حين يمشي القائد تحت راحلة مبعوثه: أي تنظيم نريد؟

حين يمشي القائد تحت راحلة مبعوثه: أي تنظيم نريد؟

كم مرة تساءلنا ونحن نتابع مشهد الخصومات الداخلية في التنظيمات السياسية والدعوية المغربية: أين ذهبت روح التضحية؟ لماذا تحولت المؤسسات التي قامت على شعارات الإصلاح والتغيير إلى ساحات للمناكفات على المناصب والامتيازات؟ هل كانت الانطلاقة مجرد حماسة عابرة، أم أن ثمة خللاً بنيوياً في فهمنا لمعنى التنظيم والقيادة والمسؤولية؟

المشهد الذي يقلب الموازين

يروي لنا التاريخ مشهداً يكاد يكون مستحيلاً في منطق اليوم: النبي صلى الله عليه وسلم، قائد الأمة ومؤسس الدولة، “خرج ماشياً يُشيعه، سيدنا معاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته يوصيه”. هذا المشهد ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو درس عميق في فلسفة التنظيم والقيادة. القائد الأعظم يمشي على قدميه بينما مبعوثه راكب، لا لضعف في شخصية القائد، بل لإعلاء قيمة المهمة والرسالة فوق كل اعتبار شخصي أو بروتوكولي.

في هذا المشهد تتجلى فلسفة تنظيمية مختلفة تماماً عما نعيشه اليوم. التفويض هنا ليس مجرد إجراء إداري أو توزيع للمهام، بل هو إعلان صريح بأن المؤسسة أكبر من الأفراد، وأن الرسالة أهم من الرتب والألقاب. حين يمشي القائد تحت راحلة مبعوثه، فهو يرسل رسالة واضحة: المهمة التي تحملها أهم من شخصي، ونجاحك فيها هو نجاحي، بل نجاح المشروع كله.

من الإحسان إلى المصلحة

لكن ما يلفت الانتباه أكثر في هذه القصة هو التحذير النبوي الذي جاء مباشرة بعد هذا المشهد. التفت النبي صلى الله عليه وسلم نحو المدينة وقال: “إنَّ أهلَ بيتي هؤلاءِ يرَوْنَ أنَّهم أَوْلى النَّاسِ بي وإنَّ أَوْلى النَّاسِ بي المتَّقونَ مَن كانوا وحيث كانوا”. هنا يكمن جوهر التحول الذي تعيشه التنظيمات اليوم: من معيار الكفاءة والتقوى والإحسان إلى معيار القرابة والولاء والمصلحة.

هذا التحذير النبوي لم يكن عبثاً. كان استشرافاً لما سيحدث عندما تتحول التنظيمات من مشاريع رسالية إلى كيانات مصلحية. عندما يصبح الانتماء للتنظيم وسيلة للحصول على امتياز أو منصب، لا وسيلة لخدمة قضية. عندما يُختار القيادي لقربه من دائرة القرار لا لكفاءته وتقواه. عندما تتحول المؤسسة إلى إقطاعية يتوارثها المقربون، لا إلى منصة تُتيح للأكفاء أن يبرزوا.

درس التفويض الضائع

القصة تشير أيضاً إلى أن الخلفاء الراشدين اتبعوا المنهج ذاته في التفويض. عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يُفوض سلطته لولاته وعماله، وحين جاءه من يشكو أن عياض بن غنيم يتوسع في إعطاء الأموال، لم يُسارع بالعزل أو التخوين. هذا نموذج لتنظيم يمنح المسؤول مساحة للاجتهاد والمبادرة، ولا يُحاسبه على كل صغيرة وكبيرة بمنطق الشك والريبة.

في تنظيماتنا المعاصرة، غاب هذا الفهم للتفويض. أصبح التفويض مجرد شكل بلا مضمون، حيث تُمنح الصلاحيات بيد وتُسحب باليد الأخرى. القيادي يُفوَّض على الورق، لكنه مراقب بالتفصيل الممل، مُحاسب على كل قرار، مُقيَّد بألف خط أحمر. وهكذا تتحول التنظيمات إلى بيروقراطيات جامدة، تقتل روح المبادرة وتُهمِّش الكفاءات.

السؤال الذي يواجهنا

الدرس الأعمق في هذه القصة هو أن التنظيم الحقيقي لا يُبنى على الهياكل والبروتوكولات فقط، بل على روح يسودها الإحسان والثقة والتضحية. التنظيم الذي يمشي فيه القائد تحت راحلة مبعوثه هو تنظيم يؤمن بأن الرسالة أكبر من الجميع، وأن المعيار الوحيد للتفاضل هو التقوى والكفاءة، لا القرابة والمحسوبية.

فهل تمتلك تنظيماتنا المغربية، سياسية كانت أم دعوية أم مدنية، الشجاعة لمراجعة نفسها وفق هذا المعيار؟ هل يمكن أن نرى يوماً قيادياً يتنازل عن بريق المنصب لصالح الكفء، حتى لو لم يكن من دائرته الضيقة؟ وهل يمكن للمنتمين إلى هذه التنظيمات أن يطالبوا بهذا النموذج، أم أنهم بدورهم استسلموا لمنطق المصلحة الضيقة؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية