فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الشرعية التاريخية وعقبة التجديد

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 68 من 77 — فهرس الكتاب

كيف يمكن تصور قيادة تاريخية ساهمت في وقت ما في بناء تنظيم إسلامي ثم اصبحت عقبة لنفس التنظيم؟ ألا يعتبر تجاوزها نكرانا لفضلها؟ إذن كيف يمكن التوفيق بين الوفاء للقيادة التاريخية وبين ضرورة التجديد؟ سنحاول أن نناقش في هذا المحور دور الشرعية التاريخية في ترسيخ التنظيم ثم إمكانية تحولها إلى عقبة يصعب تجاوزها وأخيرا مناقشة إشكالية عويصة تطرحها الشرعية الجغرافية المستحدثة.

كان يا مكان في قديم الزمان نظام سياسي دكتاتوري ظالم، يحكم بغير ما أنزل الله، يظلم الناس، يسرق رغيفهم، يقتل رجالهم ويستحيي نساءهم ويُفسد أطفالهم، فاجتمع بعض المؤمنين بدعوة من شيخ مبارك على مائدة الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى تغيير النظام الظالم بنظام عادل، خططوا ونظموا وصدعوا بالحق، اجتمع خلق غفير مؤمن بالقضية حول هذه الطليعة المجاهدة، اعتقل النظام الجائر بعضها واغتال البعض الآخر، تحايلت العصابة المؤمنة على النظام الدكتاتوري وشقت طريقها بالسياسة والحكمة حتى وقف التنظيم على قدمي رجاله وأجهزته، مد تنظيمي وجزر سياسي انتهى بتأسيس تنظيم إسلامي يصعب اختزاله من المعادلة السياسية الواقعة، وفي خضم السجال السياسي والفكري لم يتم الانقلاب على النظام السياسي الجائر الذي تنازل قليلا عن بعض مكتسباته وغير من ألوان جلدته السياسية غير ما مرة، وفي الجهة الأخرى تأسست لنا قيادة تاريخية للتنظيم، لا يمكن لأحد أن يلغي فضلها اعترافا بالسابقة، وفي آن واحد يريد الجيل الجديد إكمال المسير واقتلاع النظام الذي من أجل تتبيره قام الشيخ المبارك أول مرة، الجيل الجديد وجد عقبتين، ثعلبين عجوزين، العقبة الكلاسيكية وهي النظام الحاكم الذي راكم الكثير من أساليب التحايل السياسي وعقبة جديدة وهي القيادة التاريخية للتنظيم التي راكمت أيضا كثيرا من تجارب المكر والخداع، تنين برأسين، فكيف سيتعامل الشباب الطارئ على الساحة مع الذئب الحاكم والثعلب المتربص؟ وكيف سيفلت من هذه المعضلة؟

الانظمة الدكتاتورية تحمل دائما في وجه الشباب مصحف الاستقرار وإنجيل التنمية، بينما تحمل الشرعية التاريخية الجاثمة على رأس التنظيم مصحف التضحيات القديمة وزابور التربية المحتكرة، وإذا كان الذئب والثعلب لهما بعض الحق في طرحهما، إلا أن كلاهما يضع على الطاولة طرحا منقوصا، كلاهما يختزل القضية في رؤية أحادية محاولا الحفاظ على مكاسبه المادية والمعنوية، والطرح المنقوص اغتيال صامت للقضية، تصفية للآمال بطريقة ماكرة، وهنا بالضبط تصبح الشرعية التاريخية التي تأسست عبر تاريخ طويل من السيطرة على التنظيم وتوجيه الرأي العام الداخلي بكل حرية ومصادرة حق التعبير عن الرأي وتشكيل مختلف الاجهزة الساهرة على سير المؤسسات عقبة كأداء أمام تجديد دماء التنظيم، فيختنق جسم الجماعة، وتموت بعض أعضائه الحيوية، ويتكلس المسؤول الخاتر في عروق التنظيم مسببا آلاما وتشنجات وصداعا في رأس الجماعة.

كيف نجعل إذن من الشرعية التاريخية قيمة مضافة لا غصة في حلق المشروع، كيف نقنعها أن الدين لله والدعوة دعوة الله، كيف نفهمها أن تخليها عن السلطة بعد عمر طويل من المسؤولية هو عين الحكمة، كيف نقنعها أن الله خلقها وخلق غيرها ولن تسقط سماء الدعوة إذا غابت حكمتها، كيف نجعلها تتنحى عن مركز القرار وتتفرغ للإرشاد والتحفيز والدعوة من على منبر النموذج الناجح [1] دون كسر استقرار الجماعة انتقاما لتنحيتها، كيف نجعل من المسؤول الذي شاخ في التنظيم مرشدا تنظيميا ومحتضنا تربويا يقصده كل تائه في طريق الله، معلما تتعلم منه الاجيال الحالية واللاحقة معاني الصبر ونكران الذات وتقديم الاجمل والركون في زاوية التأمل والتفكر والنصح الجميل بعد استنفاذ الفرصة.

إنه لكل زمن رجاله الذين يفهمونه ويحسنون التعامل معه، والقيادة التاريخية عندما يتأخر خروجها من المشهد تسبب كوارث تنظيمية، وقد حضرت على قيادات تاريخية في بعض المسؤوليات التنظيمية لم تتخلى عن المسؤولية حتى خربت كل شيء وحطمت كل ما شيء ثم جاءها التكريم وحفل الشاي لتخرج خروجا مشرفا، لقد سيطرت الثعالب العجوزة على التنظيم حتى قتلت خيرة أبنائه وشلت مفاصل كل مؤسساته، بقيت في المسؤولية حتى فاحت رائحة العفن من التنظيم وفسدت قلوب الاخوان وقتل بعضهم بعضا نميمة وبغضا وتراشقا بالدعاء، بقيت القيادة التاريخية متشبثة بالسلطة حتى فسد كل شيء وهي تظن وربما عن حسن نية أن الله لم يخلق غيرها.

لقد مارست القيادة التاريخية الوصاية على الدعوة وكأن الله لم يخلق رجالا يفهمون إلاها، وقد كنت أرمق هذا المشهد البشع من احتكار الفهم وحواليه كبرياء تنظيمي وثقافي كبير كان يمارس على كل شاب طموح محاولا طمس هويته وشخصيته وحقه في التعبير والاقتراح، حتى إذا جاءت توصيات عليا بترسيخ المشاركة والتشارك تماشيا بالتوصيات الدولية الصادرة عن الجمعيات الدولية أتى المسؤول المتعفن في مسؤوليته التنظيمية يلعب بالمصطلحات يريد أن يضحك على الناس بكلام فارغ مفاده التشارك والمشاركة، منظر كئيب ذاك الذي يُصور الواقع على غير حقيقته ويرمي بالمصطلحات جزافا ذرا للرماد في العيون بينما يشهد الواقع على حجم الانغراس الشخصي في المسؤولية، لكأننا نمثل في مسرحية مكشوفة أو نضحك على بعضنا البعض في حفلة تنكرية نعرف وجوه جميع من تحت أقنعتها.

إن التجديد في التنظيم هو مسألة مصيرية، وضرورة عملية لا غنى عنها، وبدونها يموت التنظيم وتخرب أخلاق أعضائه، يفشل الزحف ويتشتت الجمع ويولون الدبر، والتجديد مفهوم واسع يكاد يطال جميع المؤسسات الفكرية والسياسية والدينية، فهو سائر مع الزمن حيث سار، دون الغفلة عن الشريعة، فبالنسبة للنظرة الدينية هو تجديد الدين وتنزيله على واقع الناس بما استجد لديهم من مستجدات دون مخالفة الأصول، ويقوم بذلك كل مائة سنة رجل أو رجال يبعثهم الله لهذه الأمة ليجددوا لها دينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: " إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يُجدِّدُ لها دينَها " [2]، والمجدد هنا إما أن يجدد الدين كله ابتداء بالنوازل الفقهية فيفتي فيها بما استجد في حياة الناس، وانتهاء بتجديد الشعلة الايمانية في قلوب الناس حاديا بهم إلى طلب وجه الله، أو يكتفي بإحياء الرحمة في القلوب بعد قسوتها ونشر الأخلاق الحميدة.

التجديد السياسي خارج عن نطاق الحديث الذي يتحدث عن تجديد الدين بما أن التجديد السياسي قد يقوم به غير الرجل المتدين ولي الله، التجديد السياسي لنظام الخلافة لا ندري هل سيقوم به رجل وحيد أم جماعة من الرجال تتكلف بالمهمة، لكن أغلب الظن أن تجديد النظام السياسي الاسلامي متمثلا في الخلافة الراشدة لن يستطيع القيام به سوى جماعة كبيرة من الرجال المؤمنين بالله وبالقضية، ذلك أن التحديات الكبيرة التي تواجه هذا التجديد يستحيل أن يجتازها فرد واحد ولو كان "سوبر مان" زمانه، ذلك أن التجديد السياسي الاسلامي ينطوي في حقيقته على تجديدين، تجديد ديني وتجديد دنيوي، وكلا التجديدين كالطود العظيم، التجديد الديني يحتاج رجلا كامل الولاية، والتجديد السياسي يحتاج رجلا ذا حنكة سياسية قل نظيرها، وقد يحتاج كلا التجديدين رجالا أشداء أقوياء أمناء لا يخشون اقتحام عقبات النفوس وعقبات الشيطان وعقبات التكتلات البشرية التي تدافع عن مصالحها في هذا الكوكب المبتلى.

التجديد مفهوم كبير لا نستطيع الاحاطة به في هذا المقام، لكننا نحاول أن نتحدث عن التجديد بالمفهوم الضيق وهو التجديد التنظيمي الداخلي بالمفهوم الحديث الذي يعني تجديد الدماء وهو يختلف قليلا عن التجديد الديني الذي يعني إزالة الغبار عن الدين والرجوع به إلى أصله النبوي الصافي، هذا التجديد التربوي الأصيل يقوم به من ارتبط بالمعين النبوي من أولياء الله المجددين الذين يحيون الرسالة، أما التجديد التنظيمي فتضطلع به الهياكل التنظيمية المبنية على أسس الشورى.

التجديد التنظيمي أول ما يتطلبه هو تغيير طريقة التفكير وتجديد طريقة العمل واستبدال القائمين على التنظيم كل حين، لقد خلق الله عقولا كثيرة وأدمغة متعددة وقلوبا متوالدة، والتنظيم السوي هو الذي يضع آليات قانونية تضمن تداول السلطة بسلاسة من جيل إلى جيل دون وصاية فرد أو جهاز، التنظيم الجيد هو الذي يبتكر آليات للتجديد التلقائي للمؤسسات دون السقوط في فوضى الانقلابات وفخ الحرب الاهلية والعمل الهامشي، أي نعم تجديد تلقائي عبر قوانين ومؤسسات ساهرة على تطبيق القانون حتى لا يُـفتن الناس في دينهم ودنياهم ببقاء كتلة جاثمة على الصدور وأفكار متجاوزة متكلسة في العقول.

التجديد في الاشخاص والهياكل ضرورة حتمية، ولا ينكر ذلك إلا طاغوت متجبر أو إمعة صاغر.

المؤسسات السياسية داخل التنظيم تحتاج إلى تجديد أيضا، سواء في البرامج والمؤسسات والمناهج أو في الاشخاص، ذلك أنه منوط بهذه المؤسسات على ضعفها المالي والواقعي إحداث تجديد سياسي في بلاد المسلمين والرجوع بهم من نظام العض إلى نظام الشورى التي بتحققها يتجدد الايمان في القلوب تحصيل حاصل بعدما يكون الخبز قد استقر في البطون والعلم قد ترسخ في العقول، وإذا كان مصطلح الخلافة يخيف العالم الحر فلنتحدث عن نظام ديمقراطي انتخابي جميل يُنتخب فيه حاكم يُنصت فيه إلى تطلعات الشعب، ثم نحاسب بعد ذلك المسؤول على كيفية إدارته للدولة خلال مدة حكمه، لعل هذا التجديد السياسي في مؤسسة الحكم ستكون له انعكاسات طيبة على مستوى الدين والدنيا، فأن تهش على الناس بدولة في يدك خير من أن تهش عليهم بالكلام الديني.

إننا نتساءل، إذا كان النظام السياسي بأكمله قابلا للتجديد وكان هذا التجديد المطلوب يطال حتى رأس الدولة، فكيف لا يقبل التنظيم الاسلامي تجديد مؤسساته ومسؤوليه وقوانينه الداخلية التي تسيطر عليها قيادته التاريخية، كيف لا يقبل تنظيم قزم صغير أن يُجدد في ترسانته المؤسساتية والقانونية ويغير من قياداته الجاثمة على صدور المؤمنين عقودا طويلة ثم يطالب بكل صفاقة وجهٍ صباح مساء الانظمة السياسية الحاكمة بتجديد هياكلها وقوانينها السياسية القائمة.

لنقلها بصراحة، إن التجديد يجب أن ينطلق من داخل التنظيم، إن الله لا يغير ما بتنظيم حتى يغير ما بمؤسساته وأشخاصه.


📌 الهوامش

  1. [1] يصف الواقدي تحركات الرسول صلى الله عليه وسلم بجيشه نحو حُنين حيث ينقل قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ألا فارس يحرسنا الليلة؟ إذ أقبل أنيس بن أبي مرثد الغنوي على فرسه فقال: أنا ذا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: " انطلق حتى تقف على جبل كذا وكذا فلا تنزلن إلا مصلياً أو قاضي حاجة، ولا تغرن من خلفك ". قال: فبتنا حتى أضاء الفجر وحضرنا الصلاة فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أأحسستم فارسكم الليلة؟ ". قلنا لا والله، فأقيمت الصلاة فصلى بنا، فلما سلّم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر خلال الشجر، فقال: " أبشروا جاء فارسكم " وعندئذ جاء الفارس وقال: يا رسول الله إني وقفت على الجبل كما أمرتني فلم أنزل عن فرسي إلا مصلياً أو قاضي حاجة حتى أصبحت، فلم أحس أحداً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انطلق فانزل عن فرسك وأقبل علينا، فقال: ما عليه أن يعمل بعد هذا عملاً". لاحظ معي كيف كان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الأداء أنه كان دائما ما يعمد إلى التخيير وبث روح المنافسة بين فريق عمله: ألا فارس يحرسنا الليلة؟ كما أنه استقبل حديث أنيس وهو يتحدث عن دوره وإجادته في تنفيذ المهمة بنفس طيبة فلم يتهمه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعرض موقفه بنقص في إخلاصه لا سيما وأنه يدلي بهذا الحديث أمام جمع من صحابته ثم يبادر النبي بتشجيعه وتحفيزه بقوله " ما عليه أن يعمل بعد هذا عملا". نفس الامر فعله رسول الله مع أبي بكر وعمر حين أتقن فن التحفيز والتشجيع من خلال الأوصاف المتميزة التي خلعها عليهم كما ذكر محمد أحمد عبد الجواد في كتابه أسرار التميز الإداري والمهـاري في حياة الرسول.
  2. [2] صحيح أبي داوود، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية