فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

مفهوم التنظيم

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 2 من 77 — فهرس الكتاب

إذا كان كل فرد يحمل بين جنباته ملكات كثيرة ومهارات سخرها له الله سبحانه وتعالى ليقضي بها حاجاته، فإن هذا الفرد قد يعجز أحيانا عن تلبية بعض حاجياته اعتمادا على نفسه فقط، ولذلك فقد اهتدى الافراد إلى أسلوب العمل الجماعي المنظم وفق نسق معين من أجل تقسيم العمل والخروج بأفضل النتائج بما يخدم مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة معا.

وإذا كانت عقلية الفرد تتميز بالأنانية وحب الذات فإن تنظيم الجهود غالبا ما يتطلب تفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة الضيقة، ولذلك فإن العمل المنظم تعترضه آفات الأنا، فيطغى أحد أفراد الجماعة على الاخرين محاولا تسخير مقدرات الجماعة لنفسه، فيجعلها مصلحة خالصة لنفسه الباغية على الجماعة، قال تعالى: ". . قال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ. . ." [1]، أي نعم قليل ما هم، فأغلب الخلطاء يبغي بعضهم على بعض، وأكثر الناس تحب أن تستأثر بما للآخرين لنفسها، وتحب أن تركب على جهود الاخرين والوصول بأقل مجهود، وتشتهي الاستئثار بمقدرات الجماعة البشرية والمالية لفائدة مصلحتها الفردية، ثم السطاج الأخير وهو التأله، قال تعالى: " فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين، فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ" [2]، فالسكون للطغيان التنظيمي الفرعوني والاستخفاف بالنفس وانحناءة الافراد أمام الطغمة الباغية يستتبعه الغرق الشامل للجماعة وفرعونها الذاتي أو التنظيمي الجماعي جزاء وفاقا من الله على ضعف النفوس والخلود إلى الأرض والرضى بالدنية [3].

التنظيم إذن هو تلك الفلسفة التي تُنسق الجهود وتمنع الطغيان، تلك الطريقة التي تجمع الهمم على تحقيق غايات معينة لا يستطيع الافراد تحقيقها في كهف عزلتهم الفردية، فهي عملية توجيه دائمة للمجهودات الفردية للوصول إلى أهداف جماعية مرسومة، بأقلّ وقت وجهد وتكلفة، وبذلك كان التنظيم يعادل القدرة على تعبئة الطاقات دون هدرها، مع تحقيق الغايات الجماعية، فرجل التنظيم الكفء هو الرجل المتفوق في مهمة جمع الجهود، الرجل القادر على ربط العناصر بعضها ببعض لا تشتيتها، الرجل المغناطيس ذو القلب الجامع لا صاحب القلب القاسي الذي يذبح العناصر المتميزة والطاقات المنافسة له مع أول منعرج.

التنظيم ليس وليد الحركة الاسلامية، بل هو وليد الضرورة الإنسانية منذ القدم، فقد ظهرت مختلف أشكال التنظيم مع ظهور الحياة الانسانية، وتطور المفهوم مع ضرورة استجلاب الرزق من حرث وتجارة وصناعة، ثم ترسخ مع الحروب والصراعات الانسانية، وأخيرا أصبح علما قائما بذاته مع ظهور مفهوم الدولة في شكلها المنظم الحديث، حتى أصبح التنظيم اليوم أسلوب حياة وضرورة عملية وعلمية تقوم عليها مختلف أشكال المؤسسات الاقتصادية والسياسية الوطنية والدولية من شركات وبنوك وجمعيات وهيئات مجتمع مدني، وغالباً ما يتخذّ هذا التنظيم الشكل الهرمي، تصنّف فيه الفئات الموجودة من أعلى الهرم التنظيمي إلى أسفله بطرق مختلفة، ونسمع اليوم بين الفينة والفينة عن تنظيم جديد جماهيري شائع.

يقول أبو الاقتصاد الياباني الفيلسوف دوكو: " إن المصانع اليابانية ليست إلا أسرة، إنها حياة العائلة الواحدة، بكل ما في كلمة العائلة من معنى، فالمصنع عائلة مرتبطة تماماً، وعمال المصنع قد ولدوا ليموتوا في داخله، وإذا ترك الواحد منهم هذا المصنع فإنه لن يذهب مطلقاً إلى مصنع منافس، وإذا حاول أحد عمال هذه المصانع أن يذهب إلى مصنع منافس، فان المصنع لا يقبله لأن العائلات أسرار، والعائلات اليابانية تتنافس ولكنها لا تتصارع، إنما تتفوق على المصانع الأوروبية والأمريكية من أجل رفاهية وعظم الشعب الياباني كله" [4].

يضيف الاستاذ عبد السلام ياسين فيقول في كتابه المنهاج النبوي: " وإذا كان المؤمنون جواهر نفيسة كل منهم على حدة، فإنهم إن انتظموا في عقد ازدادوا نفاسة". [5] قلت: ازدادوا نفاسة في أنفسهم تربية، وازدادت مع نفاستهم نفاسة الجماعة المنظمة، فالتنظيم الصحيح هو الأسلوب الذي يعمل بروح العائلة، بروح الفريق الواحد أو الأسرة الواحدة، ولذلك سمى الأستاذ عبد السلام ياسين أصغر أشكال التنظيم "أُسرة"، ولذلك سمى الفيلسوف دوكو المصنع الياباني "أسرة"، هذا الأسلوب التنظيمي المتآخي المترابط هو بالضبط ما ينادي به اليوم علم الإدارة الحديثة من أجل تطوير العلوم والشركات والادارات وغيرها من اشكال التنظيم المجتمعي، وتحقيق تبعا لذلك التقدم المنشود للمجتمعات والأمم.

الشريعة الاسلامية كانت سباقة إلى بث هذا المفهوم في الأمة وهي التي تشير غير ما مرة إلى مُجتمعيْ النمل والنحل، بخلاف المفهومين السلفي والصوفي اللذان يدعوان الناس إلى الشتات ودخول "سوق الراس"، الشتات مفهوم غريب عن المجتمعات الانسانية السوية، بل إنه عقاب، تماما كما عاقب الله بني اسرائيل بالشتات والتيه في الأرض، هذا يخبط في ذاك، أمة لا قرار لها، ولذلك فإنه لا معنى لأي إسلام حقيقي في ظل ثقافة " دخول سوق الراس"، ولا معنى لأي دولة ولا ديمقراطية ولا خلافة ولا نهضة ولا تقدم ولا دعوة دون تنظيم قوي متآلف منضبط وفق ضوابط الاحترام المتبادل والفناء في مشروع الجماعة، رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الفيصل بيننا أيها الدرويش السلبي المنعزل ويا أيها السلفي المتفيقه الذي يكره الجماعات، فإذا كان رسول الله هو الفيصل بيننا حقا فدعونا نستمع إليه، قال صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك أصابعه" [6]، شبك أصابعه معناه بالتاعرابت: " تموت عليا ونموت عليك"، ومعناه بلغة السياسة: " التنظيم".

ويقول أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يد الله مع الجماعة" [7]، ويقول في موضع آخر: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسم، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [8]، ثم يحسم الجدل سبحانه تعالى بقوله: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [9].

واضح جدا أن العمل الفردي لم يدعُ إليه الرسول الكريم، ولا أمر به الله سبحانه وتعالى، ولا وصى به أحد من علماء هذه الأمة، اللهم خوار الركب الذين أصلونا لثقافة الانعزال والشتات وفرقوا الناس شيعا وتسببوا في كوارث الأمة لما سمحوا للفساد المصفوف المنتظم بغزو معاقل الصلاح المشتت ودك صروحه وتقويض أسسه، إن الصلاح الفردي ما هو أصل ولا أساس، ولو كانت العزلة أصلا لكانت صلاة الفرد تعلو على صلاة الجماعة، ولو كان الجهاد فرادى لما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته جماعة، فكيف تُقنع الناس أيها الخطيب على منبر الاسلام بعظيم أجر صلاة الجماعة ثم لا تقنعهم بعظيم أجر العمل الدعوي الجماعي المنظم ورفعة مقام حركة الجماعة عند كل واد حسي أو معنوي يقطعه المؤمنون لإعلاء كلمة الله، لابد أن هناك خيانة ترتكب باسم الدين، أو لربما جهلا مركبا بالدين.

لاحظ معي أخي الكريم كيف ينتظم الفساد المحلي والدولي في كنتونات منظمة تعمل بفاعلية وانتظام وتعاون، بينما يُطلب منك أيها المؤمن الصالح الذي ترجو صلاحا في نفسك وأمتك أن تدخل "سوق راسك"، بالله عليك، أليست هذه خيانة لله وخيانة لرسول الله وأولياء الله، لكني أعذرك أيها المؤمن الاناني عندما يلتبس عليك الأمر "فتشد الارض"، تنبطح أو تنعزل لعلك تفهم ما يجري، أعذرك عندما تضعف أمام نفسك المذلولة فتهرب من الجماعة، كما أعذرك عندما تُفلت برقبتك من الذين شوهوا العمل المنظم وركبوا عليه لقضاء مآربهم الشخصية ووصلوا إلى السلطة على أكتاف الغير.

التنظيم يقتضي وجودَ أكثر من شخص، فمفهوم التنظيم لا يستقيم مع شخص واحد، مجموعة من الاشخاص الطبيعية بالمفهوم القانوني تنتظم في إطار قانوني أو اجتماعي منظم وفق قانون معين وتحت قيادة معينة بطريقة معينة ولأهداف معينة، في هذا التنظيم تتكامل الجهودُ وتتناسق الافكار، التخطيط أولا ووضع القانون ثانيا والتنظيم ثالثا ثم التنفيذ رابعا، والتنظيم بذلك ليس إلا عملية توزيع للمسؤوليات والسلطات حسب طاقاتِ الاشخاص وقدراتهم وإمكاناتهم المادية من مال وفكر وعضلات بقصْدِ تَحقيق الأهداف والغايات المرسومة مسبقا بدقة من الهيئات الادارية المخول لها ذلك، طبعا مع الاستشارة والاستخارة.

عرف الفقيه كونتز دونيل التنظيم  بأنه: " تجميع أوجه النشاطات اللازمة لتحقيق الأهداف والخطط، وإسناد هذه النشاطات إلى إدارات تنهضُ بها، وتفويض السُّلطة والتنسيق بين الجهود".

كونتز يرى بأن التنظيم ما هو إلا جمع للجهود لتحقيق أهداف محددة، عن طريق إدارة النشاطات التي يتم برمجتها في مؤسسات التنظيم أو فرضها من القيادة العليا مع تنسيق الجهود وتتبع مردودية هذه البرامج، على أن كونتز يرى بضرورة تفويض السلطة عن طريق تفويض الصلاحيات والسلطات للآخرين من طرف المسؤولين وتحفيزهم لتنفيذ الأعمال التي هي من صميم مسؤولياتهم دفعا للطاقات وتشجيعا للمبادرات لما في ذلك من أثر طيب على المشروع من خلال تحميله لأكبر عدد من الرجال [10]، إلا أننا نرى أن تفويض المسؤوليات رغم نتائجه الطيبة وشحذه للطاقات داخل التنظيم يجب أن لا يصل إلى حد التواكل وتمييع المسؤولية والتملص من المحاسبة وإفشاء الاسرار التنظيمية وذوبان دور المسؤول في التوجيه والاشراف ثم التخلي عن المسؤولية في اللحظات المصيرية التي يجب أن يُظهر فيها المسؤول كل قوته وعزيمته وطاقته ومعارفه وحنكته ويتخذ القرارات الحاسمة دون أي تفويض فارغ.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أهمية التفويض والاشراك، وقد كان يفوض كثيرا من مهامه وسلطاته إلى الصحابة رضوان الله عليهم عند إرسالهم في مهمات الدعوة وتلقين الناس أمور الدين، ومثال ذلك عندما أرسل الصحابي الجليل معاذ بن جبل إلى اليمن، ومما يذكر بهذا الخصوص أنه صلى الله عليه وسلم خرج ماشيا يُشيعه، سيدنا معاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته يوصيه قائلا: " يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري"، فيبكي معاذ لفراق رسول الله [11]، ثمَّ يلتفت صلى الله عليه وسلم نحوَ المدينةِ ويقول: " إنَّ أهلَ بيتي هؤلاءِ يرَوْنَ أنَّهم أَوْلى النَّاسِ بي وإنَّ أَوْلى النَّاسِ بي المتَّقونَ مَن كانوا وحيث كانوا، اللَّهمَّ إنِّي لا أُحِلُّ لهم فسادَ ما أصلَحْتَ وايمُ اللهِ لَيَكفَؤونَ أمَّتي عن دِينِها كما يُكفَأُ الإناءُ في البَطحاءِ".

كما اتبع الخلفاء الراشدون منهجَ الرسول الكريم في التفويض، فكان الخليفة في الدولة الإسلامية يُفوض سُلطته إلى الوُلاة والعمال في الولايات والإمارات الإسلامية، من ذلك ما حصل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث جاء بعضُ الناس قائلين إن عياض بن غنيم وهو من كبار المسؤولين في الدولة آنذاك أنه يتوسع كثيرًا في إعطاء الأموال، فقال لهم عمر:  "إن ذلك شأن أبي عبيدة"، ويقصد بذلك أنَّ أبا عبيدة بن الجراح هو المختص بمراقبة التصرُّف في مال المسلمين، فأحالهم عليه لما له من حق السلطة في التأكد والتحقق من تصرف الولاة في أموال الدولة.

يُفهم مما سبق أن التنظيم ليس إلا توزيعا للمهام ووضعا للمسؤولين في الهيكل التنظيمي مع إقامة الصلاحِيَّات والمسؤوليات والعلاقات التي تربطهم فيما بينهم، ثم تلك التي تربط بينهم وبين الأغيار بُغية تحقيق الأهداف والغايات التي من أجلها تم خلق التنظيم مع تجنب تداخل المؤسسات والمسؤوليات، بمفهوم المخالفة فإن التنظيم لا يجب أن يتطاول بيده إلى مؤسسات أخرى لا تدخل ضمن مسؤولياته ولا ضمن نطاق اختصاصاته، وكذلك مسؤولوه الذين من المفروض أن ينكفئ كل منهم بنطاقه المكاني والوظيفي المحدد.

مثال ذلك مؤسسة التربية التي تبقى مؤسسة متميزة نطاقا وممارسة ووسائل وغايات، فإذا كانت غاية التنظيم تحقيق أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية مادية محسوسة، فإن الأهداف الروحية لعملية التربية تختلف كليا عن الأهداف الأرضية للتنظيم، نظرية "المسؤول التنظيمي المربي" أثبتت فشلها، وضحاياها بالآلاف، التربية هدفها الأسمى هو دلالة الفرد على الله والسلوك به إلى الله، والتجربة العملية أثبتت أن التنظيم لا يمكنه بتاتا أن يدل الناس على الله، ولذلك فإن التربية كمؤسسة تربوية قائمة بذاتها يجب أن تنفرد وتستقل عن التنظيم لما لها من خصوصية، مع بقاء التنسيق طبعا بينها وبين التنظيم الاداري للجماعة وكذا باقي المؤسسات السياسية التابعة له.

نكاد نخلص إلى قاعدة مفادها أن التنظيم ضرورة، لكننا ومع ذلك نشير إلى أن التنظيم أفعى خطرة، وقد تلتهم أو تلدغ في أي لحظة من يقترب منها.


📌 الهوامش

  1. [1] ص، آية24
  2. [2] الزخرف، آية54
  3. [3] " ما التمكين إلا من الله عز وجل، لكننا ننظـر في الأسبـاب والإمكانيات الظاهرة وهي من وضعه تعالى وخلقه وتسخيره". العدل: الإسلاميون والحكم، ص35.
  4. [4] علي بن نايف الشحود، الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل، ج 9، ص 59
  5. [5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص81
  6. [6] البخاري، الحديث رقم 481
  7. [7] سنن الترمذي، باب ما جاء في لزوم الجماعة، حديث رقم: 2166
  8. [8] رواه الإمام أحمد ومسلم عن النعمان بن بشير
  9. [9] المائدة، آية2
  10. [10] أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية التفويض، ولذلك أوجد لكل طاقة ما يناسبها من عمل، ووزع المسؤوليات، وفرض المهام ومنح أجزاء متساوية من المسؤولية والسلطة لأصحابه، فقد تولى على بن أبي طالب وعثمان بن عفان كتابة الوحي، كما كان يقوم بذلك أيضاً أثناء غيابهما أُبي بن كعب وزيد بن ثابت وكان الزبير بن العوام وجهيم بن الصلت يقومان بكتابة أموال الصدقات، وكان حذيفة بن اليمان يعد تقديرات الدخل من النخيل، وكان المغيرة بن شعبة والحسن بن نمر يكتبان الميزانيات والمعاملات بين الناس. وقد كان تفويض السلطة في عهد الخلفاء الراشدين حينما كان عمر بن الخطاب يطلق الحرية لعماله في الشؤون الوظيفية، ويقيدهم في المسائل العامة، أي يفوضهم بعضاً من السلطات ويراقب عملهم في حدود ذلك التفويض، وكان يختبر موظفيه بين الحين والآخر ليتأكد من كفاءاتهم وقدرتهم، ويبدو ذلك جليًا في موقفه مع كعب بن سور حينما كان جالسًا عند عمر فجاءته امرأة تشكو زوجها فقال لكعب: اقض بينهما فلما قضي قضاءه قال لكعب: " اذهب قاضيًا على البصرة ". لذلك فالتفويض ليس تهربا من المسؤولية لأن المسؤول في النهاية هو الذي يتحمل نتائج إدارته، فهو تفويض للعمل لا تفويض للمسؤولية.
  11. [11] عن معاذ بن جبل، صحيح ابن حبان، الحديث 647.

◀ الفصل السابق: توطئة

🔖 فهرس الكتاب

الفصل التالي: ضرورة التنظيم

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية