فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

توطئة

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 1 من 77 — فهرس الكتاب

الإهداء

إلى الذين احترقت أرواحهم على موقد التنظيم

إلى الذين فصلوا بعد ثلاثين سنة من العطاء

إلى الذين تقطعت أكبادهم حرقة على الجماعة

إلى الذين يبكون كل ليلة سبعين مرة من إهانة التنظيم

إلى الذين يبيتون مع ربهم يشكون حكرة التنظيم

إلى الذين ذاقوا مرارة غدر التنظيم

إلى الذين ألحدوا بعد شمتة التنظيم

إلى الذين تدمرت حياتهم على يد التنظيم

إلى أولائك الذين رمى بهم التنظيم إلى الحانات

إلى الذين انزووا في الخلوات

إلى الشباب المقبل لأول مرة على التنظيم

أهدي هذه الصفحات. . .


"من العدل الى المصلحية" كتاب يحكي كيف تحول تنظيم إسلامي من هدف تحقيق الغايات السامية كمعرفة الله وعبادته والتقرب اليه والبر بالانسان والسهر على حسن معاملته والرحمة به والإحسان إليه ونيله حقوقه إلى هدف مصلحي ضيق متمثل في عبادة السلطة وتبعية المصلحة الشخصية والتنظيمية، هذا التحول الخطير في مسار الإسلاميين الذين كانوا يطلبون إلى عهد قريب معالي الأمور ثم أصبحوا اليوم يطلبون سفسافها يجب أن يكون محط دراسة موضوعية دقيقة للوقوف على مكامن الخلل التربوي والتنظيمي الذي أصاب التنظيم الاسلامي في مقتل ثم النظر في كيفية إصلاح هذه الاعطاب التنظيمية مع جبر الكسور التربوية التي فتكت بأجيال كاملة من رجال التربية والتنظيم وأفشلت أغلب المشاريع السياسية للإسلاميين.

إنه حري بنا ونحن نلامس موضوعا مهما له تبعات سياسية وتنظيمية مهمة أن نتحرى الصدق في النية والدقة في التشخيص ثم طرح البدائل التربوية والتنظيمية التي يمكن أن تساعد الأجيال المقبلة على تجاوز المهالك المزروعة في ميدان العمل التنظيمي داخل صفوف التنظيمات الاسلامية، فالداخل التنظيمي ليس كما يبدو عليه الأمر من خارج العمل الاسلامي، ذلك أن الكثير يعتقد أن العمل التنظيمي داخل الجماعة الاسلامية هو على خطى السنة النبوية والقرآن الكريم، لكن الحقيقة أن العمل داخل التنظيم الاسلامي على غير ذلك، فهو مليء بالمتناقضات التي تُخالف في أحيان كثيرة المنهاج النبوي والأمر الرباني الذي يرفع شعاراته التنظيم الاسلامي كل حين من قبيل الحب في الله والأخوة في الله والدعوة إلى الله وإقامة الخلافة على منهاج رسول الله، فتجد نفسك وأنت في خضم التنظيم الاسلامي في مشاريع سُلطوية ومصالح شخصية واستقطابات مذهبية لا علاقة لها بتاتا بالشعارات المرفوعة أمام الداخل والخارج.

وإذا كان الكلام في هذه الموضوعات من الخطورة بمكان خاصة في ظرف سياسي لا يحتمل الكلمة الصريحة والرأي الحر فإن الأمانة التي حملناها على عاتقنا والعهد الذي قطعناه لله ولولي الله يستوجب منا أن نقف وقفة الرجل الذي لا يخاف في الله لومة لائم حاملين شعار الاصلاح أو الحرب، يقتضي منا أن نقدم أعناقنا على مقصلة التاريخ قربانا للمشروع الذي قضينا فيه زهرة شبابنا، إننا نكاد ننتحر سياسيا واجتماعيا عندما نقف أمام تنظيم إسلامي جبار بإمكانات بشرية ومالية واجتماعية قوية محاولين تقويم هياكله التنظيمية التي لا نملك ذرة من مُقدراتها، لكننا ألفنا الانتحارات، فالطريق الذي سرنا فيه من البداية كان كله مغامرات ومهالك ومخاطر كنا دائما نفلت منها دائما بكرامات إلاهية، أما والحال يشهد أنه لم يعد لنا أي شيء نخسره ولا أية فرصة للتواصل والحوار فأكيد أن الانتحار الكلي سيكون أحلى، وكيف لا ننتحر والذين كنا نظنهم من إخوان الآخرة وجدناهم ساعة الحقيقة ذئابا بشرية، إنه لا معنى من حياة تافهة.

إن ألف كتاب نكتبه لا يمكنه أن يصف حقيقة الغدر ومرارة طعنة الغدر التي يستشعرها الكثير من الصادقين الذين عملوا داخل التنظيم سنين طويلة، إنها غدرة العمر التي يصعب هضمها، الغدرة التي لم يكن يتصورها أحد وهو يفني حياته في سبيل نجاح مشروع بدأ أخويا ثم تحول لاحقا إلى مشروع مصلحي يسيطر عليه وسط غفلة الحركة الكثيرة والسلبية المتصوفة رموز سياسويون لم يشربوا من منبع الولاية الصافي.

في ساحة انتحارنا سنحاول الاجابة عن السؤال المحوري وهو كيف انتقل التنظيم الاسلامي بهذه البشاعة من العدل إلى المصلحية؟ من الإحسان إلى الانحطاط الأخلاقي؟ ثم سنحاول بعد ذلك الاجابة على عدة أسئلة فرعية تنبثق كلها من إشكالية الانحراف عن المحجة النبوية الأخوية والالتحاق بالميكيافيلية المصلحية، مثال هذه الاسئلة ماذا استفاد التنظيم من فصل خيرة الإخوان؟ ماذا استفاد من أكل أبنائه؟ ماذا استفاد من تدميرهم؟ ماذا استفاد من مقاطعتهم وتحطيم أعصابهم وضرب أرزاقهم وتشويه سمعتهم؟ ماذا استفاد من المكر بهم؟ ماذا استفاد التنظيم من تقطيع أواصر الأخوة والمحبة؟ وماذا استفاد من تدمير الجماعة ككل؟ هل حققت له الميكيافيلية الخلافة الراشدة؟ أم تراه زاغت به الافكار ولعبت به الأهواء وأطاح به الغزو الغربي؟ أم أن الميكيافيلية يا ترى من شعب الايمان ونحن لا ندري؟

هل غدرة آخر العمر حقيقة واقعية أم هي مجرد مسرحية درامية لم ير العالم مثيلا لمرارتها؟

نرجع إلى ألف باء التنظيم ونؤكد على أن التنظيم في أصله كفكرة سياسية أثبتت نجاحها عبر التاريخ، خاصة في أفق النهضة الاسلامية الشاملة حيث يتزايد الاهتمام فيها بالدور الذي تلعبه التنظيمات بصفة عامة والإسلامية منها بصفة خاصة نظرا للوزن السياسي القوي الذي تتمتع به هذه الأخيرة داخل المجتمعات المسلمة، هذه التنظيمات الاسلامية طفت على الساحة السياسية منذ مطلع القرن العشرين، وراكمت منذئذ تجارب سياسية ودعوية عديدة محاولةً بلورة تصورها للحكم الاسلامي على أرض المسلمين بطرق مختلفة تتراوح ما بين فن الممكن وفلسفة قلب الطاولة، هذه التنظيمات الإسلامية حسب الكثيرين كانت إلى عهد قريب هي المعول عليها في غد التغيير، وكانت الوحيدة المؤهلة لسد الفراغ السياسي المـُحتمل على كرسي السلطة نظرا لتاريخها السياسي النقي وشبابها المتحمس ما دام أن التنظيمات السياسية اللادينية قد نخر هياكلها سوس الانبطاح والفساد والخيانة، وما دام أن عامة الناس ليس بأيديهم الا الانتفاضة الغاضبة، ثم تسليم السلطة آخر الأمر الى تنظيم ما.

الشتات لم يكن يوما معولا عليه لبناء، والافراد لم يكن بمقدورهم يوما الوصول إلى السلطة وتنفيذ برامج الاصلاح إلا اعتمادا على تنظيم معين، يستثنى من ذلك حالات خاصة تحضر فيها الكاريزما والاجواء الديمقراطية والآليات السلسة للانتقال الديمقراطي، بينما لا فائدة في المجتمعات المُتخلفة عن الركب الانساني من أي كاريزما ولا جدوى من أي أجواء ديمقراطية ما دام أن الاستبداد هو سيد الموقف ولا صوت يعلو على صوت أصحاب النفوذ والمال والدعم الفوقي والتحتي، الداخلي والخارجي.

التنظيمات السياسية بصفة عامة والاسلامية منها بصفة خاصة منوط بها خوض مهمات التعبئة العامة المنظمة وتأطير أفراد الأمة التأطير السياسي الصحيح ثم دخول معترك الصراع السياسي بدرجات متفاوتة من الوسائل المادية والمعنوية، مع برامج معلنة ونوايا صادقة وأهداف وطنية، لكنها رقعة شطرنج سياسية بقوانين واضحة وأخرى مستترة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والايديولوجية ويتنوع فيها اللاعبون ويتغير فيها القانون باستمرار وتتبعثر خلال ذلك كثير من الاوراق السياسية وتولد أخرى، والغاية دائما لا تتغير وهي السلطة [1]، فعلى السلطة مدار الأمر كله، بما أنها تحوي كل أنواع اللذات الحسية والمعنوية التي يتصارع عليها الناس.

هي بعوضة لا تساوي شيئا في ميزان الله، لكنها في ميزان البشر تساوي الدنيا كلها.

حول السلطة تتجمع كل الشرور، وعليها يتصارع الصالحون والطالحون، كما تظهر معادن الناس عند الاحتكاك بها، وحول السلطة الملعونة تسيل الدماء أنهارا ويتسمم الافراد قلبا وقالبا، على مسلخها ينتحر الاشخاص الضعفاء أو يُنحرون، بينما يتمركز ذوو القلوب الحديدية والشخصيات المدعومة والأموال القذرة في معمعانها، هي جيفة نتنة تحوم حولها كثير من السباع البشرية، تتهارشها الانفس الدنيوية، وتتقاذفها الايادي المتسخة، جيفة هي بالنسبة لمن حام حولها بحثا عن متاع دنيوي زائل، جهاد هي لمن طلبها إعلاءً لكلمة الله، وبين هذا وذاك هي مصيدة ومحرقة للكثير من المغفلين والناقمين ممن لا ناقة لهم ولا جمل في لعبة السلطة، هي بالنسبة إليهم فرن يحرقهم ليضيء الكون، وكذلك جعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون! ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.

حول الجيفة السياسية المسماة "سلطة" يحوم اليوم كل شيء، تماما كما حام عليها الرجال منذ الازل، على أننا في الأسطر الموالية لن نحلل التركيبة السياسية للنظم السياسية وكيفية إدارتها للشأن العام التي ربما نخصص لها مطبوعا مستقلا، إلا أننا سنركز الحديث في كتابنا هذا على حواشي هذه الدائرة، وبالضبط حيث توجد التركيبات السياسية الطامحة إلى بلوغ مركز النظام السياسي وبالتالي السيطرة على العتاد والرجال والقانون والمال والناس، أحد هذه القوى الحية الطموحة إلى السلطة هي التنظيمات الاسلامية بمختلف أشكالها المتدرجة من أقصى يمين الانبطاح إلى أقصى يسار الثورة، تنظيمات يختلط فيها السياسي بالديني بالنقابي بالثقافي بالاجتماعي بالتربوي بالاقتصادي، يتفاعل معها الناس والدولة كل حين، وتتفاعل هي مع المحيط الداخلي والدولي ومع نفسها أيضا كل يوم.

سأحاول في هذا الكتاب أن أبحر بالقارئ الكريم في دهاليز التنظيم الاسلامي واستكشاف أغواره والإشارة إلى مطباته اعتمادا على تجربة شخصية في تنظيم جماعة العدل والاحسان بمدينة طنجة المغربية، على اعتبار أنه أحد أبرز التنظيمات الاسلامية وأقواها على الساحة المغربية، سأحاول أن أضع الاصبع على مكامن الخلل في التنظيمات الاسلامية بصفة عامة انطلاقا من تجربة خاصة دامت خمسا وعشرين سنة تقلدت فيها كثيرا من المسؤوليات التنظيمية المختلفة وانغمست من خلال هذا التنظيم في العمل التربوي والتنظيمي والتدافع السياسي والدعوي مع مختلف الفرقاء السياسيين والفاعلين الدعويين منذ أن كنت تلميذا صغيرا في الاعدادي إلى أن بلغت سن الاربعين، خلال هذه المدة التي ليست بالهينة فتحت عيني على حقائق كثيرة، وشاءت الاقدار بعد محنة شديدة مع هذا التنظيم أن تشتعل في نفسي رغبة في توثيق هذه التجربة ونقدها ومحاولة الارتقاء بها إلى الافضل أو تدميرها بالمرة بما يضمن عدم الوقوع في نفس الإشكالات التربوية والتنظيمية لاحقا.

لست أوجه اللوم إلى جماعة العدل والاحسان كـكل بل إلى تنظيمها فقط، ذلك أن الجماعة من المنظور العام فكرة سامية لا يمكن هدمها أو الانتقاص من مكانتها بما أن رسول الله حض على الجماعة ونهى عن الفرقة، وجماعة العدل والاحسان تبقى في أصلها محضنا تربويا على غرار الكثير من الجماعات الاسلامية الصوفية والحركية التي تجمع الناس على الله وعلى إعلاء كلمة الله، كما أن الكثير من الاخوان الذين ينشطون في هذه الجماعة ما تزال تربطني بهم روابط المحبة والأخوة والتواصي بالخير.

اقول هذا حرصا على بقاء أواصر الترابط الديني بين المسلمين وهروبا من شخصنة التحليل رغم الخسة التي عاملني بها بعض المسؤولين في هذا التنظيم بمدينة طنجة والمكائد الكثيرة التي نصبوها لي، فليس في نيتي الآن عقد محاكمات شخصية، كما أنني لا أجمع الكل في سلة واحدة، فالتنظيمات بصفة عامة مرتع خصب للغث والسمين، ولا يُؤخذ الرجل بجريرة أخيه.

لكني بالمقابل خضت تجربة، وعرفت خير التنظيم وعرفت سُمه، وخلصت إلى نتائج وخلاصات كثيرة، وأريد بالعمل التنظيمي والدعوي الاسلامي أن يسير قدما في محجة الاصلاح الحقيقي ويخرج من براثن المصلحية الضيقة، ومما تعلمناه في حضن الجماعة المباركة المبارك شيخها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه لله والتي لا نُنكر في جميع الأحوال فضلها وفضله علينا أن نكون فاعلين متفاعلين مع المستجدات التنظيمية والسياسية الحاصلة لا مجرد كراكيز وإمعات تحركها القوى الخفية كيف شاءت يمنة ويسرة، فلست أبغي أن أصير واحدا من الذين تم رميهم جانبا، ثم سكتوا، ثم ماتوا موتتهم الطبيعية، ثم تعفنوا في هدوء دون أي يدري بهم أحد، ثم ضاع ما بحوزتهم من تراكمات تربوية وسياسية وتنظيمية وفكرية غنية لا تقدر بثمن جمعوها على مدار عشرات السنين من العمل التنظيمي والتحصيل التربوي تاركين الساحة للضباع التنظيمية.

إن أهم غاية لهذا الكتاب ليست سوى وقف زحف ضباع التنظيم المتوحشة الهاجمة على معاقل التربية والصحبة والتنظيم والنفوذ السياسي ثم تخليق العمل الاسلامي السياسي والدعوي بما يتناسب مع الطرح الشرعي في أصوله الدينية والاخلاقية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والأخلاق الانسانية السامية، غاية الكتاب البعيدة المدى هو إنقاذ الاجيال المقبلة من مطبات التنظيم الاسلامي وحُفره المُـهلكة والمقصلة الاجتماعية والتربوية والتنظيمية والسياسية التي ينتهي إليها أغلب الفاعلين فيه، هذه المقصلة يجب أن تتوقف، وقطع الرؤوس يجب أن يتوقف، فـالأمة تحتاج إلى كل عرق ينبض في شبابها وشاباتها، والناس محتاجة إلى كل صالح أو على طريق صلاح ليأخذ بأيديها، يسقي زرعها ويتعهد غرسها ويهديها إلى واحة العزة والايمان.

لست أدعي الحقيقة المطلقة، ولا أحب الذين يدعون امتلاكها، لكني سأتحدث بكل صراحة من منطلق التجربة ومن موقع الممارس لا من أريكة المتفرج المتكئ ولا من أبراج المُـفكر الموهوم، سأتحدث من زاويتي الخاصة لا من زاوية أحد، لا أتحدث باسم أحد ولا أريد أن يتحدث باسمي أحد، ولا أحد يستطيع الآن أن يُلزمني بوجهة نظره بعدما زهقت من قبضة التنظيم المتحكمة وتحررت من آفاقه الضيقة وخرجت من عباءته القاهرة وأفلتت من مصائده القاتلة، سأحاول جاهدا أن أتحدث بصدق ووضوح وإنصاف، دون غباء المبتدئ ولا تسليم الدراويش ودون وصاية الفكر ولا تبعية البيدق، دون خوف من انتقام التنظيم ولا رهبة من دعاء الباعورائيين.

الحقائق التي سأتحدث عنها في قابل الصفحات عشتها بدمي وعقلي واعصابي وقلبي وهمتي، فهي وليدة مخاض ومعاناة، غايتي نقل تجربة من السلف إلى الخلف، مع محاولة تقويم ما أمكن تقويمه من اعوجاج في العزم والسير لدى مسؤولي التنظيم الاسلامي وأجهزته، مع فرضية قائمة وهي أن الكمال لله، وهذا لا يمنع من النصح والتقويم بما تيسر من تجربة سنوات طويلة في دواليب التنظيم، أضف إلى ذلك أنني لست تافها لتلك الدرجة التي تجعلني صامتا صمت القبور ولا جبانا لأخشى انتقام التنظيم، فالغيب والواقع يشهدان أنني صحبت الرجال، شهدت الحق، وعرفت الصواب، ووقفت على الخلل في نفسي وفي التنظيم، فكان من حقي أن ألجأ إلى الورق والقلم لأرسم خريطة لمن خلفي ناصحا إياهم أن لا يضعوا كل بيضهم في سلة التنظيم.

سأحاول أن أكون خلال التحليل خصما شريفا لا يتجاوز خط الحق، كما أنني لن أتوقف عند النقد المجرد، فالكتاب ليس كله نقد في نقد، بل سأبحر بالقارئ الكريم قليلا في العموميات، مع تقليب الصفحات، وافتراض النظريات، واقتراح الحلول [2]، والنظر للتجربة في إطار من الانصاف والدراسة المتزنة والتحليل الموضوعي، فقد تعلمنا في حضن ولي الله أن العمل يكون في العلانية، مع حفظ الأسرار التنظيمية بعيدة عن أعين الفساد الكبير المتمثل في أنظمة القهر، على أن التنظيم الاسلامي ليس معصوما من القهر، فهو في حد ذاته آلة سياسية حادة، ويمكن أن يتحول في أية لحظة إلى ماكينة سياسية للقهر والتفقير والتجهيل والتقتيل، ولذلك فإنني أميز جيدا بين علانية النصح والحفاظ على سرية المؤسسات والرجال والاوراق والبرامج والفاعلين داخل هذا التنظيم الذي ما تزال تجمعني بالكثير من أعضائه روابط الأخوة ووشائج المحبة، فضروري من الحفاظ على سرية المؤسسات التنظيمية ورجالها، خاصة إذا كانت هناك مخططات موازية تسعى إلى اقتناص كل معلومة لتستعمل لاحقا في تصفيات حسابات سياسية لن يكون ضحيتها إلى البسطاء من المؤمنين الطيبين الذين نحبهم ويحبوننا.

قد يقول ناقم من جهتي لم تعد هناك أسرار بعد الاختراق الكبير للتنظيم الاسلامي فلم الاحتفاظ بالاسرار التنظيمية؟ فما يعرفه المخترقون من معلومات وأسرار أكبر بكثير مما يعرفه أعضاء التنظيم أنفسهم، ولذلك فالتفجير واجب، وإسقاط زعامات التنظيم الاسلامي الفاسد التي خرجت عن الجادة من آكد الواجبات عن طريق فضح جرائمها وإعلام العام والخاص بألاعيبها، لكني لا أحب هذا المنطق، لقد اخترت موقع الكلام العام المتزن النزيه عوض موقع المصفي للحسابات التنظيمية الضيقة، تصفية الحسابات له طعم لذيذ في قلب المظلوم، لكني تجاوزت مرحلة كان فيها كل همي هو الانتقام الشخصي من زبانية التنظيم الحكارين إلى مرحلة أنظر فيها إلى أبعد من التنظيم ومسؤوليه، إنني الان لا أنظر إلى نفسي ولا إلى مسؤولي التنظيم المجرمين بقدر ما أنظر بعيدا في أفق التغيير القلبي والدعوي والسياسي للواقع المرير الذي نعيشه تحت ظل تعدد مصادر الاستبداد والفساد الاسلامي والسياسي.

لقد تصدقت بنفسي في سبيل الله وفي سبيل الصالحين، لم أعد أخشى شيئا، ولم يعد لي حقيقة شيء أخشى عليه أصلا، فقد فقدت كل شيء بعد أن وضعت في التنظيم كل البيض، على أن ذلك يدفعني إلى مزيد من الايجابية في التعاطي مع الظواهر التي مررت بها، فكان أول مطلب أريده هو الشهادة لله ثم للتاريخ، مع ما يرافق ذلك من التفاعل الايجابي مع الواقع والتأثير فيه لا التأثر به فقط [3].

معي الله، توفيق الله، عناية الله، وجنود الله.

تتجلى أهمية الموضوع في كون التنظيم يشكل أهم حلقة في دائرة الاصلاح، يعضده عنصرا التربية والزحف، فالتربية هي المبدأ والمعاد، هي المبتدأ والمنتهى، والتنظيم هو المحك، وهو البرهان، وهو الوسيلة التي تنقل بها التربية من سماء الاحلام الى أرض الواقع، من النظر إلى التطبيق، من الوهم إلى الحقيقة، بل إنه الوسيلة التي تنتشر بها التربية على أوسع نطاق وتتمدد ويشتد عودها عندما تنسجم معه، وهو الوسيلة التي تنتظم بها التربية وفقا لمعادلات أفقية وعمودية، وبالتنظيم يتقوى درع المؤمنين المحصن في مواجهة الفتنة الغازية والشيطان القرين والمكر الايديولوجي والسياسي المحيطين.

التنظيم ليس فكرة جديدة، بل هو قرينة الدولة، فالدولة تبتدئ تنظيما وتنتهي نظاما، وخلال مسارها السياسي الطويل تقطع أشواطا، ويقع في طريقها ضحايا كثر يكونون الوقود الذي يؤسس الهياكل ويشعل نار البناء وتزهر بأرواحهم ودمائهم حدائق الجماعة، ولذلك فإن الانبياء والمصلحين والزعماء السياسيين دائما ما يسعون إلى تأسيس تنظيمات سياسية تكون بمثابة اليد القوية التي يضربون بها دولة الفساد لإسقاطها، ثم يؤسسون دولة العدل التي ما تلبث أن ينهار نظامها أيضا عندما تسقط هي نفسها خلال مرحلة تدبير الشأن العام في نفس الفساد الذي كانت تحاربه في مرحلة التأسيس، فتقصمها من جديد سنة الله عن طريق فتية آمنوا بربهم وآمنوا بالحرية، أشبال تنظيم جديد صاعد صادق يؤمن رجاله بالعدل والاحسان فعلا، يصرفون جهودهم في سبيل إنصاف المظلوم وإعزاز المصحوب، فتُسقط دولتهم العادلة الصاعدة دولة الفساد النخرة الحاضرة، وتلك الدورة التاريخية التي جبل الله الارض ومن عليها إلى قيام الساعة.

أعلم أن سيلا من الشتائم والاتهامات الباطلة سينهال علي من هنا وهناك بعد مدة قصيرة من صدور هذه الوريقات، بل ولربما مضايقات وحروب خفية وظاهرة، وأنا مستعد لكل شيء، ذلك أني حقيقة تجاوزت مرحلة كنت فيها أتألم من مجرد العتاب، وتجاوزت بعدها مرحلة كنت أحزن فيها من مجرد كلام الإخوان وتنابزهم ونشرهم للإشاعات في التنظيم والشارع ومواقع التواصل، كما أنني تجاوزت مرحلة كنت أخاف فيها من المكائد التنظيمية والغدر والتبليغ والتخابر والضرب تحت الحزام والتسلل إلى الاسرة، تجاوزت الخوف من الافعى ولذغاتها بعدما أخذت نصيبي من سُمها، تجاوزت المراحل الصعبة بجروح، وبعد أن شفيت قروحي صار قلبي الان أقسى من زبر الحديد في مواجهة الذئاب، لم أعد الآن أولي لكلام التنظيم ونميمته أي اهتمام، ما عادت تؤلمني التعبئة التحتية والفوقية والفيسبوكية، وما عدت أكترث للحشد التنظيمي الذي يتم تعبئته ليتكلم بحقارة ويضرب في كل مكان حساس.

لقد شب عمرو عن الطوق بفضل الملك الوهاب، صار الفتى الطيب الحنون نسرا قويا قاسيا يطير بجناحيه في سماء الله دون وصاية ولا رقابة ولا قهر من التنظيم، ورغم الغضب الذي لن يخفى على كل قارئ لكتابي، إلا أن كلامي ينطلق من منطلق البوح بتجربة كي يطلع عليها الاخرون فيتعظوا، فصدق النية مع الله ومع الناس يجعلني حريصا على مستقبل الشباب الصاعد الواعد الذي لا أريد له المهلكة التنظيمية التي وردتها يوما بحسن نية، كانت لي أحلام تربوية ودعوية كبيرة لكن التنظيم أجهضها ببشاعة، والان لا أعول حقيقة أن تعود علي النصيحة المبثوثة في هذا الكتاب بفائدة مادية ولا معنوية، بل لربما رجعت علي بمزيد من الأذى والكيد والتحريض والتفقير والاشاعة الكاذبة، لكني أرجو من الله بذلك في جميع الاحوال مغفرة وثوابا ومحبة في قلوب عباده المصطفين الأخيار، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.

سيبقى الغدر الذي عشته من التنظيم بعد عِشرة طويلة مُلهما لي خلال هذا الكتاب، نبراسا لي على طول الصفحات القادمة، فالغدر من صفات التنظيم حتى وإن طالت لحى مسؤوليه وتدلت شواربهم، فالعبرة ليست باللحية ولا بالشارب ولا بالجلباب، بل بحسن النية وصدق العهد مع الله.

أكيد أننا سنرتفع خلال صفحات هذا الكتاب عن شكليات الشوارب واللحى التافهة، فليست إلا مظاهر تخدع الرائي وتحمل إليه دلالات دينية وتصورات سياسية واجتماعية واقتصادية مزيفة، بينما الحقيقة أن اللحية ليست أساس الأمر ولا غايته، ولا يعول عليها ساعة الكريهة، الزغبات الممشوقة التي تملأ وجوه بعضهم والجلابيب "الدوريجين" التي يلبسونها تعطي مظهرا إسلاميا متميزا ورونقا دينيا رفيعا ومكانة عالية في التنظيم والجماعة والمجتمع، لكنها مصيدة خادعة، نفعها لأصحابها مكانة وهيبة ومركزا وسلطة وقضاء حاجات، بينما يبقى ضررها للناس المخدوعة بها عندما تصير اللحية وسيلة للضحك على الذقون والايقاع بالبُلهاء حسني النية في شباك مقاصد السياسة والنفوذ والمال.

لست أدعو إلى التشاؤم والهروب من الميدان، ففي الواقع مروءات وهمم عالية تعمل لله في الخفاء والعلانية، تحتاج إلى من يشد عضدها ويُشعل حماسها ويرفع معنوياتها ويُؤنس غُربتها ويحمل معها أعباء تاريخ مُثقل بخيبات الأمل ورواسب الفساد المستشري من الراس إلى الساس في هياكل المؤسسات وتشعبات المجتمع، لكني أثير الانتباه فقط إلى حجم الدمار الذي يخلفه السكوت بحجة الحفاظ على البيضة وحجم الخراب التي يسببه الخنوع الذي يترك الباب مفتوحا أمام مخرومي المروءة لـيدخلوا منه نادي المسؤولية ويُذلوا بعد ذلك رقاب الرجال.

سأجول في صفحات هذا الكتاب حرا طليقا متحررا من كل شيء، وسأتحدث مع القارئ حديث القلب إلى القلب، حديث التجربة والبرهان، لا حديث الخرافة والوصاية والسفسطة، فاصبر علي أيها القارئ الكريم وأنا أستعمل كلمات قاسية ليست من اللغة العربية في شيء، وأنا أستعمل جملا ليست من البروتوكول ولباقة الحديث في شيء، وأنا أستعمل عبارات قوية بين الفينة والفينة أهوي بها على الرؤوس المتحجرة والأيادي المجرمة، إنها كلمات تخرج من شغاف القلب ساخنة لا وقت لديها لبديع اللغة وجميل البيان وقواعد البريستيج وشكليات المقال وقوالب اللباقة وأعراف التأليف.

لست حريصا على كـم معين من المبيعات ولا حريصا على شرف المدح ولا مريدا سُمعة بين الناس ولا باغيا أجرا من أحد، فلست أبغي سوى رضوان من الله وفوز منه بنظرة في وجهه الكريم، لست أبغي سوى رحمة من الله تلم شعثي وتمسك بتلابيب روحي وتأسر قلبي وتقربه إلى حضرة ذي الملك والملكوت، فوالله الذي لا إلـه الا هو لم يعد لي رغبة لا في مال ولا في ثناء ولا في سلطة ولا في حياة، ولن تهنأ روحي حتى يقال لها ادخلي من أي أبواب الجنة شئت، ولن يرتاح قلبي حتى يدخل على الله، ولن يتوقف عقلي عن الحركة حتى تصير هذه الأمة عزيزة في الارض، قوية رائدة بين الأمم.

الاثنين 24 دجنبر 2019

طنجة – المغرب


📌 الهوامش

  1. [1] السلطة ظاهرة اجتماعية لها القدرة الفعلية على احتكار وسائل القمع والإكراه داخل الجماعة بهدف تحقيق الانسجام والأمن الاجتماعي لصالح هذه الجماعة، ولعل من المفيد أن نذكر بأن السلطة السياسية هي عنصر من عناصر تكوين الدولة الثلاثة وهي: الشعب، الإقليم، السلطة السياسية أو النظام.
  2. [2] " إن نهوض الأمة من كبوتها رهين بقدرتها على نقد ذاتها، وكشف أمراضها، وتطبيق العلاج على الخاصة من رجال الدعوة أولا، قبل أن يمكن تطبيقه على العامة". كتاب "العدل: الإسلاميون والحكم".ص69.
  3. [3] " نكون نحن الإسلاميين الفَرَس الغريبَ في الميدان إن لم ننتقِل بثقة وعزم من مرحلة النظر إلى الأفق الواسع والنقلة البعيدة لننخرط في الواقع". العدل، ص640.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية