حين يصبح التنظيم قفصاً لا عقداً من الجواهر

حين يصبح التنظيم قفصاً لا عقداً من الجواهر

لماذا تحوّلت التنظيمات التي كانت تَعِدُ بالنهضة إلى بنيات يهرب منها أفضل عناصرها؟ ولماذا يشعر كثيرون ممن انخرطوا فيها بالاختناق بدل الانطلاق؟ هذا السؤال يطرحه اليوم أكثر من جيل في المغرب، خاصة أولئك الذين دخلوا أبواب العمل الجماعي المنظّم بحثاً عن معنى أكبر من ذواتهم، فوجدوا أنفسهم أمام آليات باردة تُفرغ الروح من المشروع.

في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يستعيد فوزي أكريم مقارنة لافتة بين نموذجين تنظيميين: المصانع اليابانية التي تشتغل «بروح العائلة»، والتنظيمات الإسلامية التي نظّر لها الأستاذ عبد السلام ياسين على أساس الترابط والتآخي. يقتبس أكريم من ياسين قوله: «وإذا كان المؤمنون جواهر نفيسة كل منهم على حدة، فإنهم إن انتظموا في عقد ازدادوا نفاسة». هذا التصور الجميل للتنظيم كـ«عقد» يجمع الجواهر فيزيدها بريقاً، يصطدم اليوم بواقع مرير: كثير من التنظيمات تحوّلت إلى سلاسل تُقيّد تلك الجواهر بدل أن تُبرزها.

من الأسرة إلى المؤسسة الباردة

المفارقة أن المصطلح نفسه بقي: «الأسرة». لكن المضمون تبخّر. فالأسرة في المفهوم الأصيل تعني الدفء والانتماء والتضحية المتبادلة، تعني أن كل فرد يجد مكانه ويُقدَّر دوره، وأن المجموع أكبر من مجرد جمع أفراد. لكن ما يحدث في كثير من الحالات هو العكس تماماً: تنظيمات تُسمّي نفسها «أُسَراً» بينما تمارس الإقصاء والتهميش والمحاسبة الجافة على كل صغيرة وكبيرة، وتُحوّل الأفراد إلى أرقام في سجلات الحضور والغياب.

التنظيم الياباني الذي يستحضره المقطع يقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق: العامل لا ينتقل إلى مصنع منافس، لا لأنه مُقيَّد بعقد صارم، بل لأنه يشعر بالانتماء لعائلة لها أسرارها وكرامتها. هنا يكمن الفارق بين تنظيم يُلهم الولاء من الداخل، وآخر يفرضه من الخارج بالرقابة والتخويف. الأول ينتج إبداعاً وتفوقاً، والثاني ينتج نفاقاً وهجرة صامتة للكفاءات.

الشريعة ليست بيروقراطية

يُذكّرنا المقطع بأن الشريعة الإسلامية «كانت سباقة إلى بث هذا المفهوم في الأمة» حين أشارت إلى مجتمعَيْ النمل والنحل. لكن الإشارة القرآنية إلى هذين المجتمعين ليست دعوة إلى بناء خلايا مُغلقة يُلغى فيها الفرد لصالح الجماعة، بل هي تنبيه إلى التنظيم الحيّ، القائم على التخصص والتكامل والإنتاجية المشتركة، لا على الطاعة العمياء والتراتبية القاتلة للمبادرة.

المشكلة أن كثيراً من التنظيمات المعاصرة استوردت من علم الإدارة الحديثة قشوره، وتركت جوهره. أخذت الهياكل التنظيمية والمصطلحات والإجراءات، لكنها أفرغتها من الروح التي تجعل الإنسان يشعر بأنه شريك في مشروع، لا مجرد ترس في آلة. وهكذا، بدل أن يزداد المؤمنون نفاسة بانتظامهم في عقد، كما قال ياسين، صاروا يفقدون بريقهم الفردي دون أن يكتسبوا قوة جماعية حقيقية.

سؤال المآل

السؤال الحقيقي اليوم ليس عن ضرورة التنظيم من عدمها، فالتنظيم ضرورة حضارية لا جدال فيها. السؤال هو: أي تنظيم نريد؟ تنظيم يُحرر الطاقات أم يُكبّلها؟ تنظيم يصنع قادة أم أتباعاً؟ تنظيم يُنتج مشاريع نهضوية أم يُديم بنيات سلطوية تُعيد إنتاج نفسها على حساب رسالتها الأولى؟

المغرب اليوم يعجّ بأشكال تنظيمية متنوعة، من الأحزاب إلى الجمعيات إلى الحركات الدعوية. بعضها ما زال يحمل بصيصاً من ذلك المعنى الأصيل للعقد الذي يجمع الجواهر، وبعضها الآخر تحوّل إلى مجرد واجهات لمصالح ضيقة أو أطر للتحكّم والهيمنة. الفرق بينهما ليس في الشعارات ولا في الأدبيات، بل في الممارسة اليومية، في كيفية التعامل مع الفرد، في هامش الحرية والإبداع المتاح، في القدرة على المراجعة والتجديد.

فهل ما زالت تنظيماتنا قادرة على أن تكون عقوداً تزيد جواهرها نفاسة، أم أنها استقالت من هذا الطموح واكتفت بإدارة الموجود؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية