ذاك الذي يحافظ على بقاء قادته في المقدمة، بل الذي يصنع قادة جدداً باستمرار. ليس الذي يُخرس الأصوات المختلفة، بل الذي يحولها إلى طاقة إبداعية. ليس الذي يُعاقب من ينتقده، بل الذي يكافئ من يساهم في تطويره.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل ما زالت تنظيماتنا قادرة على إنتاج «الرجل المغناطيس» الذي يجمع ولا يفرق، أم أننا محكومون بنموذج القائد الذي يرى في كل موهوب تهديداً لعرشه؟ وهل يمكن لهذه التنظيمات أن تعيد اكتشاف معنى «العائلة» الحقيقي، أم أن المصلحية الضيقة قد حسمت المعركة؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية