فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

اندثار مشروع

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 73 من 77 — فهرس الكتاب

هل اندثر المشروع الاسلامي؟ لا أظن ذلك، إنما هي أمراض قابلة للعلاج رغم أن الكثير يكاد يجزم باندثار المشروع ككل، صحيح أن التنظيم الاسلامي يقترب من إجهاض المشروع الاسلامي، وصحيح أن هذا التنظيم المشؤوم قد أبان عن غدر كبير وطريقة ماكرة مكيافيلية خبيثة في التعاطي مع أحلام الناس في مجتمع فاضل ودولة راشدة، إلا شيئا ما يجعلني أجزم أن الوليد الاسلامي لا يموت أبدا، إنه لا يسقط رغم علامات الاجهاض الكثيرة، ربما لأن قوى ما وراء الطبيعة تحميه وربما لأن الدين أمر يختلط بضمير الأمة ولا سبيل إلى السلطة إلا من باب الدين، فإذا اندثر مشروع اسلامي قام مشروع آخر.

ولذلك فإن قصدنا باندثار المشروع هو اندثار مشروع معين قام على الاحسان فإذا به ينقلب إلى الميكيافيلية والاستبداد، مشروع معين انحرف عن جادته التي أعلنها المؤسسون الصالحون بعدما أمسكت بدفة التنظيم عناصر مهووسة بالسلطة والنفوذ، هذه العناصر الفاسدة هي التي سببت انهيار التنظيم من داخله بقتلها للمحبة واعتبارها خرافة صوفية، وهي التي تؤذن اليوم بانهيار المشروع التربوي والفكري والسياسي للجماعة بعد نهجها أساليب الفصل والتهميش والارغام على الاستقالة والتلوي على المسؤولية.

كنت بالأمس القريب لا أتصور اندثار مشروع بناه رجال صالحون، لكن سنة الله تثبت لي كل مرة أنها لا تحابي أحدا، وهي لم تحابي التنظيم النبوي فكيف تحابي تنظيم من هو أقل بكثير من العزم والرشد النبوي، إن اندثار المشروع أمر وارد جدا بالنظر إلى نوعية المسؤولين الذين سيطروا على التنظيم الاسلامي، مسؤولون قمة في الحقارة والمكر والقسوة والإجرام التنظيمي والغدر السياسي، هذا الأمر يجزم به كل المغادرين لقطار التنظيم الاسلامي حيث يؤكد أغلبهم على حجم التعذيب النفسي والاذاية المادية التي تعرضوا لها داخل التنظيم.

والباحث في صفوف هؤلاء المغادرين طوعا أو المفصولين كرها يكتشف حجم الدمار النفسي الذي يعانون منه والخراب المعنوي الذي أصاب قلوبهم وأرواحهم، إنه لا أحد كان ينتظر أن يبين التنظيم عن هذا الحجم الكبير من الخسة والوضاعة، ذلك أن أغلب المصدومين من التنظيم الاسلامي كانوا ينظرون إليه حتى عهد قريب نظرة كلها تبجيل واحترام ويرونه بريق أمل في مستقبل مشرق للأمة.

الآن يكاد يجمع الكل على واقعية العمل الاسلامي وتماشيه مع المبادئ السياسية الميكيافيلية، لا أحد اليوم يملك تلك الجرأة ليصف التنظيم الاسلامي بنسخته المطابقة للمنهاج النبوي الذي سار عليه النبي الكريم وصحبه الكرام، الجميع يعتبر التيار الاسلامي تحت قيادة التنظيم الاسلامي مجرد مثال من باقي الحركات السياسية التي تنهش ما تبقى من مجتمعات منهكة، يقتنص الفرصة ليقفز إلى سدة الحكم ويتمتع مسؤولوه بالسيارات الفارهة والقصور الفخمة والأموال الطائلة.

لا معنى إذن لأي تنظيم إسلامي ما دام أن القصد هو السلطة والمال، ويبدو التلاعب بالدين والتربية والصحبة أمرا مقززا لا يفعله العلمانيون الذين يأتونك واضحين منذ البداية ويشعرونك بعدم رغبتهم في استغلال الدين ويناقشونك بكل واقعية سياسية بينما يختفي التنظيم الاسلامي خلف ستار الحب في الله والوصول إلى الله والأخوة في الله والعدل والاحسان حتى إذا أفنيت عمرك في الحب في الله فصلك من التنظيم لما رآك خطرا على مركزه التنظيمي ومصالحه المالية.

العلمانية في نظر التنظيم الاسلامي كفر بواح، والحقيقة أنه لا يقصي العلمانية من منطلق ديني بالعكس فالتنظيم الاسلامي لا دين له لكنه يفعل ذلك من منطلق سياسي إقصائي، يقصي التنظيم الاسلامي العلمانية بالدين ويقنع الناس بذلك حتى إذا حانت ساعة الانتخابات صوت الناس على اللحية والجلباب ظنا منهم أنها الاسلام وهربوا من العلمانية ظنا منهم أنها الكفر، هذا الاستغلال الدين لقضاء المآرب السياسية هو أحقر ما في التنظيم الاسلامي، وأنا أعلم جيدا أن مسؤولي التنظيم يكرهون الشريعة الاسلامية أكثر مما يكرهها العلمانيون.

إن المشروع الاسلامي تحت وصاية التنظيم الحالي مشروع آيل إلى الاندثار، ولا يبدو لي أي مفر للتنظيم سوى التحول إلى حزب سياسي منسجم مع قناعاته الاستبدادية التسلطية الشهوانية ليمارسها بكل وضوح كما يمارسها الساسة في كل مكان، وهذا الأمر في حد ذاته اندثار لمشروع كان من المفروض أنه يحمل رحمة الشريعة الاسلامية إلى الناس، إلا أنه اندثار جزئي، حيث يبقى المشروع السياسي قائما بينما يندثر المشروع التربوي أو ينزوي أو ينشق.

مؤسف جدا أن يندثر مشروع كنا نعلق عليه آمالا كبيرة، لكنها إرادة التنظيم وحكمة الله، وهي رسالة إلى الاجيال المقبلة كي لا تنخدع بالدين وتبني تنظيماتها على الحب والعقل والحكمة والحكامة والحق.


شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية