فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الزحف المنظم والتنظيم الزاحف

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 10 من 77 — فهرس الكتاب

بعد ترسيخ أسس التربية، يبدأ التنظيم، ومع التنظيم لا تزول العملية التربوية بل تستمر وتتنوع، وبعد اكتمال التنظيم واشتداد عوده تأتي مرحلة الزحف الحقيقي، الزحف نحو المشاركة في الشأن العام، بنية الاصلاح، ثم عودا على بدء لفتح باب الدعوة وترسيخ التربية الايمانية والاخلاقية والسلوكية والمعرفية، وبذلك تكتمل الحلقة، وتدور عجلة الاصلاح والتنمية، تربية وتنظيما وزحفا والهدف دائما هو التربية، والتربية التي نعنيها هي تحبيب الناس إلى الله وتحبيب الله إلى الناس، لكن قد يبتدئ الزحف حتى قبل اكتمال التنظيم إنما بشكل لطيف.

الزحف لا يكون إلا مُنظما، فالزحف المشتت لا يأتي بنتيجة، وهو أمر منطقي، فلكي يؤتي الزحف أُكله يجب أن يتم بانتظام حتى لا تضيع الجهود سدى، بلغة الاقتصاد والتدبير السليم "النتيجة المرجوة بأقل تكلفة مادية وبشرية"، على أن القيادة يُناط بها السهر على أن لا يضيع الزحف تحت هوى أمراء التنظيم، فهؤلاء مهمتهم هي خدمة الصالح العام وهو الغاية التي من أجلها التحق الناس بالتنظيم، في حالتنا هذه هو إقامة العدل والحفاظ على الحقوق، إلا أن الواقع علمنا أن هذه الغاية سرعان ما تغيب، بل تغيب حتى الغاية الايمانية الاحسانية وسط الهرج والمرج والكدر وفتنة الدنيا وزهرتها والتطاحن داخل التنظيم والاقتتال على السلطة، تغيب وسط الاهواء والمغريات والمثبطات والحفر المزروعة والبشر والخوف من الاهوال المتوقعة، ودواء ذلك شيء واحد، وهو اليقين، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعلم اليقين كما نتعلم القرآن حتى نعرفه.

روى خالد بن معدان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه"، معنى ذلك أن اليقين يُتعلم ويُدرس ويُلقن كما يلقن القرآن، معنى ذلك أن هناك معلما ومربيا يسهر على تربية هذا الشيء في القلوب، فمحط اليقين هو القلب [1]، والقلب عندما يمرض يضعف يقينه، والمرض يأتي من الخلل في التربية، بمعنى أن الصحبة في الله تنقص أو تختفي أو تمُنع، أو أن ذكر الله قد فتر أو أن الوجهة قد تغيرت واختل ميزان النية والصدق، معنى ذلك أن اليقين شيء يُكتسب، لكنه في أحوال أخرى يكون علما َلدُنيا غير كسبي، يهبه الله لمن يشاء من عباده المخلصين، فيمتلئ القلب يقينا وطمأنينة.

التنظيم هنا من المفروض أن يكون مُعلما مساعدا إلى جانب المعلم الكبير وهو الولي المربي، فالتنظيم مسؤول باستمرار عن إيصال المعاني الربانية والفتل فيها، ورجال التنظيم يجب أن يعطوا قدوة لإخوانهم في الصبر على مدلهمات الطريق عندما يبرزون ما في قلوبهم من يقين يُترجمونه أفعالا ميدانية تظهر مدى يقينهم في موعود الله وثقتهم بما في يد الله أكثر من ثقتهم مما في أيديهم، على أن التنظيم الذي يختل فيه اليقين تتيه وجهته ويتسلط عليه المخربون والمخبرون والعملاء والطامعون والمصلحيون والمخنثون والامعات وتضيق فيه مساحة الصادقين الشاربين من الاصل والمعين، ولذلك كان المسؤول التنظيمي أحوج الناس في عملية الزحف إلى تربية، فمتى انهارت تربية المسؤول انهارت تربية من معه ومن هم دونه، وهكذا دواليك حتى تضعف روحانية الجماعة وتقل الدعوة وتكثر المشاحنات والانتقامات والحسابات والولاءات الشخصية والتكتلات الموازية.

الزحف المنظم يحتاج تنظيما زاحفا، لا تنظيما واقفا أو متراجعا، وآليات إصلاح أعطاب التنظيم يجب أن تكون مستمرة باستمرار الحركة والسير، ذلك أن المعول عليه دائما هو العمل المنظم، فالعامة لا تزحف إلا في اتجاه خبزها وفرجـها، هذا الغثاء [2] من الاعداد الغفيرة من الشتات لا يعول عليه بتاتا في إحقاق معادلة العدل والايمان، فلا تغيير يرجى منه إلا أن يهيج كالثور يوما فيحطم كل شيء، ثم تتسلم ثعالب التنظيم والسياسة الحكم، أما ما دون ذلك فلا يرجى من شتات خير على صعيد السياسة والحكم والدولة والدين.

" ليكن الهدف المباشر هو الزحف الأرضي للاستيلاء على الحكم" [3]، هكذا وصف الرجل عملية الزحف، ومعناه أن الزحف كسب للمواقع على رقعة اللعبة السياسية لا تحليق في سماء الأحلام والخيال والوهم، وقد جعل الهدف مباشرا تماشيا مع مبدأ الوضوح، فوضوح الرؤية أهم من العمل نفسه، فلا عمل دون وضوح في الرؤية، إنما يتخبط من لا يدري هدفه، يتخبطه الشيطان من مس الهوى والجهل، لا يستوي هو ومن يرى ويمشي على صراط مستقيم، على بصيرة، ولا يخاف من الوضوح إلا المنافقون ومن في كروشهم عجائن الحرام وفي عقولهم مخططات الغدر، لذلك تجد المنافقين و أهل الغدر يفضلون المياه الضحلة والبرك الاسنة حيث تنعدم الرؤية، فهم يسعدون في الظلام، ويحيون في الميكروبات، ويتكاثرون في النتانة، ويهنؤون في الفتن، ويموتون تحت ضوء الشمس.

الوضوح في الهدف يخلق أجواء الثقة ويوفر مجهودات فك الخلاف، ويعطي للعمل الجماعي موقعا متفردا على الميدان، كما أن التنظيم يحاسب سياسيا على وضوح مواقفه على اعتبارها مرجعا فكريا كلما ظهرت على الساحة مستجدات التدليس والتلفيق السياسي والاعلامي، فالخروج من سراديب الظلام يقتضي وضوحا، هذا الوضوح له ثمن، لكنه في جميع الاحوال منجاة من موارد الهلاك في أزقة الظلام، دعونا من غباء المنبطحين الذين يفضحون كل أوراقهم بقصد كسب ود سياسي بطعم الذل، إننا نقصد بالوضوح وضوح المواقف والمنطلقات والاهداف لا وضوح الوسائل والرجال والمهام والبرامج الداخلية والاسماء ومصادر التمويل، ومع ذلك نؤكد على أن وضوح الهدف وسرية الوسائل قد ينسجمان مع ثقافة الثغرة والفرصة، لكنه لا يكون لهما أثر الا مع ثقافة البناء، بناء الفرد وبناء المؤسسات، البناء البناء، وما عدا ذلك من عقلية الانتهاز والاقتناص دون بناء فهو السراب والضحك على الذقون.

من صفات الزحف المنظم أنه بطيء شاق طويل وصعب المراس، ومن صفات التنظيم الزاحف أنه صبور مصمم عازم هادئ متحمل جلد غير مستعجل، يرسم الاهداف والسياسات طويلة المدى ويبرمج الخطوات الحالة، فالزحف المنظم يختلف عن ثورة طنجرة الضغط، وما تسخين الطنجرة إلا نشاط من أنشطته، ذلك أنه يعمل في وسط متغير متقلب وصعب، والتحديات الداخلية والخارجية لا تفتر عن التكاثر والتجدد والتلون والضرب بين الفينة والاخرى ضربات موجعة لأشخاص ومؤسسات التنظيم، فالسلوك السياسي نحو السلطة طريق دقيق وعر و شاق خطر، خطر لأهمية الهدف، فإسقاط المؤسسات الرسمية وتعويضها بأخرى لعب بالنار، اعتبارا لكون التغيير السياسي يطرح دائما تحديات كبيرة خاصة عند مواجهة نظام قد لا يعمل دائما وفق القانون، فلا قانون يعلو فوق قانون الممكن [4] ولا قانون يسمو فوق قانون الفرصة وشريعة الغاب، على أن التنظيم نفسه يتعامل مع أفراده أحيانا كثيرة بنفس المنطق، فلا قانون واضح، إنما هي الخديعة والفرصة وفن الممكن ومراكز القوة ما يحكم تصرفات أمراء التنظيم.

إن التنظيم المتسرع غالبا ما يقع في أخطاء كثيرة، أولها الخروج عن السكة وآخرها الانقلاب، فوعورة الطريق أمر يصعب على تنظيم تتزعمه عناصر متشوفة إلى لذات الرئاسة والسلطة والمال والمكانة الاجتماعية والظهور على الاقران السياسيين والتنظيميين، لمعان السلطة في عيون أمراء التنظيم له إغراء قوي، ومع ضعف التربية وضعف رجال التربية على المستوى التنظيمي وخلو يدهم من سلطة القرار يصبح المؤمنون البسطاء ضحية رجال السياسة والتنظيم المتسرعين المتشوفين إلى لذة الحكم، لكن الذي يدفع الثمن الاكبر هو صاحب المشروع والصديقون الذين معه، هؤلاء يعلمون أن الزحف يتطلب تُؤدة وطول نفس وصبرا على مطارق التربية ومشاق التدافع السياسي ومرارات كدر الجماعة، ولذلك فإننا لا نمل من التذكير بأن التربية يجب أن تكون على رأس قائمة برامج التنظيم لا شيئا ثانويا زائدا، مجالس الرخاوة على طاولات البريستيج السياسي والنفاق التنظيمي التي تُعطاها هيلالة كبيرة من التنظيم وتخصص لها ميزانيات كبيرة وتجييش مؤسساتي وفكري كبير هي آخر ما يجب أن يستنفر التنظيم.

الزحف الهادئ يتطلب نفوسا اعتادت على الرباطات الطويلة والصيام الطويل، على جلسات ذكر الله الطويلة في الخلوات، نفوس أنست شرنقة العبادة وتخلصت من شهوات الرئاسة والمال، نفوس لا تمل من الهدوء الطويل الذي يشبه الموت، لكنه موت خادع تدب في داخله حياة الايمان والفكر، فالقلب العامر بالله تحسبه جامدا وهو يمر مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء، لكن هذا الأمر يتحقق فقط لآحاد أفراد، وهو غير متاح لجميع أمراء التنظيم الذين يصلون بطريقة أو بأخرى إلى مراكز القرار ليتحكموا في الجماعة وهم لم يضبطوا حتى أدبيات التربية فبالأحرى التمكن من حقائق الاحسان، ولذلك نرجع ونقول بأن التنظيم مسؤول من البداية عن ترسيخ معاني المحبة والاخاء والتضامن والتضحية ونكران الذات وخدمة الصالح العام بوسائله التنظيمية وقدوة عناصره القيادية وفتح المجال أمام رجال التربية ليمارسوا مهامهم التربوية بعيدا عن أسلوب الحسابات الرئاسية وإقصاء العناصر النورانية خوفا من مغناطيسها القلبي ذي الانعكاسات التنظيمية.

الزحف عمل هادئ، منظم، رصين، مستمر غير منقطع، قاصد عازم غير متسكع، صامت غير صاخب، متفاعل غير جامد، مستقيم لكنه يدور، هذا في تعاطيه مع الواقع الموبوء، أما داخل الجماعة فالمفروض أنه لا زحفَ على الإخوان ولا هجوم عليهم، فلا شدة على المؤمنين ولا رحمة على الكافرين، بل سلام ورحمة وأمان وسبح في فضاءات رحمة الله، ذوبان في بوتقة الحب في الله، غياب كلي لنية الزحف على إذاية الاخوان وانعدام تام للتفكير في الزحف على مواقع المسؤولية والتشوف على المؤمنين والرئاسة عليهم والاضرار بهم أو النيل منهم أو التخطيط لهم بما يؤذيهم، فالزحف إنما يُفهم منه الزحف على قلاع الفساد لإصلاح النظام وإقامة العدل لا الزحف على المؤمنين للتمشيخ عليهم، الغاية هي الاصلاح لا الانقلاب، وإلا كان الزحف على التنظيم الداخلي الفاسد وإصلاحه أو تغييره أولى من الزحف على الغير.

الزحف الحقيقي يمشي إذن على خيط رفيع وهو خوف الله لا خشية أمراء التنظيم، ومتى سقط الزحف عن هذه الشعرة هوى إلى جحيم التنظيم الجبار الخوار، فخوف الله معنى أساسي من معاني التربية التي يجب أن تكون مُفترضة في برامج التنظيم وفي أعضائه فبالأحرى في مسؤوليه، خوف الله قرينة على العلم وغير ذلك جهل، قال تعالى: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" [5]، معنى ذلك أن العلماء يخشون الله، بينما الجاهلون أبعد ما يكونون عن خوف الله، وبناء على ذلك يمكن القول أن التنظيم الذي لا يراعي الله في أعضائه هو تنظيم جهول ومسؤولوه من سلالة أبي لهب وحمالة الحطب، جهلاء جالسين على كراسي المسؤولية.

وإذا كان الزحف بهذه الدقة والوضوح والهدوء والتصميم والعزم والخوف من الله فلابد أن يكون الهدف مباشرا، واضحا ودقيقا، وهو الزحف الارضي لا الوهمي، قالها الرجل بكل وضوح، ثم أتى من بعده من خوار الركب من يريد أن يلوي عنق النص الواضح وضوح الشمس لضعف في ركبه الايمانية ولحاجة سياسوية في نفسه، يتلوى وهو يتحدث عن دولة الحب والانسانية التي ستفرق الحب في مكاتب الادارة، دعنا من نفاقك أيها المجرم الملتحي الذي ما تزال يداه ملطختان بدماء المؤمنين فصلا وتشويها وتحميقا وتعذيبا وكيدا ونميمة، دعنا من أكاذيبك يا قفصا بلا طائر وتعال إلى هنا رجلا لرجل نتحدث حديث الرجال، متى كنت مُحبا لإخوانك في التنظيم؟ متى أحببت أخاك في الله أيها القلب الضيق الحرج والمسؤول المتعجرف، لم يبق لك الا الانسانية تحاضر فيها، حاشا أن يكون في غد مكاتب دولتك مثقال ذرة حب تفرقه على الناس، إنما هي حيل السياسة للوصول إلى السلطة، أما الانسانية فهي أبعد شيء منك.

الهدف المباشر حسب قول الرجل هو زحف قاصد هادئ رصين، سعي نحو الاصلاح عن طريق الاستيلاء لا عن طريق الركوع على أبواب الفسدة، نبرة صوت الرجال تقول أن مركز القوة الذي يتبعه عدل لا يناله الرجال إلا بالقوة والتصميم وبالعزة المحمدية لا بالذل المتحاذق، كلام دقيق يعبر عن صدق الحديث، حديث الرجال، رجال الله، أولياء الله البراء من التكلف الذين لا يتورعون عن استخدام أدق العبارات رغم حمولتها السياسية الثقيلة في ميزان ضعاف النفوس، وضعاف النفوس اليوم بحر مائج، وهو أمر عادي في زمن اجتمعت فيه كل الخناجر القانونية والسياسية على قتل الرجولة.

الزحف المباشر يتطلب إقداما لا نكوصا، شجاعة لا تخاذلا، اعتدال قامة لا انحناءة هامة، وضوح قول لا حكمة تقتضي، زئيرا في مواطن الحرب لا تعاهرا إعلاميا ولا لواطا سياسيا، قال تعالى: " وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" [6]، وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" [7].

التولي وإعطاء الدبر في مواطن الاقدام جريمة وغضب من الله وفشل وموبقة وقلة رجولة.

نشير هنا إلى نوع آخر من التولي وهو التولي عن الاصلاح بين الاخوان لفائدة مسؤولين معينين، قال تعالى: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ. ." [8] معنى ذلك أن بغي الأخ على الأخ يستوجب من التنظيم أن يقاتل الباغي لا أن يسمح له بالبغي، ولا يجب أن يُطبل له وينصره فقط لأنه مسؤول، فقاتلوا التي تبغي، أي الفئة الباغية التي خرقت حدود الشريعة وطغت، النكوص عن قتال فئة المسؤول الباغي حتى يفيء إلى العدل والشورى تولي من نوع آخر عن الزحف على مراكز الفساد داخل التنظيم، فالباغي المسكوت على بغيه لن يتوقف عن البغي، وسيبغي وسيبغي حتى يخرب الصف بكامله، حينها سيجني الصف عاقبة التولي عن إصلاح البين داخل التنظيم.

لاحظ معي أخي الكريم أن الثبات يوم الزحف أمر مصيري لا تنفع معه تبريرات الحكمة تقتضي، فالقضاء على الظلم وحشد القوة ضد الفساد الديني والدنيوي وتواجه الرجال مع الرجال في ساحة المعركة أمر من الاهمية بمكان بحيث لا يترك للمتخاذل من خيار إلا الثبات والهجوم، النصر أو الموت، ثم لاحظ معي كيف قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف بالشرك بالله وقتل النفس وسائر الموبقات، ذريعة الحفاظ على النفس تقتل أجيالا، وقد لاحظت ذلك في التنظيم، فمع انتشار ثقافة الانانية والنكوص والتخاذل والتولي عن مواجهة الفساد الخارجي والخوف من مصارحة الفساد الداخلي والتلوي والهروب من مواطن الخطر والمواجهة واعتبار ذلك ذكاء وفطنة وحنكة حصل الخراب الكبير للذمم والاخلاق والدين.

من هنا كان التولي يوم الزحف قتلا للنفس من حيث التذاكي أنه حفاظ عليها، فالتذاكي هنا مصدره الجبن وتزعزع الثقة في الله وضعف اليقين فيه ونصره للمؤمنين، ونتيجة ذلك لا محالة هو الدمار الاخلاقي الكبير.

إن نشر ثقافة الاقدام والتحدي هي مسؤولية التنظيم لا ريب، وإصلاح ذات البين هي مسؤولية التنظيم أيضا، وتربية الاعضاء على طول النفس وروح المسؤولية هي مسؤولية التنظيم، وتنظيم عملية الزحف ككل من ألفها إلى يائها هي مسؤولية التنظيم، على اعتبار أن التنظيم هو أهم أداة للزحف، وما التربية إلا العامل المعنوي المساعد، فمتى قام التنظيم بتصفية التربية وأهل التربية فقد صفى الزحف، ومتى ركن المسؤولون التنظيميون إلى حلاوة المسؤولية وتلكؤوا عن حمل مسؤولياتهم وخوض غمار البناء التنظيمي القوي فقد خانوا الرجال وقتلوا الزحف.


📌 الهوامش

  1. [1] " من صح يقينه نظر بعين رأسه الخلق، وبعين قلبه فعل الله عز وجل فيهم، يرى تحريكه وتسكينه لهم، فهذا نظر العزة. من أولياء الله عز وجل من إذا نظر إلى شخص رأى ظاهره بعين رأسه، وباطنه بعين قلبه. وينظر مولاه عز وجل بعين سره". الإمام عبد القادر الجيلاني في " الفتح الرباني".
  2. [2] جاء في سنن أبي داود: عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» سنن أبي داود/ 4297، مسند أحمد/ 21890
  3. [3] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص18
  4. [4] السياسة فن المُمْكِنْ على اعتبار أن السياسة فعل متميز لا يستطيع القيام به كل الناس، ذلك أن رجل السياسة الحقيقي يمارس الفعل السياسي في ضوء علاقة الممكن والمستحيل بالظروف الوقتية والواقعية و المناخ السياسي السائد، وفي إطار يجمع بين الواقع وقدرٍ من الخيال يساعد على تغيير الواقع في إطارٍ من الممكن، وهنا يحدث التزاوج القائم بين الحقائق الثابتة والأحلام القابلة للتطبيق فلا مخرج إلا من باب الممكن.
  5. [5] آل عمران، 175.
  6. [6] الأنفال 16
  7. [7] البخاري في كتاب الوصايا
  8. [8] الحجرات 9

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية