فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

تعريف القانون الجنائي وعلاقته بفروع القانون الأخرى

📖 الجنائي العام — الفصل 2 من 11 — فهرس الكتاب

تعريف القانون الجنائي

في ظل الأنظمة القانونية البدائية القديمة كان يسمح للخواص باقتضاء حقوقهم بأنفسهم، خلافا للأنظمة القانونية المعاصرة حيث أصبحت الدولة تحتكر سلطة التجريم والعقاب، في هذه المرحلة البدائية كان يُسمح للمجني عليه بالدفاع عن نفسه ضد الخطر المحدق به بشتى الطرق، وبالتالي كان المُعتدَى عليه خصما وحكما في نفس الوقت في مواجهة المعتدي، ولا منطق يعلو فوق منطق القوة، والجزاء الجنائي كان يأخذ شكل الانتقام الفردي.

النظم الجنائية القديمة عرفت في مرحلة لاحقة من تاريخها، تطورا هاما تمثل في ظهور نظام القصاص أو المعاملة بالمثل، كنظام مهذب لحقن الدماء والحد من التطاحن بين العشائر والقبائل التي كانت تدخل حروبا قوية تستنزف قواها. فأصبح بالإمكان الاتفاق على حقن الدماء بقبول القصاص من أحد أفرادها أو بأداء الدية، أما الجزاءات المدنية، كالتعويض والبطلان والفسخ، فلم تظهر إلا في وقت متأخر من تطور ردود الفعل الاجتماعية ضد الأعمال المخالفة للقانون والماسة بالمقومات التي تقوم عليها المعاملات المالية بين أفراد المجتمع، أما قبل ذلك فكانت العقوبات المدنية أيضا تتسم بالقسوة والبطش لأن الباعث فيها كان هو الانتقام وليس الإصلاح والتقويم.

غير أنه مع تطور المجتمعات الإنسانية وما حققته من تقدم حضاري ونمو فكري وثقافي، تهذبت النظم الجنائية تحت تأثير التيارات الفكرية والفلسفية التي دعت إلى إعادة النظر في العقوبة وفي السياسات الجنائية المتبعة بوجه عام، وملائمة هذه القوانين مع التطور الحاصل في مختلف مناحي الحياة الفكرية والسياسية.

يقصد بالقانون الجنائي مجموع القواعد القانونية التي تحدد أفعال الإنسان التي تعتبرها جرائم لكونها تمس أمن واستقرار المجتمع وتوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية، بمعنى أخر هي مجموع القواعد القانونية التي تهتم بتجريم الافعال التي تلحق ضررا بالمجتمع، وتحدد العقوبات المقررة لها وكذا الإجراءات والتدابير التي يجب اتخاذها خلال سريان الدعوى العمومية.

المشرع المغربي يستعمل مصطلح ” القانون الجنائي ” في حين أن دول المشرق العربي تستعمل مصطلح ” قانون العقوبات “، وللمصطلحين نفس الدلالة، لكن ما يعاب على مصطلح القانون الجنائي أنه تغافل عن الجنحة والمخالفة وركز فقط على الجناية، أما مصطلح قانون العقوبات فيعاب عليه بأنه أغفل التدابير الوقائية، ومهما يكن يمكننا القول بان مصطلح القانون الجنائي أقرب إلى المنطق القانوني، اذ لا بأس ان يُعبر عن الكل بالجزء الاساسي.

التعريف القانوني للقانون الجنائي، جاء في الفصل الاول من المجموعة الجنائية : ” يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم، بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية ” .

الغاية الأساسية من القانون الجنائي حسب هذا الفصل هي تعيين الأفعال التي تخالف النظام الاجتماعي وتشكل جرائم يترتب على مرتكبها عقوبة أو تدبير وقائي، ويُبرز هذا التعريف المبدأ الأول والأساسي للقانون الجنائي وهو مبدأ الشرعية الذي مضمونه ” لا جريمة ولا عقوبة إلا نص”. وعليه فلا جناية أو جنحة أو مخالفة إلا بــنص القانون، فكل فعل مهما كان ضارا بأحد الأفراد أو ضارا بالمجتمع لا يعتبر جريمة إلا إذا نص على ذلك القانون صراحة.

ونتيجة لذلك فإنه لا يمكن للمحاكم أن تصدر أي عقاب إلا بنص قانوني، ذلك أن تحديد العقاب أمر موكول للقانون، سواء من حيث الكم كعدد سنوات السجن أو من حيث النوع، فالتشريع الجنائي قد ألغى عقوبة الجلد مثلا، ويؤكد الفصل الثالث من مجموعة القانون الجنائي على مراعاة مبدأ الشرعية والقانونية في الجرائم والعقوبات، فلا جريمة ولا عقوبة بلا نص قانوني، ويظل أمرا مباحا كل ما لم ينه التشريع عنه، ويعاقب فاعله عليه.

المفهوم الموسع للقانون الجنائي

يتفرع بهذا المفهوم الموسع القانون الجنائي إلى ثلاثة فروع :

• القانون الجنائي العام

• القانون الجنائي الخاص

• قانون المسطرة الجنائية

ويتضمن القانون الجنائي بهذا المعنى نوعين من القواعد :

قواعد موضوعية

تبين ما يُعد جريمة و العقوبة المقررة لها في إطار مبدأ الشرعية وهو لا جريمة و لا عقوبة إلاّ بنص من القانون، وهذا القانون الموضوعي ينقسم بدوره إلى قسمين :

• القانون الجنائي العام يهتم بدراسة النظرية العامة للجريمة، أي أركان الجريمة بصفة عامة و المبادئ العامة للتجريم والعقاب وقيام المسؤولية الجنائية.

• القانون الجنائي الخاص يهتم بتحديد الأركان الخاصة بكل جريمة على حدة، و بيان الحد الأدنى و الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها .

قواعد شكلية

تبين الإجراءات القانونية التي يتعين مراعاتها في الدعوى العمومية، و يجب إتباعها طوال مراحل الخصومة الجنائية من مرحلة التحري عن الجريمة والتحقيق فيها إلى صدور الحكم الجنائي و تنفيذه، و يعبر عن هذه القواعد بقانون المسطرة الجنائية.

مصادر القانون الجنائي

بخلاف فروع القانون الاخرى التي تتميز بتنوع مصادرها نجد أن مصادر القاعدة القانونية الجنائية تجد مصدرها فقط في التشريع المكتوب الصادر عن السلطة التشريعية دون غيره من مصادر القواعد القانونية الاخرى كالشريعة الاسلامية والعرف، وهو ينتج عنه تبرئة المتهم اذا لم يجد القاضي في النصوص التشريعية المكتوبة ما يجرم و يعاقب به الفعل أو الإمتناع، وهذا الامر ينطبق كذلك على كل من التجريم و العقاب .

قرينة البراءة

المشرع المغربي لم يعرف قرينة البراءة لكن الفقه نص على : ” أن مقتضى قرينة البراءة هو أن كل شخص متهم بجريمة مهما بلغت جسامتها، يجب معاملته بوصفه شخصا بريئا حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات ” .

تعريف الجريمة :

مفهوم الجريمة يتنازعه تعريفان : التعريف القانوني والتعريف الاجتماعي .

التعريف القانوني

هو الذي أخذ به المشرع المغربي في الفصل 110 من المجموعة الجنائية بقوله : ” الجريمة هي كل عمل أو امتناع عن عمل مخالف للقانون الجنائي و مُعاقب عليه بمقتضاه “.

وباستقراء هذا الفصل نجد أن المشرع المغربي قد أغفل علة التجريم، كما أنه لم ينص إلا على الركنين المادي والقانوني وأغفل الركن المعنوي.

التعريف الاجتماعي

أخذ به الفصل 1 من المجموعة الجنائية بقوله : ” يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي يوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية “.

نلاحظ أن الفصل الاول نص على علة التجريم وهي الاضطراب الاجتماعي وليس مخالفة القانون.

تقسيم الجرائم من حيث الركن القانوني :

تنقسم الجرائم من حيث الركن القانوني الى جنايات وجنح ومخالفات، والى جرائم عادية وجرائم سياسية وجرائم عسكرية، وجرائم متلبس بها وجرائم غير متلبس بها.

الفصل 14 : ” العقوبات إما أصلية أو إضافية. فتكون أصلية عندما يسوغ الحكم بها وحدها دون أن تضاف إلى عقوبة أخرى. وتكون إضافية عندما لا يسوغ الحكم بها وحدها، أو عندما تكون ناتجة عن الحكم بعقوبة أصلية.”

الفصل 15 : ” العقوبات الأصلية إما جنائية أو جنحية أو ضبطية.”

الفصل 16 : ” العقوبات الجنائية الأصلية هي: 1 – الإعدام، 2 – السجن المؤبد، 3 – السجن المؤقت من خمس سنوات إلى ثلاثين سنة، 4 – الإقامة الإجبارية، 5 – التجريد من الحقوق الوطنية”.

الفصل 17 : ” العقوبات الجنحية الأصلية هي: 1 – الحبس؛ 2 – الغرامة التي تتجاوز 1200 درهم . وأقل مدة الحبس شهر وأقصاها خمس سنوات، باستثناء حالات العود أو غيرها التي يحدد فيها القانون مددا أخرى.”

الفصل 18 : ” العقوبات الضبطية الأصلية هي: 1 – الاعتقال لمدة تقل عن شهر؛ 2 – الغرامة من 30 درهم إلى 1200 درهم .”

الجنايات والجنح والمخالفات:

أساس تقسيم الجرائم الى جنايات وجنح ومخالفات يعود الى خطورة الجريمة والى العقوبة التي يقررها المشرع، لكن هذا التقسيم يصبح رباعيا حسب الفصل 111 من ق.ج الذي جاء فيه: «الجرائم إما جنايات أو جنح تأديبية أو جنح ضبطية أو مخالفات، على التفصيل الآتي:

• الجريمة التي تدخل عقوبتها ضمن العقوبات المنصوص عليها في الفصل 16 تعد جناية.

• الجريمة التي يعاقب عليها القانون بالحبس الذي يزيد حده الأقصى عن سنتين تعد جنحة تأديبية.

• الجريمة التي يعاقب عليها القانون بحبس حده الأقصى سنتان أو اقل أو بغرامة تزيد عن مائة وعشرين درهم تعد جنحة ضبطية.

• الجريمة التي يعاقب عليها القانون بإحدى العقوبات المنصوص عليها في الفصل 18 تعد مخالفة. “

النتائج المترتبة عن هذا التقسيم :

ان تقسيم الجرائم الى جنايات وجنح ومخالفات تترتب عليه عدة نتائج سواء من حيث التحقيق والتقادم والاختصاص وحالة العود والمحاولة والمشاركة.

نتائج التصنيف من الناحية الموضوعية

• المحاولة في الجناية تعاقب دوما114، أما المحاولة في الجنحة فتعاقب إذا وجد نص خاص115، بينما لا عقوبة على المحاولة 116 .

• المشاركة في الجناية والجنحة يعاقب عليها130، بينما لا عقوبة على المشاركة في المخالفة129.

• المصادرة كعقوبة إضافية جائز الحكم بها في الجناية43، ولا يجوز الحكم بها في الجنح والمخالفات44.

• قيام حالة العود في الجنايات غير محدد بفترة زمنية بينما في الجنح والمخالفات يتحقق عند ارتكاب جريمة مماثلة داخل 5 سنوات.

في المخالفات تتحقق حالة العود إذا ارتكبت نفس المخالفة خلال السنة التالية للنطق بالحكم في المخالفة الاولى. في الجنح يعتبر المتابع في حالة عود اذا توافرت فيه ثلاثة شروط:

• كونه عوقب بالحبس على الجنحة الاولى والحكم حاز قوة الشيء المقضي به

• ارتكاب جنحة مماثلة داخل اربع سنوات من تمام التقادم او تنفيذ العقوبة الاولى

• كون الجنحة الثانية يعاقب عليها بالحبس ايضا

في الجنايات يعتبر الجاني في حالة عود متى حكم عليه بعقوبة جنائية وحاز حكمها لقوة الشيء المقضي به ثم ارتكب جناية ثانية يعاقب عليها.

نتائج التصنيف من الناحية الشكلية

من حيث التقادم :

• الجنايات تتقادم بمرور 15 سنة من يوم ارتكاب الجناية

• الجنح تتقادم بمرور 4 سنوات من يوم ارتكاب الجنحة

• المخالفة تتقادم بمرور سنة واحدة من يوم ارتكاب المخالفة

من حيث الاختصاص:

يجب التمييز هنا بين الاختصاص النوعي والاختصاص المكاني. فالاختصاص النوعي يكون كالتالي: الجنايات ينعقد الاختصاص فيها الى غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف ( الغرفة الجنائية الابتدائية والغرفة الجنائية الاستئنافية )، أما الجنح والمخالفات فينعقد فيها الاختصاص للمحاكم للابتدائية. اما الاختصاص المكاني بالنسبة للجناية والمخالفة فينعقد للمحكمة التي يقع في دائرة نفوذها إما محل ارتكاب الجريمة او محل اقامة المتهم او محل اقامة احد المساهمين او المشاركين في الجريمة او محل القاء القبض على احدهما حتى ولو كان القبض مترتب عن سبب آخر، بينما الاختصاص المكاني في المخالفة فينعقد لمحكمة مكان ارتكاب المخالفة.

من حيث التحقيق:

طبقا للفصل 83 من قانون المسطرة الجنائية يكون التحقيق إلزاميا في: الجنايات المعاقب عليها بالإعدام او السجن المؤبد او التي يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها ثلاثين سنة، في الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث، في الجنح بنص خاص في القانون. ويكون التحقيق اختياريا في غيرها من الجنايات والجنح المرتكبة من طرف الاحداث وفي الجنح بنص خاص التي يكون الحد الاقصى للعقوبة خمس سنوات او أكثر”.

يتبين اذا ان التحقيق من طرف قاضي التحقيق يكون الزاميا او اختياريا استنادا الى معيار العقوبة وصفة المجرم.

من حيث إمكانية التصالح

حسب الفصل 41 يجوز التصالح قبل إقامة الدعوى العمومية بطلب امام وكيل الملك كلما تعلق الأمر بجريمة معاقب عليها بأقل من سنتين سجنا وغرامة لا تتجاوز 5000 درهم.

الجرائم العادية والجرائم السياسية

يقصد بالجريمة السياسية النشاط السياسي المخالف للقانون الجنائي، اما الجريمة العادية هي الجرائم المرتكبة لأهداف غير سياسية.

الجرائم العادية والجرائم العسكرية

الجرائم العادية كالقتل والسرقة والخيانة والنصب والفساد قد يرتكبها العسكريون والمدنيون، لكن الجرائم العسكرية مثل الفرار من الجندية والاستسلام للعدو لا يرتكبها الا العسكريون، فهذه الجرائم لها قانون خاص وقضاء خاص هو القضاء العسكري .

أركان الجريمة

يتوقف وجود الجريمة على توافر ثلاثة أركان أساسية تسمى بالأركان العامة للجريمة وهي كالتالي:

الركن القانوني: ومعناه ضرورة وجود نص قانوني سابق يحدد نوع الجريمة والعقوبة المطبقة عليها، فإذا انتفى النص القانوني فلا وجود للفعل الإجرامي ولا مبرر للعقاب ( وفق مبدأ الشرعية الجنائية ).

الركن المادي : وهو النشاط المادي المجسد للفعل الإجرامي .

الركن المعنوي : و هو عبارة عن نية داخلية أو باطنية يضمرها الجاني في نفسه .

علاقة القـانون الجنائـي بغيره من فروع القانون

رغم التأكيد على استقلالية هذا الفرع عن بقية الفروع الأخرى، فهذا لا يعني انقطاع كل صلة بينه وبين القوانين الأخرى سواءً تعلق الأمر بفروع القانون الخاص أو فروع القانون العام.

فعلى مستوى القانون الخاص تتجلى العلاقة التي تربط القانون الجنائي بفروع القانون الخاص كالقانون المدني والقانون التجاري وقانون الشغل وقانون المستهلك وقانون الملكية الصناعية وغيرها في كون هذه الفروع القانونية تنص على جزاءات غيــر رادعة بما فيه الكفاية لاحترام مقتضياتها، ومن تم فهي بحاجة إلى الجزاءات التي يضعها رهن إشارتها القانون الجنائي، فيمكن القول أن القانون الجنائي هو شرطي القوانين، فإذا كانت قواعد القانون المدني تنظم حق الملكية، فإن القانون الجـنائي يحمي هذا الحق بتجريم السرقة و غيرها من أشكال الإعتداء على الملكية . وإذا كانت قواعد القانون التجاري تتولى تنظيم المعاملات التجارية، فإن القانون الجنائي يجرم الأفعال التي تفسد التجارة كتجريم المنافسة غير مشروعة والجرائم التي تهدد الثقة والائتمان التجاري كجريمة إصدار شيك بدون رصيد، نفس الشيء بالنسبة لقانون الشغل، حيث توجد العديد من النصوص الجنائية تحمي الطبقة الشغيلة كتجريم تشغيل الأحداث.

أما على مستوى القانون العام فإذا كان القانون الدستوري يتولى تحديد النظام السياسي للدولة والسلطات فيها ويبين حقوق وحريات المواطنين، فإن القانون الجنائي يجرم الإعتداء على نظام الدولة كتجريم المؤامرة والخيانة والتجسس، كما يجرم الأفعال التي تعتبر مساسا بالحقوق والحريات الفردية المعترف بها دستورياً كجريمة الاعتقال التعسفي.

علاقة القانون الجنائي بقواعد الأخلاق والدين

طبيعة السلوك الإجرامي في القانون الجنائي غالباً ما يكون منافياً للقواعد الأخلاقية السائدة في المجتمع. (جرائم القتل ـ السرقة ـ الاغتصاب…) ويٌعزى سبب هذا الارتباط إلى تأثير القواعد الأخلاقية على المشرع الذي هو جزء من المجتمع أثناء تجريمه لأنواع السلوكات المنحرفة والعقاب عليها تبعاً لمدى مخالفتها أو مراعاتها للنواميس الأخلاقية التي يؤمن بها المجتمع ككل، وهذا لا يعني أن كل القواعد الجنائية تجد سببها في مخالفة القواعد الأخلاقية، بل نصادف جرائم قررها المشرع لا تقوم على أساس أخلاقي كالمخالفات الجمركية والتهربات الضريبية.

أسس النظام العقابي في الشريعة الاسلامية

الصنف الأول من الجرائم هي التي خصص لها الشرع الاسلامي حدودًا و عقوبات محددة : الجريمة الأولى : جريمة الزنى و عقوبتها تنقسم إلى نوعين، العقوبة الأولى تخّص غير المتزوج و مقدارها مئة جلدة ” الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة “، العقوبة الثانية تخص المحصن ( المتزوج ) وهي الرجم حتى الموت، لقوله صلى الله عليه و سلم ” البكر بالبكر جلد مئة و نفي سَنة و الثيب بالثيب جلد مئة و الرجم ” .

الجريمة الثانية : القذف وهو الاتهام بالزنى بدون دليل، و عقوبتها ثمانين جلدة و لا تقبل شهادة الجاني بعد ذلك لقوله تعالى ” وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ “

الجريمة الثالثة : شرب الخمر، وعقوبتها الجلد كما ورد في الحديث عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم جلد في الخمر بالجريد و النعال ثم جلد أبو بكر أربعين و جلد عمر ثمانين.

الجريمة الرابعة : جريمة السرقة، وعقوبتها قطع اليد لقوله تعالى : ” وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”

الجريمة الخامسة : جريمة الحرابة، أي قطع الطريق و اعتراض سبيل الناس للإعتداء عليهم و عقوبتها تجد أساسها في قوله تعالى : ” إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ “

الجريمة السادسة : جريمة الردة أي الرجوع عن الإسلام، قال تعالى ” وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ” وعقوبة هذه الجريمة القتل لقول الرسول صلى الله عليه و سلم ” من بدل دينه فاقتلوه ” رواه البخاري .

الجريمة السابعة : جريمة البغي قال تعالى : ” وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ “

الصنف الثاني و يشمل الجرائم التي تًوجب القَصاص و يتعلق الأمر بالجرائم العمدية التي تُرتكب ضد النفس كالقتل العمد و الجرح و الضرب، أما عن شرعية تجريم هذا الصنف من الجرائم و تقدير عقوبتها فهو بالنسبة للقتل العمد ما جاءت به الآيتين الكريمتين 177 و 178 من سورة البقرة ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ” أما بالنسبة للجرائم العمدية على ما دون النفس كالضرب و الجرح فالعقوبة في قوله تعالى في الآية 45 من سورة المائدة ” وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ “

الصنف الثالث يشمل الجرائم التي تجب فيها الدية كعقوبة و يدخل تحتها الجرائم العمدية ضد النفس متى لم تتوافر شروط القِصاص كما تضم كل الجرائم ضد النفس أو ما دونها كالقتل و الجرح و القطع و التي تكون قد حدثت بدون عمد، و أساس عقاب هذه الجرائم بالدية قوله تعالى في سورة النساء الأية 92 ” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا”.

📗 خلاصة الباب

  • • القانون الجنائي يحدد الأفعال المجرَّمة والعقوبات المقررة لها، ويقوم على مبدأ الشرعية “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” (الفصلان 1 و3)، ومصدره الوحيد التشريع المكتوب.
  • • تنقسم الجرائم بحسب خطورتها إلى جنايات وجنح تأديبية وجنح ضبطية ومخالفات (الفصل 111)، وهذا التقسيم يحدد التقادم والاختصاص وإمكانية المحاولة والمشاركة والتصالح.
  • • تقوم الجريمة على ثلاثة أركان: القانوني والمادي والمعنوي، وتربط القانونَ الجنائيَّ علاقةُ حماية بفروع القانون الأخرى كالمدني والتجاري والدستوري، إذ يوفر لها الجزاء الرادع.
  • • القانون الجنائي المغربي مزيج بين التشريع الوضعي الفرنسي والفلسفة الجنائية الإسلامية، وإن كان التوجه الحالي يميل إلى تحديث سياسة التجريم وفق الاتفاقيات الدولية.

◀ الفصل السابق: تقديم

🔖 فهرس الكتاب

الفصل التالي: المسؤولية الجنائية

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية