فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الركن المعنوي

📖 الجنائي العام — الفصل 6 من 11 — فهرس الكتاب

مدخل

لا يكفي لتقرير المسؤولية الجنائية أن يصدر عن الجاني سلوك إجرامي ذو مظهر مادي، بل لابد من توافر ركن معنوي الذي هو عبارة عن نية داخلية أو باطنية يضمرها الجاني في نفسه، و يتخذ الركن المعنوي إحدى صورتين أساسيتين : إمّا صورة الخطأ العمدي : أي القصد الجنائي، و إمّا صورة الخطأ غير العمدي : أي الإهمال أو عدم الحيطة.

والمشرع المغربي في الفصل 133 قد أخذ بالتصور الثنائي حينما قال: ” الجنايات والجنح لا يعاقب عليها إلا إذا ارتكبت عمدا. إلا أن الجنح التي ترتكب خطأ يعاقب عليها بصفة استثنائية في الحالات الخاصة التي ينص عليها القانون. أما المخالفات فيعاقب عليها حتى ولو ارتكبت خطأ، فيما عدا الحالات التي يستلزم فيها القانون صراحة قصد الإضرار.”

القصد الجنائي

هو القوة النفسية التي تقف وراء النشاط الاجرامي، بعبارة أخرى هو توجيه الإرادة إلى تحقيق واقعية إجرامية معينة مع العلم بحقيقة تلك الواقعة وبأن القانون يجرمها، ولتحقيق هذا القصد الجنائي لا بد من توافر شرطين أساسين:

أولا : توجيه الجاني لإرادته إلى تنفيذ الواقعة الإجرامية

إذا لم يعتمد الجاني تنفيذ الواقعة المكونة للجريمة لا يتوفر القصد الجنائي، كمن يسوق سيارته بسرعة مفرطة مخالفا بذلك قانون السير فيصدم أحد المارة ويرديه قتيلا، هنا لا يتوافر القصد الجنائي كقاتل عمد لأنه لم يوجه إرادته إلى تحصيل النتيجة التي هي إزهاق روح أحد المارة، بينما التصميم على القتل عن طريق التربص وإطلاق النار يعتبر قصدا جنائيا، فنميز إذن بين الجرائم العمدية والجرائم غير العمدية.

ثانيا : العلم بحقيقة الواقعة الإجرامية من حيث الواقع

يتوجب على الجاني أن يكون عالما بتلك الواقعة تمام العلم ومحيطا بها إحاطة تامة، وينتفي العلم بالواقعة الإجرامية كما عرفها القانون بالجهل أو الغلط، ويقصد بجهل واقعة ما انعدام العلم بحقيقتها كالجهل بأن القانون الجنائي يجرم فعلا، وكجهل الموثق الذي يتلقى معلومات غير صحيحة من المتعاقدين فيكتبها وهو يجهل زوريتها فلا يؤاخذ بجريمة التزوير، أما الغلط فيعني فهم الواقعة القانونية على نحو مخالف لحقيقتها، ومثال الغلط أن يأخذ أحد المسافرين في القطار حقيبة عائدة لشخص أخر معتقدا أنها له، فلا يعد سارقا لوقوعه في غلط جوهري في صفة الحقيبة وهو غلط في الواقع.

أنواع القصد الجنائي

القصد العام والقصد الخاص، القصد المباشر والقصد غير المباشر، القصد الفجائي والقصد مع سبق الاصرار

أولا : القصد الجنائي العام والقصد الجنائي الخاص

القصد الجنائي العام يقصد به توجه الجاني إرادته نحو تحقيق الواقعة المكونة للجريمة مع إحاطته بعناصرها كما حددها القانون الجنائي، لكن بدون تخصيص لعنصري العلم والارادة الواجبة لقيامه بباعث معين أو غاية مضمرة، فمثلا في جرائم الايذاء العمد من ضرب وجرح وشهادة زور يكفي أن يأتي الجاني للنشاط عن علم وإرادة ليقوم قصده الجنائي، دونما أن يكون مدفوعا بباعث، لأن المشرع لا يتطلب أكثر من هذا الوضع، ويترتب على ذلك أنه لا يتصور قيام جريمة عمدية دون توافر قصد جنائي عام لدى الجاني لا فرق بين الجناية والجنحة والمخالفة.

أما في القصد الجنائي الخاص فلاشك ان الجاني يتأثر بعوامل مختلفة كالحاجة واللذة والانتقام والطمع، هذه العوامل تولد لديه حالات انفعالية تكون محركا للنشاط الاجرامي لديه الذي يكون كامنا لكنه يندفع تحت تأثيرها إلى ارتكاب الجريمة بهدف تحصيل النتيجة التي يعتقد بأنها تشبع رغبته.

فهناك جرائم تتطلب قصدا جنائيا خاصا إلى جانب القصد الجنائي العام، ففي جريمة التزوير مثلا يكون كافيا لتحققها قيام الفاعل بتغيير الحقيقة في الورقة على اعتبار أن قيام الجاني بذلك عن علم وإرادة يتحقق معه القصد الجنائي العام، لكن المشرع زيادة على ذلك توافر القصد الجنائي الخاص الذي لا يتحقق إلا إذا كان هذا التغيير للحقيقة مرفوقا بسوء نية وهو نيته استعمال الورقة المزورة لغاية غير مشروعة، وفي السرقة لا يكفي مجرد الاستيلاء المادي على المنقول لقيام السرقة وإنما علاوة على ذلك يجب توافر القصد الجنائي الخاص وهو نية التملك وليس فقط الاستعمال والرد.

ثانيا : القصد المباشر والقصد غير المباشر

القصد المباشر يحدث عندما تتجه إرادة الجاني إلى نتيجة إجرامية بعينها، هكذا يكون قصد الجاني المباشر في جريمة القتل إزهاق روح المجني عليه، أما القصد غير المباشر فهو حين يضع الجاني قنبلة للمجني عليه فتنفجر وتقتل أشخاصا آخرين.

ثالثا : القصد الفجائي والقصد المقرون بسبق الاصرار

القصد الفجائي كمن يثور لحظة استفزاز أو إهانة أو غيظ في حين أن الجريمة مع سبق الاصرار تقترن بطول وقت وتقليب أمر واختماره وتحضير للوسائل حيث يتشدد المشرع المغربي في معاقبة الجرائم التي يقترن فيها القصد الجنائي بسبق الاصرار عن تلك التي يكون فيها القصد فجائيا.

الخطأ الجنائي غير العمدي في الجرائم غير العمدية

يشترط في الركن المعنوي في الجرائم غير العمدية توافر فقط سلوك خاطئ يأتيه الفاعل عن إرادة ولكن دون استهداف لنتيجة الجريمة التي قد تترتب عن هذا السلوك ، فهو يشترك مع القصد الجنائي في الارادة ولا يشترك معه في العلم، ويتضمن القانون ج م مجموعة من النصوص التي تقرر العقاب على أساس الخطأ الجنائي غير العمدي تحتوي على تعابير مختلفة منها ‘”عدم التبصر- عدم الاحتياط – عدم الانتباه – الإهمال – عدم مراعاة النظم والقوانين – الرعونة”. فالخطأ غير العمدي يتحقق كلما أتى الفاعل سلوكا لم يلتزم فيه باليقظة والتبصر والحرص على الحقوق المحمية قانونا.

صور الخطأ غير العمدي :

الاهمال : موقف سلبي لشخص في مواجهة بعض الاوضاع التي تفرض عليه الحذر كالشخص المكلف بإعطاء الدواء للمريض في ساعات معينة.

عدم التبصر : وهو خطأ يرتكب في الغالب من طرف بعض الفنيين كالأطباء والصيادلة والرياضيين، في كل حالة يتسببون في جريمة نتيجة جهلهم بقواعد فنهم أو حرفتهم التي لا يجوز لمثلهم جهلها أو عدم القيام بها كما هو متطلب. كالطبيب الذي يجهض المرأة وهي في حالة صحية لا تسمح لها بذلك.

عدم الاحتياط : و يقصد به الخطأ الذي ينطوي على نشاط إيجابي من الجاني، و هذا الخطأ الذي يدرك فيه الجاني طبيعة عمله و ما قد يترتب عليه من نتائج ضارة، كقيادة السيارة بسرعة زائدة في شارع مزدحم بالمارة يفضى إلى قتل أو جرح أحدهم .

عدم الانتباه : ينصرف معنى عدم الانتباه والإهمال لتقاربهما في المعنى إلى الخطأ الذي ينطوي عليه نشاط سلبي ترك أو امتناع يتمثل في إغفال الفاعل اتخاذ الحيطة التي يوجبها الحذر، و الذي لو أتخذه لما وقعت النتيجة . كأن يتسبب الشخص في قتل إنسان أو جرحه بإهماله.

الرعونة : يقصد بالرعونة سوء التقدير، وقد تتجسد الرعونة في واقعة مادية تنطوي على خفة و سوء تصرف كأن يطلق الشخص النار ليصيد طير فيصيب أحد المارة، وقد يتجسد في واقعة معنوية تنطوي على جهل و عدم كفاءة كالخطأ في تصميم بناء يرتكبه مهندس، فيتسبب في سقوط البناء و موت شخص.

عدم مراعاة النظم أو القوانين : يقصد به عدم تنصيب الأنظمة المقررة على النحو المطلوب، أي مخالفة كل ما تصدره جهات الإدارة المختلفة من تعليمات لحفظ النظام و الأمن و الصحة في صورة قوانين أو لوائح أو منشورات، مثال ذلك التدخين في أماكن تعبئة الغاز.

📗 خلاصة الباب

  • • الركن المعنوي هو النية الداخلية للجاني، ويأخذ صورتين: القصد الجنائي (الخطأ العمدي) أو الخطأ غير العمدي (الإهمال وعدم الاحتياط)، والأصل في الجنايات والجنح العمد إلا استثناء بنص (الفصل 133).
  • • يقوم القصد الجنائي على شرطين: توجيه الإرادة نحو تحقيق الواقعة الإجرامية، والعلم بحقيقتها؛ وينتفي العلم بالجهل أو الغلط.
  • • يُميَّز بين القصد العام (العلم والإرادة المجردان) والقصد الخاص (باعث أو غاية محددة كنية التملك في السرقة أو نية الإضرار في التزوير)، وبين القصد المباشر وغير المباشر، والقصد الفجائي والمقترن بسبق الإصرار.
  • • للخطأ غير العمدي خمس صور تقليدية: الإهمال، عدم التبصر، عدم الاحتياط، عدم الانتباه، والرعونة، وجميعها تشترك في غياب استهداف النتيجة الضارة مع توافر الإرادة في السلوك.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية