📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 61 من 77 — فهرس الكتاب
يشمئز المسؤول التنظيمي من كلمة أخوة، ومن كلمة التنظيم الاخوي، سقفه هو التنظيم، فلا يتجاوزه بما ان التنظيم سهل حاد و صارم، والشدة سهلة على النفوس الشحيحة والصرامة سهلة على القلوب القاسية، مجرد قسوة في القلب تظهر صفحة وجهها قسوة تنظيمية، بينما الأخوة مطر وغيث وخير ورحمات ربانية يصعب احتواؤها وتفريقها على المحيط، فيض يفيض من قلب انفتح وفاض رحمة، الأخوة بذل والتنظيم أخذ، الأخذ سهل والعطاء صعب، ولذلك يصعب أن تجد التنظيم أخويا، فهو يجنح دائما إلى امتصاص الدماء وأخذ الاموال وخلق العداوة والتكشير عن أنياب الانتقام عند الاختلاف.
الأخوة اندماج مشاعر، اتحاد مصير، حمل هموم، تشارك جيب، تزاوج أرواح، وحدة هدف، بينما التنظيم مسؤوليات ومهام وحساب وعقاب وغنازر واحتقار وتراتبية سلطوية و تجباد وذنين ومصالح رئاسية واختراقات خارجية ومعارك داخلية ولوبيات موجهة وتموقعات تنظيمية وقضاء حاجات، وفوق ذلك كله لعب بالدين؟
التنظيم خلطة مُقززة من المصالح والمسؤوليات والسلط والخطط والحروب، ولذلك يصعب أن تجد الأخوة مكانا لها وسط هذا الكم الكثيف من النجاسات المقرفة، لكننا ورغم ذلك نقول أن التنظيم ضرورة جهادية لتحقيق العدل على هذه الارض الملعونة الملعون ما فيها عدا ذكر الله، هذا هو الواقع، ويبقى الأمل والغاية هو بناء تنظيم أخوي، بمعنى أن يلتقي التنظيم والأخوة، فتجتمع في الصف معاني الضبط والانضباط والعدل والحق من جهة ثم معاني الأخوة والبذل والعطاء والاحتضان والرحمة من جهة أخرى كما اجتمعت في الرعيل الأول من الصحابة، وهو أمر مُستبعد، لأن البشارة تقول أن الخير القادم فيه دخن، بمعنى أنه لن يكون مائة بالمائة كالخير الأول.
الرعيل الثاني من إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يحيون الخلافة النبوية آخر الزمن فيهم خير كثير، لكنه خير فيه دخن كما جاء في الحديث، خليط من المعروف والمنكر، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: " كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم"، قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دخن"، قلت: وما دخنه يا رسول الله؟ قال: "قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتُنكر"، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها"، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا"، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك". [1]
واضح أن الدخن حاصل في الخير الذي بعد خير رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير الصحابة، خير يختلط فيه المنكر والمعروف، ومع ذلك فقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة، ولزوم إمام الجماعة، فإذا اختفت الجماعة وانتفى الامام فلزوم البيت أكيس، فلا خير في واقع ليس فيه جماعة ولا إمام، وقد يحدث أن يموت الامام وتبقى الجماعة، فهل نعض على الشجرة أم نعض على الجماعة التي بدون إمام أم نعض على ايدينا لما عجزت النساء أن تلد إماما، ليس لدي إجابة واضحة لأن حذيفة بن اليمان رضي الله لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الحالة، لكن أغلب الظن أن التقدير يبقى من حق السائل، فإذا كانت الجماعة على خطى الامام وكانه حاضر فلزومها واجب، أما إذا كانت الجماعة مجرد فرقة من الفرق لا إمام لها يأخذ بناصيتها فهي جماعة من أجل الجماعة، فلزوم البيت أفضل من الدخول في فتنة الفرق والجماعات التي تشتت وتفرق وتدمر وتحرق الاخضر واليابس.
بيت القصيد عندنا أن الدخن في الخير الثاني لا شك فيه، ولو في حضور الامام والجماعة، فالمنكر حاضر والمعروف أيضا، وهذا هو اجتماع الأخوة والتنظيم، فالتنظيم بجرائمه منكر والأخوة برحمتها معروف، يختلطان في جسم الجماعة، لكن مجرد اجتماعهما حد أدنى للبقاء مع الجماعة، ولا يحق مغادرة الجماعة الا إذا انتفت الأخوة، فالعض على الشجرة حينها أولى من جماعة بلا أخوة، علما أنها بلا إمام، ومجرد جماعة بلا إمام مثار للشك حول مدار أحقيتها في اجتماع الناس عليها.
إن حديثنا عن التنظيم الأخوي ليس معناه فقط أخوة الحنان والاحتضان والمساعدة والدعاء والاهتمام والتداعي لمصاب الأخ بالسهر والحمى، بل معناه أيضا الارتباط بالذات المحمدية، فالأخوة فيما تعنيه رابطة الوصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وهذا هو عمق الأخوة ومعناها الحقيقي، أي سُنية التنظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة يوما فقال: "السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ودِدْت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أوَلسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد". [2]
وفي سورة الحشر يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.
إذن الإخوة رابطة بين سابق ولاحق، تشبه وتشابه وارتباط واستمرار وتكامل ومحبة واتباع وليس مجرد مجاملات في المجالس، الأخوة تشبه بالرعيل الأول من الصحابة الكرام واقتداء بالنبي الكريم، ومن بين السنن النبوية الرفق بالمؤمنين واحتضانهم وفداؤهم وخدمتهم وتعظيمهم وتوقيرهم وحفظ أسرارهم والمشي بين أيديهم بالمحبة والتعظيم والأدب، هذه هي الأخوة التي نرجو أن يتبناها التنظيم ويلفظ ما تبناه من ميكيافيلية نجسة اقتداء بسلاطين القرون الوسطى.
قبل الاسترسال في الحديث عن جدلية التنظيم والأخوة أجد نفسي مضطرا للرجوع للحديث عن مفهوم الجماعة، فإذا كان الفهم يمشي اتجاه جماعة العدل والاحسان أو جماعة الدعوة والتبليغ أو حركة الاصلاح والتجديد أو جماعة الدعوة والرحمة أو جماعة الحب والسلام فإن الفهم خاطئ، فالجماعة حاشا أن يحصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تنظيم معين والخير نراه كثيرا في شتى بقاع المسلمين، خيرات كثيرة من الجماعات المتناثرة هنا وهناك ممن تعمل على رفعة الاسلام والمسلمين، فهل نخرج كل هؤلاء من الجماعة لنحصر الجماعة في فلان وعلان وقبان، حاشا أن نضيق ما وسعه رسول الله، وحاشا أن نبخس الناس أشياءهم ونقدس خيرا عشناه ووجدناه منقوصا، فالخير عميم في جماعة الأمة وليس محصورا في تنظيم معين.
القرآن الكريم مليء بمعاني الأخوة والسنة النبوية كذلك، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ [3]. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حق المسلم على المسلم ست، قيل وما هن يا رسول الله، قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه [4]".
إصلاح بين وبشاشة وجه وابتسامة ثغر ومحبة قلب وانشراح صدر وإجابة دعوة وتواضع وخفض جناح ونصيحة وشد إزر عند المرض أو الجرح واتباع جنازة يوم الموت مع الدعاء والترحم وإهداء الخير، هذه بعض معاني الأخوة التي يجب أن يتعلمها التنظيم الاسلامي، وكلها تدور حول إطفاء العداوة وبث روح الإخاء قال تعالى: " ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [5].
ومن الأخوة كذلك حسن الظن وعدم التجسس وكف اللسان بالغيبة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ الحجرات: 12. وهو ما يفسره الحديث الشريف: " لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه". [6]
عباد الله إخوانا [7].
ترى هل يتناقض التنظيم الجهادي مع معاني الأخوة، لا طبعا، فلماذا لا نجد أخوة داخل التنظيم، لم لا نجد محبة وشد أزر داخل التنظيم، لم يبدو المسؤول التنظيمي كالأفعى تطل برأسها لا لشيء إلا لتخدم التنظيم أو تلدغ كل مخالف للتنظيم، لم نجد داخل التنظيم الكيد والمكر والتنازع على الرئاسات والفصل والنميمة والتجسس والغيبة والتباغض والاحتقار والحسد والبيع والشراء في ذمم المؤمنين، إنني لا أعمم فهناك إخوان يعيشون هذه الأخوة في خوف من التنظيم أن يفتنهم، وإن التنظيم لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين، لكن الغالب أن التنظيم يضع جواسيسه على الإخوان المحبين الذاكرين، بينما يطلق العنان للفاسدين والغافلين الذين لا خوف منهم، تناقضات تنظيم يدعي أنه إسلامي.
في آخر كلامنا عن التنظيم والأخوة نتساءل كيف يمكن أن يكون التنظيم أخويا، وما هي الوسائل التي يمكن أن ينتهجها لتحقيق ذلك، قبل ذلك نؤكد على أن التنظيم يحتاج إلى إرادة سياسية عازمة على أخونة التنظيم "الاخواني"، ودون هذه الارادة لا يمكن الحديث عن أخوة تنظيمية، فقط بعد الارادة التنظيمية العليا يمكن تفعيل هذه الارادة عن طريق برامج وقوانين داخلية تقوم بتنزيل الارادة العليا على الهياكل التنظيمية الأخرى، وأول خطوة أساسية من أجل ذلك هو تهشيم رؤوس القيادات التنظيمية المتفرعنة، فالفرعنة لا يمكن أن تتعايش مع الأخوة، فقط عندما يموت الفرعون التنظيمي تحيى الأخوة وتنبت من جديد وتزهر وتأتي أكلها.
بعد ذلك تأتي البرامج الايمانية والفسحات التربوية ومجالس الذكر ومحاضن التحاب في الله لترسخ معاني الأخوة في الله والتزاور والمواساة والعمل الدعوي الذي تتخلله روابط الذوبان في بوتقة المحبة ولا تسوده أوامر القيادة ومرارة حديثها المتكبر عن الضبط تحت ذريعة أن الدعوة لا تقوم إلا بتنظيم محكم يحتقر ويأمر وينهى.
📌 الهوامش
- [1] أخرجه البخاري ومسلم
- [2] أخرجه الشيخان وغيرهما
- [3] الحجرات: 10
- [4] رَوَاهُ مُسْلِمٌ
- [5] آل عمران: 103
- [6] رواه مسلم
- [7] " معاذ الله أن يكون قصدُنا استبدال جَوْر بجوْر، وظلم بظلم، وإكراه بإكراه! الأمة لن تحيى حياة الكرامة الآدمية ما لم يكن أمرها شورى بينها، بحرية يلزم أن تتعلم حسنَ استعمالها بحضور جند الله جماعة موحدة أو جماعات متعاونة، وأن تتعلم إدارتها، وأن تتعلم حرفَها ومعناها ونحوها وصرفها." الاحسان، ج1، ص473
اترك تعليقاً