📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 12 من 77 — فهرس الكتاب
لتجنب فساد أي مؤسسة إدارية لابد من قضاء يسمو عليها ويفرض رقابته القضائية على قراراتها الادارية [1]، فالقضاء هو السيف المصلت على رقبة التنظيم أن يقع في الشطط في استعمال السلطة الادارية أو السياسية، هذا القضاء يجب أن يكون مستقلا وليس بيد التنظيم نفسه، فمن احترام عقول الناس أن لا يجتمع الخصم والحكم في شخص واحد أو مؤسسة واحدة، فيحكم الشخص لصالح نفسه أو تحكم المؤسسة لصالح أشخاصها، وكما أن الظلم هلاك الدول، فالظلم أيضا داخل التنظيم هو نهاية التنظيم، الظلم يهدم أي مؤسسة والعدل يقيمها.
استقلالية السلطة القضائية [2] نتحدث عنها بعد إيجاد هذه السلطة أولا، فالتنظيم الاسلامي كمؤسسة سياسية أو دعوية لا يتوفر على سلطة قضائية، بل تجتمع لدى المسؤول التنظيمي سلطة إدارية ومعها سلطة قضائية وحتى تشريعية، فإذا حدث أن وقع بينك وبين المسؤول نزاع حكم عليك تحت إشرافه بقانونه ولصالحه وأيده التنظيم في حكمه، ولي في هذا الصدد تجارب كثيرة وقفت فيها على ظلم التنظيم وانحيازه لمسؤوليه، بل إنه لا يستمع إليك أصلا ولا يعطيك حتى حق الدفاع عن نفسك، وإذا ما تواضع واستدعاك إلى جلسة ينهال عليك بالاتهامات كأنك مجرم، وكل كلمة تنطقها حينها تُحسب عليك كأنك أمام سلطة اتهام، نيابة عامة وقاضي ومُشرع وخصم وشاهد كلها تجتمع في المسؤول التنظيمي الخصم، يعاملك التنظيم كأنك كلب أجرب تريد أن تعتدي على ولي الله المسؤول التنظيمي لمجرد أنه اشتكى من تصرفاتك، أما إذا تقدمت أنت بشكاية إلى التنظيم فهو لا يستمع بتاتا للتظلمات، بل يحتقرك ويدعو عليك بالهلاك لأنك لم تتوكل على الله ولم تفوض أمرك إلى الله، وأيما باب قصدته وجدت صدا واكفهرارا، لكأنك ترتكب جرما عندما تطالب بمحاكمة عادلة، فالمسؤول التنظيمي كائن مقدس لا تجوز مقاضاته.
كارثة قضائية يعرفها التنظيم الاسلامي للأسف، ظلم مستشري وحكرة، فلا تجد أمامك سوى الله تشكو إليه ضعف قوتك وهوانك على التنظيم.
على أن هناك حالات يتواضع فيها التنظيم تواضع الذئب وينزل لسماع الشكوى لكن ليس لإنصاف المشتكي بل للنظر كيف يقضي عليه نهائيا، فكن على يقين أخي الطيب الكريم أن التنظيم عندما يستدعيك بابتسامة صفراء ومحبة مخادعة ولين كلام ماكر فهو لا يبتسم لك ابتسامة الأخ للأخ، بل هو يفكر ويبحث كيف يقضي عليك نهائيا، فـحذار أن تظن أن التنظيم يستدعي أحدا لمساعدته، إنه خطأ كبير وقع فيه الكثير وما زال يقع فيه الكثير، فالتنظيم عندما ينزل لسماع الشكوى فهو يبحث في الثغرات لدى المشتكي ليدخل عليه منها ويذبحه من الوريد إلى الوريد، وهو يأتيك أول مرة بالمحبة الكاذبة ليستل لسانك بهدوء، إنه يعتقد أن الشخص المشتكي شخص خطير على التنظيم، فالعضو السليم هو الذي لا يشتكي ولا يتقدم بتظلمات، العضو الجيد هو حمار الرحى الذي يحمل الظلمات ويصمت صمت القبور ويحتسب عند الله، العضو الجيد هو العضو الذليل المنكسر أمام المسؤولين، وما الاستدعاء سوى بداية التحقيق الناعم لمعرفة خطة طريق للقضاء عليك، بعد ذلك يكشر التنظيم عن أنيابه ويبرز كافة وسائله وأشخاصه ومؤسساته لينال من المشتكي بعد أن يجمع المعلومات ويعرف نقاط الضعف.
لقد صُدمت في البداية من هذه التصرفات، لكني فهمت لاحقا أن غياب الجهاز القضائي في التنظيم سبب من أسباب هذه الكوارث.
نكاد نتفق على ضرورة وجود جهاز قضائي داخلي ضمن الهياكل التنظيمية للتنظيم الاسلامي حتى يقف حاجزا ضد طغيان مسؤوليه، ثم يرجع بالحقوق إلى أصحابها وينال من الظالمين الذين يتجاوزون حدود الشرع والنظام الداخلي، لكن إيجاد هذا الجهاز يتطلب إرادة سياسية من القيادة، فالقيادة نفسها غارقة في التظلمات ضدها وهي ليست من الغباء بحيث تعطي سكين ذبحها للمظلومين إلا إذا كانت قد باعت نفسها لله، ولذلك فالأمر ليس بتلك السهولة المتصورة، بل يتطلب ضغطا تحتيا لتحقيق هذا المطلب الآني، وإيجاد هذا الجهاز القضائي لن يتم إلا بإلحاح من القواعد التنظيمية والمؤسسات الداخلية الساهرة على حسن سير التنظيم، فالحق يُؤخذ ولا يعطى، والمسؤول التنظيمي كالحاكم الجبري [3] لن يعطيك حقك إلا انتزعته منه بذراعك.
أشير هنا إلى أننا لا نرمي إلى إحداث دولة داخل دولة، بل نريد قضاء داخليا يفض النزاعات التنظيمية الداخلية التي لها علاقة بالعمل الدعوي والسياسي المشترك داخل التنظيم، وإلا فإن محاكم الدولة هي المختصة نوعيا في فض النزاعات الشخصية التي قد تنشب بين أعضاء التنظيم مع ضرورة تحييد قطاع المحامين التابع للتنظيم وعدم تدخله للدفاع عن عضو ضد عضو أو ترجيح كفة مسؤول في مواجهة عضو.
لقد كنا أغرارا عندما اعتقدنا في بداية انضمامنا للتنظيم أن مسيروه من النزاهة بحيث يفكرون في مصلحة المؤمنين، فكان حسن النية منا يقتضي أن هذا العدل مفترض أصلا بين المؤمنين، فسيرة عمر ابن الخطاب التي كنا نتدارسها في المجالس بداية انضمامنا [4] كان من أولوياتها العدل، فكان مُستغربا كل الاستغراب في أذهاننا أن يكون التنظيم هو نفسه ظالما، لكننا مع النضج داخل أروقة التنظيم وجدنا أننا كنا أطفالا صغارا لا ندري كيف تسير الأمور، فهمنا الأمور فقط عندما صدمنا رأسنا بحائط صلب داخل التنظيم اسمه الظلم، لقد دفعنا ثمن الفهم غاليا ليالي من الغم والحسرة التي تمزق القلب جراء الالم الذي سببه لنا التنظيم والظلم الذي قهرنا به، لقد فهمنا أخيرا أن التنظيم ليس بتلك الطهارة التي تصورناه بها بداية عهدنا به، إنه بشر كالبشر في أحسن الاحوال، وفي أحوال أخرى وحش لا رحمة فيه، ذئب لا ثقة فيه، شيطان رجيم يلزمه جهاز قضائي مستقل لكسر شيطنته.
استقلال السلطة القضائية من المبادئ التي أقرتها مختلف المواثيق الدولية التي يزغرد لها التنظيم الاسلامي صباح مساء ويطالب بها الأنظمة الحاكمة، يطالب بها غيره مؤكدا أن الاسلام كان سباقا إلى إقرارها، نذالة تبحث عن غطاء قانوني وشرعي ثم تبحلس على أبواب التقدمية، والصواب أن قبول المواثيق الدولية في شموليتها يقتضي إقرار مؤسسة قضائية داخلية مستقلة داخل التنظيم، فالعدل ليس شيئا زائدا بل هو صمام الأمان وغاية الغايات الارضية للتنظيم، أليس التنظيم من يرفع للناس شعار العدل؟
العدل يتطلب مؤسسة قضائية داخلية مستقلة تفصل بالقانون الداخلي للتنظيم أو التحاكم إلى المحاكم الرسمية للدولة للفصل بقانون الدولة، ويُقصد باستقلال السلطة القضائية لدى رجال القانون مفهومان، المفهوم الأول استقلال ذاتي لشخص القاضي في اتخاذ قراراته القضائية، ويقصد بالثاني استقلال مؤسسة القضاء عن المؤسستين التنفيذية والتشريعية، وفي التنظيم الاسلامي المؤسسة التشريعية هي مجلس الشورى، والمؤسسة التنفيذية هي التنظيم وأجهزته، فيبقى من الضروري إيجاد مؤسسة مستقلة تكون ضمانة عل حسن سير المؤسسات وهي مؤسسة القضاء، بما فيها القضاء الاداري الذي يفصل بين المؤسسات والمؤسسات وبين الاشخاص والمؤسسات، ثم القضاء العادي الذي يسهر على فض النزاعات الشخصية بين الاشخاص الطبيعية.
إن المقتضيات القانونية المقررة لاستقلالية القضاء سبقت إليها الدول الثائرة على الظلم، حيث تم إقرار مبدأ استقلال السلطة القضائية في إعلان حقوق الانسان والمواطن [5] الفرنسي أواخر القرن18 الذي جاء متأثرا بـفكر التنوير ونظريات العقد الاجتماعي والحقوق الطبيعية التي قال بها مفكرون أمثال جان جاك روسو، جون لوك، فولتير، مونتيسكيو، ثم نص عليه الاعلان العالمي لحقوق الانسان في باريس سنة 1948 [6] الذي صاغه ممثلون من مختلف الخلفيات القانونية والثقافية من جميع أنحاء العالم، ولقد فطنت الأنظمة الحاكمة إلى أهمية استقلالية القضاء في استقرار دولها فأقرت به في تشريعاتها، ولذلك نجد أن هذه الانظمة الدستورية وكثير منها لا يدين بدين الاسلام كانت أكثر عدلا من التنظيمات الاسلامية عندما أرست مجموعة من المؤسسات القضائية القوية، حتى أصبح الإخوة اليوم داخل التنظيم الاسلامي يتحاكمون أمام قضاء الدولة التي يريدون إسقاط نظامها السياسي والقضائي، والغريب أن هؤلاء المعارضين للدولة عندما يُخاصمون الدولة أو يُقاضون أحد مسؤوليها يجدون من أجهزتها عدلا وإنصافا ورحمة أكثر مما يجدونه في تنظيمهم الاسلامي.
كلمة نقولها بكل أسف، النظام السياسي الظالم رغم كل الظلم الذي نعرفه عنه أكثر عدلا وإنصافا من التنظيم "الاسلامي"، ولي تجربة شخصية وشهادات بهذا الخصوص بالعشرات.
ستقول أخي القارئ إنني أبالغ، لكنني أؤكد لك أن هذا الأمر واقعي لا مبالغة فيه، بل إنني أؤكد لك أن التنظيم حتى لو أوجد هذه المؤسسات القضائية فهو لن يصل إلى عدل النظام القائم لأنه تلزمه سنوات طويلة من التطهير التنظيمي، وقد لاحظ العديد من الإخوان هذا الأمر وصرحوا به إلي على انفراد وصدقتهم لأنني عايشت ذلك، فالتنظيم عندما تدخل وفصل في بعض الخلافات أثبت أنه ظالم أكثر من الأنظمة الحاكمة، وأصل الظلم فيه أزمة أخلاقية منبعها فشل العملية التربوية، بينما التنظيم الاسلامي مطالب في الاصل تماشيا مع شعاره الاسلامي باقتباس عدله من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وسيرة الخلفاء الراشدين بما أنه ذي مرجعية إسلامية لا من التوصيات الدولية، يكفيه أن يطبق سياسة عمر بن الخطاب في العدل [7] إذا أعجزته سياسة المنظمات الدولية، رغم أنني على يقين أنه يميل إلى المواثيق الدولية لأن واقع البريستيج داخل التنظيم يفرض ذلك، فالمواثيق الدولية خاصة ما يتعلق بالنساء أكثر حضارة في نظره وأكثر رقيا من الشريعة الاسلامية، وهي أقرب طريق لكسب ود الاشتراكيين والتقدميين الذين يلهث التنظيم الاسلامي خلف رضاهم صباح مساء.
إن الناظر إلى حجم الخراب التربوي والنفسي والتنظيمي الذي سببه طغيان التنظيم يجعلنا نقول أن هذا الأخير في حاجة ماسة إلى جهاز قضائي داخلي مستقل، جهاز قادر على فض النزاعات والخلافات التنظيمية داخل الصف والوقوف ضد جبروت التنظيم وتحطيمه للمؤمنين بدعوى الحفاظ على الدعوة، فكل الجرائم التي قام بها التنظيم مبرره فيها الحفاظ على الدعوة، فأين هي الدعوة مع آلاف الدعوات بالانتقام من هذا التنظيم الظالم، أين هي الدعوة مع آلاف من القلوب المنكسرة من جبروت التنظيم، أين هي الدعوة مع آلاف من القلوب الصامتة التي ترجو من الله حقها، حاشاه سبحانه أن ينصر دعوة ظالمة، فكان لزاما على التنظيم الذي يدعي أنه إسلامي أن يتبنى الاسلام ويؤسس لقضاء مستقل، فإذا لم يكن قادرا على إنشاء جهاز قضائي مستقل وهو المتخصص في إنشاء أجهزة كثيرة لا معنى لها في إطار تخمة الهياكل والمؤسسات والمسؤوليات الفارغة، فليوكل الأمر إلى رجل واحد كما كان علي رضي الله عنه مكلفا بالقضاء [8]، رجل مستقل عن التنظيم الجبار تكون سلطته فوق سلطة التنظيم فيما يخص العدل حتى يستطيع تقليم أظافر الظلم لدى الشيطان المنظم ويكسر شوكة رجاله الطغاة القساة المعتدين على حرمات المؤمنين.
📌 الهوامش
- [1] عندما تصدر الإدارة قراراتها الإداريّة يجب أن تكونَ هذه القرارات متفقة مع أحكام القانون وعدم مخالفته، وللتّأكد من ذلك وجدت الرقابة القضائية على أعمال الإدارة ضمانًا لحقوق الأفراد وحرياتهم، وهناك نظامين في العالم للرقابة القضائية على أعمال الإدارة هما نظام القضاء الموحد، ونظام القضاء المزدوج، نظام القضاء الموحد يوجد في الدول الانكلوسكسونية حيث إن هذا النظام تقوم عليه جهة قضائية واحدة تفصل في جميع المنازعات بغض النظر عن أطرافها سواء أكانوا هيئاتٍ أم أفرادًا، ويتّسم هذا المبدأ بالمساواة والبساطة والوضوح، إلا أنّ مِن عيوبه عدم التخصص؛ فعندما تنظر جهة قضائية واحدة إلى المنازعات كافّة فإنها قد تعجز عن الحفاظ على حقوق الأفراد وحرياتهم. أما نظام القضاء المزدوج فإنه يقوم على مبدأين مهمّين هما استقلال المحاكم الإدارية عن المحاكم العادية وتطبيق قواعد قانونية مختلفة في طبيعتها عن القانون العادي وهي قواعد القانون الإداريّ، ويُلاحظ أن الأصل في هذا النظام يعود إلى القضاء الفرنسي، وتتسم هذه الرقابة بكونها تعدّ فعالة أكثر من النظام الموحّد؛ لأنها تفصل منازعات الأفراد عن الإدارة، ممّا يوفر الوقت والجهد للوصول إلى أحكام أكثر دقّة.
- [2] القرارات القضائية يجب أن تكون حيادية وغير خاضعة لنفوذ السلطتين التنفيذية والتشريعية أو لنفوذ المصالح الخاصة أو السياسية، وبعبارة أخرى ما يسمى فصل بين السلطات.
- [3] الحاكم الدكتاتوري
- [4] كانت لنا وقفات اسبوعية مع كتاب رجال حول الرسول
- [5] إعلان حقوق الإنسان والمواطن هو الإعلان الذي أصدرته الجمعية التأسيسية الوطنية في 26 آب/أغسطس 1789. ويعتبر الإعلان وثيقة حقوق من وثائق الثورة الفرنسية الأساسية وتُعرَّف فيها الحقوق الفردية والجماعية للأمة. وهو يشكل الخطوة الأولى لصياغة الدستور.
- [6] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو وثيقة حقوق دولية تمثل الإعلان الذي تبنته الأمم المتحدة 10 ديسمبر 1948 في قصر شايو في باريس. الإعلان يتحدث عن رأي الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان المحمية لدى كل الناس. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يتألف من 30 مادة ويخطط رأي الجمعية العامة بشأن حقوق الإنسان المكفولة لجميع الناس. ويعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة، 1948 من بين الوثائق الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان والتي تم تبينها من قبل الأمم المتحدة، ونالت تلك الوثيقة موقعاً هاماً في القانون الدولي، وذلك مع وثيقتي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من سنة 1966، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من سنة 1966. وتشكل الوثائق الثلاثة معاً ما يسمى "لائحة الحقوق الدولية". وفي 1976، بعد أن تم التصديق على الوثيقتين من قبل عدد كاف من الأمم، أخذت لائحة الحقوق الدولية قوة القانون الدولي.
- [7] روى الإمام أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ». فمن دلائل اتصاف الفاروق بالعدل أنه لا يخاف في الله لومة لائم، ويقيم الحدود على القريب والبعيد، الحبيب والغريب حتى إنه ليضرب به المثل في ذلك الأمر. يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: شرب أخي عبد الرحمن بن عمر، وشرب معه أبو سروعة عقبة بن الحارث، ونحن بمصر في خلافة عمر بن الخطاب فَسَكِرَا، فلما صَحا انطلقا إلى عمرو بن العاص وهو أمير مصر فقالا: طهرنا فإنا قد سكرنا من شراب شربناه. قال عبد الله بن عمر: فلم أشعر أنهما أتيا عمرو بن العاص، قال: فذكر لي أخي أنه قد سكر فقلت له: ادخل الدار أطهرك، قال: إنه قد حدث الأمير. قال عبد الله: فقلت: والله لا تحلق اليوم على رؤوس الناس، ادخل أحلقك وكانوا إذا ذاك يحلقون مع الحد، فدخل معي الدار. قال عبد الله: فحلقت أخي بيدي، ثم جلدهما عمرو بن العاص، فسمع عمر بن الخطاب بذلك فكتب إلى عمرو: أن ابعث إليّ عبد الرحمن بن عمر على قتب. ففعل ذلك عمرو، فلما قدم عبد الرحمن المدينة على أبيه الفاروق عمر جلده، وعاقبه من أجل مكانه منه، ثم أرسله فلبث أشهرًا صحيحًا ثم مات، فيحسب عامة الناس أنه مات من جلد عمر، ولم يمت من جلده. فالفاروق لا يبالي على من وقع الحق، على ولده أم على غيره من الناس، فهو رجل لا تأخذه في الله لومة لائم، لذلك كان ينهى أهله أشد النهي حذرًا من وقوعهم في مخالفته. يقول ابن عمر رضي الله عنهما: كان عمر إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله وقال: "إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا وإنهم إنما ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وأيم الله لا أوتي برجل منكم فعل الذي نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة، لمكانه مني فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر".
- [8] اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون قاضياً على اليمن رغم أنه كان في ذلك الوقت شاباً صغيراً، وقد قال له رسول الله قبل أن يتوجه إلى اليمن: « يا علي، إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر ما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء». كما جاء في الكامل أن القضاء في عهد أبي بكر كان لعلي بن أبي طالب، كما كان علي قاضي عمر على المدينة، وكان يستشيره عمر في كثير من القضايا والأمور الفقهية والسياسية ويعمل بمشورته، حتى قال عمر في ذلك: «لولا علي لهلك عمر»، ويُنسب لعمر كذلك أنه قال «أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن». وحين كان عمر يحتضر رشح ستة للخلافة من بعده ممن توفي رسول الله وهو عنهم راض، وكان من بين الستة علي بن أبي طالب.
اترك تعليقاً