📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 41 من 77 — فهرس الكتاب
الفعالية التربوية هي النتائج الطيبة التي تأتي بها العملية التربوية على مستوى الاخلاق والدين، وقد رأينا أن للتربية عامة وللمحبة خاصة نتائج طيبة على مستوى قوة التنظيم ونجاح برامجه، فهل يمكن تصور العكس؟ بمعنى هل للتنظيم تأثير على العملية التربوية [1]؟
بعض التنظيمات الاسلامية تعتبر التربية شأنا شخصيا خاصا لا علاقة للتنظيم به، فالتربية بالنسبة إليها طقوس دينية في ساعات الفراغ أو نصائح وإرشادات عامة، وكلٌ يختار من الطقوس الدينية من صيدلية الكتب أو من أفواه الشيوخ ما يريد، وبعض التنظيمات الاخرى ينجمع كليا على التربية متناسيا مهام التنظيم الاولى هي إقامة العدل والدفاع عن حقوق الناس، بينما يحاول البعض الاخر فك شيفرة معادلة التربية والتنظيم ووضع اليد على مفصل الجمع بينهما بما أنهما متلازمتان على طول الطريق، فـحل المعادلة هو ذلك الرجل الـ "إكس" الذي يجمع بين الدعوة والدولة، بين الدين والتنظيم، بين الأخلاق والسياسة، بين العبادة والمعاملة، بين الدنيا والاخرة، بين الروح والمادة، بين نهار السبح وليل التبتل.
قبل الحديث عن الفعالية التربوية بالنسبة إلى التنظيم الذي يؤمن بالتربية كضرورة ملحة داخل أجهزته، سنعالج جدلية التربية والتنظيم، وهل هما مرتبطان أم أمران منفصلان؟ تقول بعض التنظيمات الاسلامية الحركية إن التربية الايمانية شيء غير ضروري لسير التنظيم، فالتربية شأن خاص، وحتى لو رمقت في صفوفها شكليات إسلامية من قبيل اللحية والحجاب والعطور والسواك والجلابيب فإنها ليست دليلا قاطعا على وجود عملية تربوية مؤسسة على أسس أصيلة وبرامج متينة، كما أنها ليست دليلا على قوة تأثير الدين في القرار التنظيمي والسياسي للتنظيم، معنى ذلك أن التربية الايمانية ليست من ضمن البرامج الحقيقية للتنظيم ولا تعدو كونها وسائل معدة للاستغلال السياسي أو أمرا شخصيا في أحسن الاحوال، فالمعول على السياسة، السياسة أولا وثانيا وثالثا وقبل الفطور وبعد الغذاء ووسط العشاء، وبذلك يقبل هذا التنظيم مختلف الاشخاص الذين يحملون هموم التنظيم السياسية والادارية ويعملون على تحقيق أكبر تمكين سياسي ومجتمعي للتنظيم الاسلامي المهيكل غالبا في إطار جماعة دينية أو حزب سياسي، يختلط في هذا الحزب الشخص الوصولي والشخص المثالي، الاسلامي الراديكالي والاسلامي "الجميل"، الرجل السياسي والفقيه الشرعي، الحالق والملتحي، المحجبة والمنقبة والمتبرجة، خليط من الناس جمعتها سمعة الحزب الاسلامي الطيبة، لكن الاساس الحقيقي الذي انجمع عليه القاصي والداني في هذه الحالة هو التنظيم والسياسة وليس الانخراط في الكوكبة الايمانية والتعرض للأنوار المحمدية والخضوع للعملية التربوية.
في هذه الحالة تغيب التربية الايمانية ككيان متميز حيث أن التربية ذائبة في السياسة أو لا وجود لها البتة، وعلى النقيض من ذلك ينجمع كثير من الناس داخل تنظيمات إسلامية تربوية أخرى يكاد يختفي فيها التنظيم الحديدي والسياسة السياسوية لفائدة شكل من أشكال التربية وطقوس خاصة من التدين من لباس وحركات وشكليات وأذكار وأدعية معينة، فلا ترى إلا الدين والتربية، مناصب دينية وطقوس تعبدية وترانيم تربوية خاصة تكاد ترخي بظلالها على الهياكل التنظيمية المترهلة، لكأنك في تنظيم هلامي شائع كل شيء فيه يسير بالمعاني والاشارات وبركة الصالحين والتوكل على العناية الالاهية والانوار القدسية والامدادات الشيخية، بينما ينزوي التنظيم والسياسة إلى ركن خفي مع أهداف خفية، لنقل إنها فوضى منظمة بـإشارات من المرشدين، بينما اللافتة العريضة على الباب مكتوب عليها ما يفيد الدلالة على الله.
هنا أيضا لا جدلية نناقشها بين التربية والتنظيم فهي تطرف في الاتجاه الاخر لفائدة التربية، وفي هذه الحالة تحضر الرئاسة الدينية بقوة ويغيب التنظيم بالمعنى الدقيق، زعامة فردية وبضعة مقدمين يساعدون الشيخ، تختفي هنا كل هياكل التنظيم بالكلية ولا يبقى منها سوى آثار بسيطة توحي للمارة بوجود حركة اسلامية، هنا لا يمكن الحديث عن دور للتنظيم في العملية التربوية، فلا فعالية تربوية للمنضوين تحت لواء الجماعة إلا بقدر فعالية الشيخ التربوية وقوته الروحية ومقدار التوفيق الالاهي له وحجم المدد الايماني الذي يسقي به المريدين.
صنف ثالث من الاسلاميين يؤمن بالتربية داخل التنظيم وبفعالية التنظيم في العملية التربوية، ولعله أصبح الآن يجنح نحو قيام التنظيم بالدور التربوي كاملا بعدما كان يُؤمن أول مرة بالتربية داخل التنظيم تحت الإشراف الكلي للشيخ المربي [2]، لكأنه يتقزز الان من مفهوم الشيخ ويريد أن يجعل التربية تحت وصاية التنظيم بالكُلية، لا أريد في هذا المحور أن أناقش جدلية صحبة هياكل التنظيم أو صحبة رأس التنظيم أو صحبة رجل خارج التنظيم أو صحبة رجل من داخل التنظيم، فقد أسيل في هذا الموضوع مداد تمت محاربته بشدة، ولن يحسم النقاش إلا بعد سنوات من تجربة التربية تحت مشيخة التنظيم.
لكني وعلى ذكر كلمة "الصحبة" أشير إلى أن هذا المفهوم هو بمثابة ركن أساسي في عملية التربية، فالصحبة [3] هي أهم عنصر في مادة التربية، فهي الخيط النوراني الرابط بين الشخص والحضرة، فالتربية المنقطعة لا فائدة منها، وبدون صحبة رجل ولي لله لا معنى لأي تربية روحية، فالتربية في الاصل هي مهمة الشيخ المربي وليست مهمة هياكل ومسؤولي التنظيم، ولي الله العارف بالله الواصل إلى الله الجامع للإرث القلبي النبوي هو حجر الزاوية في عملية التربية، فهو الموجه وهو المربي وهو المحتضن وهو الأب وهو المغذي والمنفق على العيال الطالبة وجه الله، هكذا قال شيوخ التربية، فهم يُجمعون جميعهم على أن التربية بمفهوم الكمال وبلوغ المرام والمشاهدة والكشف والمعرفة والوصول تحتاج إلى رجل مربي وليس إلى هياكل تنظيمية ومؤسسات إدارية، رجل من لحم ودم واصل موصل يغرس البذر ويعهد الزرع حتى يشتد ليغيظ كفار الانس والجن.
على أن الشيخ قد يغيب داخل التنظيم الاسلامي، وقد يحضر مع العجز عن احتواء الهياكل التنظيمية التي تكون أكبر منه قوة وأقوى نفوذا وأبسط سيطرة على إخوان الدنيا والآخرة فيبقى هو مجرد رمز، وقد يحضر بقوة فنكون أمام شيخ مربي قابض على التنظيم يساعده في العملية التربوية أمراء للتنظيم، في هذه الحالة فقط نتحدث عن فعالية تربوية للتنظيم، حيث يخدم التنظيم الغاية التربوية العامة ويكون اليد اليمنى للمصحوب المربي فيها، أما في الاحتمال الأول فيكون التنظيم حجر عثرة أمام الشيخ المربي بحيث يقزم من دوره ويحد من حركته ويحول بينه وبين الممارسة التربوية المباشرة، فتأتي النتائج التربوية على غير المطلوب، بل وقد تحدث مجازر على طريق السلوك، ومع ذلك قد تكون للتنظيم إنجازات سياسية أو دعوية معتبرة يلوح بها في وجه منتقديه.
فعلى قدر التناغم إذن بين الشيخ المربي وأمراء التنظيم تكون الفعالية التربوية، وعلى قدر تطاوع أمراء التنظيم بين يدي الشيخ تتحقق النتائج التربوية، وبمفهوم المخالفة فعلى قدر التنازع بين الشيخ والتنظيم يحدث الفشل التربوي وتتعذر العملية التربية، فالأصل أن الشيخ هو منبع الصفاء والاخاء والمدد، المرشد العام الولي المفتوح له هو قائد التربية وهو مفتاحها، فالمصحوب هو المفتاح، وهو الباب، وما هياكل التنظيم إلا آليات مساعدة في العملية التربوية، ذلك أن أمراء التنظيم غير قادرين البتة على تربية أحد لعوزهم التربوي أولا، ثم ثانيا لعدم استيعابهم وتشربهم للتربية، ثم ثالثا لعدم وصولهم إلى مقام الاحسان، فالعوز التربوي واضح لدى أغلب أمراء التنظيم مادام أن رجل التنظيم هو رجل المهام الادارية والتنفيذية فقط، مع ما يتخلل ذلك من كدر وتصادمات وصراعات داخلية وحسابات تنظيمية وأحيانا جرائم سياسية لا تجعله رجل تربية بامتياز، رجل التنظيم نفس بشرية حاضرة بكل نقائصها، وفاقد الشيء لا يعطيه [4].
وعلى العكس من ذلك تنجمع في المرشد المربي مقاليد التربية [5] لما له من معرفة ربانية وعلم بطريق السلوك وقدرة على معالجة النفوس البشرية معالجة تربوية غير المعالجة التنظيمية الادارية الحرفية الجافة الجارحة، المرشد رجل إنسان، والتنظيم آلة، المرشد يرى فيك الانسان بينما يرى فيك التنظيم مجرد رقم سياسي، المرشد يداوي الصاحب ويسلك به، بينما يراه التنظيم كتلة تنظيمية حركية أو كتلة انتخابية سياسية، ولذلك كان التنظيم الذي يباشر عملية التربية منفردا شيخا ميكانيكيا فاشلا، لاعبا في غير ميدانه، فلا يُتصور أن يُولد ولي لله على يد هياكل تنظيمية، وقد لاحظنا ذلك في مناسبات كثيرة، ونترك التجربة تؤكد ذلك للبيادق التي يلعب بها التنظيم، ستكتشف الخواء التربوي الجالسة عليه بعد حين.
إننا وبعد أن تجاوزنا مرحلة الصدمة صرنا نعذر التنظيم على اعتبارنا مجرد رقم، ذلك أن هذا الاخير منسجم مع ذاته بما أنه مجرد أداة للوصول إلى السلطة لا غير، هذا في أحسن الأحوال إذا حضرت النية الطيبة والوسائل الديمقراطية الداخلية من أجل إرساء العدل داخل الصف وخارجه، ولذلك لا غرابة أن يفشل التنظيم في إرساء التربية والسمو بها، إلا أن اللوم لا يقع على الآلة بل يقع علينا لما اعتقدنا طويلا أن المسؤول التنظيمي شخص مربي، المسؤول التنظيمي للأسف في ميدان التربية صفر على الشمال، في أحسن الأحوال هراوة تنزل وفي أسوأ الاحوال سيف يذبح، التربية الوحيدة التي يزرعها التنظيم هي تربية الصبر وكتمان الغيظ وتحمل ظلم المسؤول وعجرفته.
لا فعالية تربوية للتنظيم إذن، ولا قدرة للتنظيم على تربية الرجال والسلوك بهم طريق المعرفة الربانية بالمفهوم الايماني السلوكي النبوي، اللهم التربية بمفهوم التنمية البشرية وتنمية القدرات التنظيمية والتأطيرية لدى الافراد وتدريبهم على ملكات التسيير، ربما نضيف تنمية القدرات الفكرية والعلمية لو توافرت عناصر ذلك في التنظيمات القوية، أما غير ذلك من التنظيمات البسيطة فهي الخراب العلمي والفكري والتربوي، ذلك أنها تركز على إنهاك الفرد واستنزاف رحيق شبابه واستنفاذ قدراته الفكرية والجسمية والمالية ثم ترميه جانبا لأتفه سبب لتبحث عن دماء جديدة تشربها، ثم تسمع آهات الموت على جنبات التنظيم وأحيانا تحس بالموت الصامت يلتهم السابقين بإحسان واحدا واحدا.
لا فعالية للتنظيم في ميدان التربية، نقولها بصراحة، وقد رأينا قامات تنظيمية بعد أن شاب رأسها في أقبية التنظيم فوجدناها في قاع حضيض التربية، لم ينفعها مركزها التنظيمي في الرقي بتربيتها الايمانية، ولم تنفعها سنوات الرئاسة والامارة في التنظيم في الارتفاع عن حظوظ النفس، بل وجدناها في أحيان كثيرة تنزل إلى حضيض الشياطين من الحقارة والمكر والخسة وقتل الأرواح المؤمنة والتآمر على الرجال الطيبين لتصفيتهم ماديا ومعنويا، بل ولربما وجدنا أفرادا على هامش التنظيم ممن يستفيدون من الدورات التربوية على بساطتهم وعلى بساطتها أكثر أخلاقا وتدينا وتربية من بعض المسؤولين التنظيميين الذين تتعوذ بالله منهم حين ترى جهنم في وجوههم المكفهرة وقلوبهم الحقودة.
مأساة كبيرة أن توكل التربية إلى التنظيم، فإذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة [6]، جهود التنظيم التنطعية في الميدان التربوي لا تؤتي أكلها إطلاقا، فقط الدائرة التي تحوم حول المرشد والدوائر الفرعية التي تحوم حول هذه الدائرة هي المؤهلة دائما إلى بلوغ المكانة التربوية السامقة ونيل الفتح التربوي لما لها من قرب حسي من المرشد، نضيف إليهم الأويسيون، المحبون من بعيد، لكن هذه الدائرة المركزية تكون معرضة للشيطنة الكبرى إن هي زاغت قيد شعرة عن خط الصحبة اللاحب، حسنات الأبرار سيئات المقربين، والقُرب إما فتح أو شيطنة، الفتح للصادقين المتأدبين، والخسران الاعظم للاهين في باب الله.
يستطيع التنظيم إذن أن يساهم في العملية التربوية بفعالية إن هو عرف قدره، فكان آلة طيعة في يد الرجل المربي، كما يستطيع أن يدمر التربية نهائيا إن هو جعل من نفسه شيخا، وأغلب الظن أن التنظيم شيء مارق، ذلك أن النفوس التي تسهر عليه نفوس أموية تطمح دائما إلى السيطرة، ولذلك وفي غياب الشيخ القوي تترامى هذه الهياكل إلى التربية لمصادرتها وتسخيرها في العملية التنظيمية السياسية بعيدا كل البعد عن الغايات التربوية الحقيقية، فتضيع التربية المسكينة بين أرجل ذئاب التنظيم وثعالب السياسة.
إنه لابد من تركيع التنظيم أمام المربي ورجال التربية، حتى يكون للتنظيم فاعلية تربوية.
📌 الهوامش
- [1] نعني بالتربية تربية الإيمان في القلب.
- [2] قال ابن القيم رحمه الله: «إن العارف صاحب ضياء الكشف أوسع بِطانا وقلبا، وأعظم إطلاقا بلا شك من صاحب العلم. ونسبته إليه كنسبة صاحب العلم إلى الجاهل. فكما أن العالم أوسعُ بِطانا من الجاهل، وله إطلاق بحسب علمه، فالعارف بما معه من روح العلم وضياء الكشف ونوره هو أكثر إطلاقا، وأوسع بِطانا من صاحب العلم». مدارج السالكين، ج 2، ص: 420.
- [3] عليكم بنا، صحبتنا تَرياقٌ مُجَرَّبٌ، والبعد عنا سم قاتل. (الإمام أحمد الرفاعي، البرهان المؤيد، ص43)
- [4] " إن صحبة الناقص الدخيل في الطريق المتطفِّلِ المحتَرف وَبَالٌ من أصلها." الاحسان، ج2، 417
- [5] " هناك تنظيم وهناك تربية، تتسع لديها السبل للجمع بين وظيفتين فلا تجد إلاّ أن يخضع الظاهر للباطن، أن يتبع التنظيم التربية، أن تكون الدعوة أميرة على الإدارة. ." عبد السلام يس، الاحسان،ج1، ص212.
- [6] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل كيف إضاعتها يا رسول الله، قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". فتح الباري ص341.
اترك تعليقاً