فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المحور 11 : الغلط 40-45

📖 نظرية العقد — الفصل 12 من 21 — فهرس الكتاب

في المحاور الاربعة اللاحقة سنتحدث عن عيوب الارادة وهي الغلط والاكراه والتدليس والغبن، وقبل ذلك لابد من التمييز بين الحالة التي يكون فيها الرضى مفقودا وبين الحالة التي يكون فيها الرضى موجودا لكنه معيب، ففي الحالة الاولى كما لو كان المتعاقد غير مميز كان الرضى مفقودا وبذلك يفقد العقد ركنا من أركان انعقاده فيقع بطلا ، أما في الحالة الثانية عند وجود الرضى لكنه كان معيبا بأحد عيوب الرضى فيكون العقد مستجمعا كافة اركانه ويكون منعقدا لكن بما أن الارادة قد عيبت فيكون العقد قابلا للإبطال لمصلحة من عيبت إرادته، ونحن في المحاور اللاحقة سنقتصر على دراسة عيوب الرضى التي خصها المشرع المغربي من الفصول 39 الى 56 .

جاء في الفصل 39 من ق ل ع : ” يكون قابلا للإبطال الرضى الصادر عن غلط، أو الناتج عن تدليس، أو المنتزع بإكراه.”

ويعتبر الغلط واحدا من عيوب الرضا اضافة الى التدليس او الاكراه او أو الغبن، ويعرف بأنه توهم يصور لشخص معين الواقع على غير حقيقته ويدفعه الى التعاقد، هذا الغلط يصيب الارادة فيوجهها وجهة تخالف ما تخيله المتعاقد عند إبرام العقد، فالغلط إذن يصيب الارادة عند ابرام العقد وليس بعده، فيتوهم المتعاقد أمرا ويقوم بناء على ذلك الوهم بالتعاقد، لكن سرعان ما تتبين له الحقيقة ويكتشف الغلط الذي وقع فيه.

الغلط بين النظرية التقليدية والحديثة

الغلط في النظرية التقليدية

الغلط المانع

وهو غلط يقع في ماهية العقد أو في ذاتية محل العقد أو في سبب الالتزام المترتب على العقد، هذا النوع من الغلط يعدم الإرادة كليا فيجعل من العقد باطلاً بطلانا مطلقا، كأن يعطي شخص لآخر نقوداً على أنها عقد قرض وأخذها الآخر على إنها عقد هبة، والغلط في ذاتية المحل مثاله أن شخص يملك سيارتين من نوعين مختلفين فباع إحداهما والمشتري يعتقد أنه اشترى الأخرى، أما الغلط في سبب الالتزام فمثاله أن يتعهد شخص بأن يسلم شيئا موصى له إلى شخص آخر ثم يتبين له أن الوصية ملغاة.

الغلط المؤثر المسبب للإبطال

هذا الغلط يعيب الإرادة فيجعل العقد قابلا للإبطال، كما في حالتي الغلط الواقع على مادة الشيء التي كانت الدافع للتعاقد كأن يشترى شخص قطعة أرضية لاعتقاده أنها صالحة للبناء في حين أنها ليست كذلك، ثم الغلط الواقع على هوية الشخص متى كانت هويته محل اعتبار في العقد كأن يتعاقد مريض مع طبيب لإجراء عملية جراحية معتقدا بأنه الجراح الشهير، فإذا به طبيب آخر لكنه يحمل نفس الاسم.

الغلط غير المجدي

هذا النوع من الغلط لا يؤثر على سلامة إرادة المتعاقد ولا في صحة العقد وذلك كالغلط في القيمة والغلط في الباعث الحافز للتعاقد.

الغلط في النظرية الحديثة

أهم ما يميز هذه النظرية هو كونها ألغت التقسيمات التي اعتمدتها النظرية التقليدية، فقد استبعدت الغلط المانع كما ألغت التفرقة المادية بين غلط منتج وغلط غير منتج، هذه النظرية وعلى عكس التقليدية تبنت معيارا ذاتيا مرنا، فكلما كان الغلط جوهريا دافعا إلى التعاقد سواء تعلق الأمر بالغلط في القيمة أو بالباعث أو في مادة الشيء أو صفة فيه كان العقد قابلا للإبطال، فعملية تكييف الغلط متروكة لتقدير القضاة، والغلط الواحد قد يكون عيبا في الإرادة لبعض الأشخاص دون البعض الآخر، فالعبرة بأثر الغلط على الرضا وليس بالأمر محل الغلط ولهذا يطلق عليها النظرية الشخصية للغلط.

صور الغلط

* الغلط في صفة جوهرية في الشيء

* الغلط في شخص المتعاقد

* الغلط في القيمة

* الغلط في الباعث

* الغلط في القانون

الغلط وفق قانون الالتزامات والعقود المغربي

تناول المشرع المغربي حالات الغلط في ظل الفصول من 40 الى 45 من قانون الالتزامات والعقود، ويمكن القول أنه ميز بين أنواع الغلط بنفس منطق النظرة التقليدية تقريبا مع الأخذ بالنظرية الحديثة في الفصل 40 الذي جعل الغلط مؤديا الى الابطال كلما كان جوهريا ودافعا الى التعاقد، والفصل 44 الذي جاء فيه : ” على القضاة، عند تقدير الغلط أو الجهل، سواء تعلق بالقانون أم بالواقع، أن يراعوا ظروف الحال، وسن الأشخاص وحالتهم وكونهم ذكورا أو إناثا”.

هكذا نجد أن المشرع المغربي زاوج بين النظريتين التقليدية والحديثة، فمن مظاهر تأثره بالنظرية الحديثة عدم إدراجه للغلط المانع ضمن أنواع الغلط، فضلا عن اشتراطه أن يكون الغلط هو الدافع للتعاقد سواء كان غلطا في القانون أو الواقع، ومن مظاهر ميله للنظرية التقليدية أنه قسم الغلط إلى منتج وغير منتج من جهة وغلط في القانون وغلط في الواقع من جهة أخرى، مما يعني أن الغلط حتى ولو كان جوهريا مؤثرا في نفسية المتعاقد دافعا له إلى التعاقد، فقد لا يخول ضحيته حق إبطال العقد كما إذا وقع على القيمة لأن مكان الاعتداد بالحيف الحاصل في القيمة هو نظرية الغبن متى توافرت شروطه.

وهناك ملاحظة أخرى تتعلق بحديث المشرع المغربي عن الفسخ عوض الإبطال، والحال أن جزاء العقد المشوب بالغلط هو الإبطال وليس الفسخ وهو نفس الحكم الذي قرره المشرع بشأن عيوب الإرادة، في حين أن الفسخ هو جزاء يترتب عن إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماتهما.

المشرع المغربي ميز بين الغلط المنتج والغلط غير المنتج تأثرا بالمدرسة التقليدية في الغلط فجعل من الغلط المنتج سببا للإبطال بينما لم يجعل ذلك للغلط غير المنتج ، جاء في الفصل 41 من ق ل ع : ” يخول الغلط الإبطال، إذا وقع في ذات الشيء أو في نوعه أو في صفة فيه كانت هي السبب الدافع إلى الرضى.”

أما الفصل 42 فقد جاء فيه : ” الغلط الواقع على شخص أحد المتعاقدين أو على صفته، لا يخول الفسخ إلا إذا كان هذا الشخص أو هذه الصفة أحد الأسباب الدافعة إلى صدور الرضى من المتعاقد الآخر.”

أما الفصل 45 فقد تحدث عن الغلط المنتج الصادر من الوسيط حيث نص على أنه : ” إذا وقع الغلط من الوسيط الذي استخدمه أحد المتعاقدين، كان لهذا المتعاقد أن يطلب فسخ الالتزام في الأحوال المنصوص عليها في الفصلين 41 و42 السابقين وذلك دون إخلال بالقواعد العامة المتعلقة بالخطأ ولا بحكم الفصل 430 في الحالة الخاصة بالبرقيات”.

أولا : الغلط في القانون

نشير هنا إلى أن القواعد القانونية الآمرة لا يجوز طلب الابطال للغلط فيها، بينما يجوز ذلك في القواعد القانونية المكملة، فلا يعذر أحد بجهله للقانون كي لا يستطيع أحد التملص من الإلتزامات الواقعة عليه بذريعة جهله للقانون.

والغلط في القانون يقع على حكم من أحكام القانون في أمر من أمور التصرف القانوني، فهو توهم المتعاقد قاعدة قانونية على خلاف حقيقة حكمها وهو الأمر الذي يخول له الابطال، وهذا لا يتعارض مع القاعدة المعروفة لا يعذر أحد بجهله للقانون التي تعني عدم جواز التهرب من تطبيق القانون، ومثال ذلك أن يتنازل شخص معين عن نصيبه من تركة معتقدا أن نصيبه الربع بينما نصيبه النصف، هذا المقتضى نص عليه الفصل 40 من ق ل ع بقوله : ” الغلط في القانون يخول إبطال الالتزام :1 – إذا كان هو السبب الوحيد أو الأساسي؛ 2 – إذا أمكن العذر عنه.”

لكن بالرغم من تحقق الشروط السالفة الذكر إلا أن المشرع المغربي لا يجيز أحيانا الاعتداد بالغلط في القانون كمبرر للإبطال، مثال ذلك ما جاء في الفصل 1112 من ق ل ع الذي جاء فيه : ” لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون، ولا يجوز الطعن فيه بسبب الغَبْن إلا في حالة التدليس.”

شروط الابطال للغلط في القانون (الفصل 40)

  • أن يكون الغلط في القانون هو السبب الرئيس للتعاقد فلو تكشف له الغلط امتنع عن التعاقد.
  • ان يكون مما يعذر عنه كأن يكون أميا أو ليس على دراية بالميدان.
  • أن لا يوجد نص قانوني يحول دون الابطال، فمن أدى دينا متقادما بالغلط فلا يسترجعه الفصل 73.

ثانيا : الغلط في الواقع

  • الغلط في مادة الشيء ونوعه

جاء في الفصل 41 : ” يخول الغلط الإبطال، إذا وقع في ذات الشيء أو في نوعه أو في صفة فيه كانت هي السبب الدافع إلى الرضى.”

مادة الشيء عبر عنها المشرع بذاتية الشيء وقد أخفق في التعبير حيث أن الغلط في ذاتية الشيء تسبب البطلان وليس الابطال لأنه صورة من صور الغلط المانع.

الغلط في مادة الشيء مثلا شراء خاتم من نحاس مطلي بالذهب عوض شراء خاتم من الذهب، صفة مثلا آنية غير أثرية عوض آنية أثرية، أما النوع مثلا رديء عوض ممتاز، ويتم إبطال العقد إذا كان الغلط مشتركا بين الطرفين أو كان أحدهما فقط على علم بالعيب وكان سيء النية فلم ينبه الطرف الاخر.

  • الغلط في شخص المتعاقد او صفة فيه

خاصة في العقود التي تقوم على اساس الاعتبار الشخصي كالهبة والوكالة والمقاولة وشركات الاشخاص والكراء، ويجب ان تكون الصفة جوهرية في الشخص كما نص على ذلك الفصل 42 : ” الغلط الواقع على شخص أحد المتعاقدين أو على صفته، لا يخول الفسخ إلا إذا كان هذا الشخص أو هذه الصفة أحد الأسباب الدافعة إلى صدور الرضى من المتعاقد الآخر.”، لذلك فإن الغلط في الشخص أو صفة فيه يعيب الارادة ويكون سببا في الابطال لكن مع شرط مهم وهي أن تكون هذه الصفة أو ذات الشخص هي الدافع إلى التعاقد ، ومن أمثلة ذلك أن يتعاقد المريض مع طبيب لخبرته الطويلة ثم يتبين له أن تعاقد مع طبيب آخر أو أن يهب شخص مالا لشخص قريب ثم يتبين له انه غير ذلك أو يكري شخص بيتا لامرأة على أساس أنها امرأة شريفة ثم يتبين أنها فاسدة السلوك، ويعود أمر تقدير ما إذا كانت ذات الشخص أو صفته محل اعتبار لدى التعاقد من مهام القاضي حسب كل قضية، جاء في الفصل 44 : “على القضاة، عند تقدير الغلط أو الجهل، سواء تعلق بالقانون أم بالواقع، أن يراعوا ظروف الحال، وسن الأشخاص وحالتهم وكونهم ذكورا أو إناثا”.

  • الغلط الواقع من الوسيط

اعتبر الفصل 45 من ق ل ع أن الغلط الواقع من الوسيط كالغلط الحاصل من المتعاقد نفسه مادام أن دور الوسيط يقتصر فقط على نقل إرادة الموجب إلى القابل، فإذا تمسك المُرسل بالغلط لطلب الابطال يمكن ان يطالب المتعاقد الاخر بالتعويض الذي قد يكون الزاما بالعقد ويكون للمرسل ان يرجع على الوسيط بما أداه وبهذا يصبح الوسيط مسؤولا ازاء احد المتعاقدين، جاء في الفصل 45 : ” إذا وقع الغلط من الوسيط الذي استخدمه أحد المتعاقدين، كان لهذا المتعاقد أن يطلب فسخ الالتزام في الأحوال المنصوص عليها في الفصلين 41 و42 السابقين وذلك دون إخلال بالقواعد العامة المتعلقة بالخطأ…” وعليه فإذا كلف شخص وسيطا بالتعاقد مع مهندس فإذا بالوسيط يتعاقد مع مهندس آخر فيجوز للمرسل أن أن يعتد بالغلط ويطالب بإبطال العقد، لكن في حالة وقوع خطإ من الوسيط فإن هذا الوسيط يلزم بتعويض المضرور عن الضرر الذي سببه وفق المبادئ العامة للمسؤولية في الفصل77 من ق ل ع .

الغـلط غير المنتج

هو الغلط الذي لا يؤثر في صحة العقد ولا يعتبر معيبا للإرادة كالغلط الذي في الحساب حيث لا يخول الابطال من ذلك :

  • الغلط في القيمة : الفرق الفاحش بين المبيع والثمن، يعد مظهرا من مظاهر الغبن لكن إذا اقترن بتدليس.
  • الغلط في الباعث : كسبب غير مباشر لا ينهض عنه سبب لاحق في الابطال.

📗 خلاصة الباب

  • الغلط توهم يدفع المتعاقد للتعاقد على غير حقيقة الواقع؛ ميّز المشرع بين الغلط المنتج المخوِّل للإبطال (في ذات الشيء أو نوعه أو صفته الجوهرية، أو في شخص المتعاقد إذا كانت شخصيته محل اعتبار) والغلط غير المنتج (في القيمة أو الباعث أو الحساب).
  • الغلط في القانون يخول الإبطال بشرطين: أن يكون السبب الوحيد أو الأساسي للتعاقد، وأن يكون معذوراً (الفصل 40)، مع استثناء عدم جواز الطعن في الصلح بغلط في القانون (الفصل 1112).
  • غلط الوسيط يُعامَل معاملة غلط المتعاقد نفسه (الفصل 45)، مع بقاء إمكانية رجوع المتعاقد على الوسيط المخطئ.
  • أخطاء الحساب المجردة لا تخول الإبطال بل مجرد التصحيح (الفصل 43).

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية