فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المحور 2 : مبدأ سلطان الارادة

📖 نظرية العقد — الفصل 3 من 21 — فهرس الكتاب

نتحدث هنا عن الارادة التي تتجه إلى إحداث أثر قانوني والتي يسميها الفقه القانوني التصرف القانوني، فهي أساس العقد، فالعقد يتكون من إرادتين أو أكثر تتجه إلى إحداث أثر قانوني، والقوانين الحديثة تعترف للإرادة بقدرتها على إحداث هذا الأثر القانوني إذا اتجهت إلى ذلك.

مبدأ سلطان الارادة قام على قاعدتين، الاولى هي الحرية الاقتصادية والثانية هي المناخ الفلسفي الفرداني الذي ظهر خلال عصر الانوار حيث ترتب عن ذلك الاقرار بأن العقد مصدر من مصادر القانون، فالإرادة بمقدورها إقرار القانون الخاص بها عندما تلتقي بإرادة أخرى.

قديما فسرت قوة العقد بأنها مستمدة من الشكليات والمراسيم الكهنوتية التي كانت تحيط بإتمام العقد وتضفي عليه قدسية، لكن مع تطور الافكار السياسية والاقتصادية جاء تفسير قوة العقد على أساس مبدأ سلطان الارادة، ففي الجماعات القديمة سيطر الدين والأخلاق واختلطا بالقانون، فاعتقد الناس أن الشكل الذي يتم وفقه العقد هو الذي يُكسبه القوة الملزمة، فإذا لم يُصب العقد في طقوس كهنوتية معينة ويقترن بمراسيم لحظة انعقاده لم ينعقد، بل إن حتى القانون الروماني لم يعرف مبدأ الرضائية، حيث أن الارادة عبر التراضي لم تكن تكفي لانعقاد العقد، عدا في عقد البيع وعقد الشركة وعقد الوكالة وعقد الايجار التي كان يكفي لانعقادها عنصر التراضي .

أما في العصر الحديث فقد تميز القانون عن الدين وتجرد منه نهائيا، وزالت فكرة القانون الالاهي المقدس الذي يحكم علاقات الافراد وحل محله القانون الوضعي المؤسس على الحرية الفردية، فكانت نتيجة ذلك أن جاء مبدأ سلطان الارادة و أصبح مصدر القوة الملزمة للعقد .

فالإرادة حاليا هي أساس التصرف القانوني، وهي التي تنشؤه وتحدد آثاره، فيكفي أن يعبر الفرد عن إرادته ويبرزها إلى العالم الخارجي دونما اشتراط مجيئها في قالب معين، فسواء عبر الشخص عن إرادته باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة وكانت الارادة حرة أُنشئ التصرف القانوني وتحددت آثاره، فالإرادة المجردة عن أي شكلية كافية لإنشاء التصرف القانوني كما أن هذه الارادة هي صاحبة السيادة والسلطان في تحديد آثار التصرف القانوني والحدود التي تكون فيها ملزمة بآثاره، وعليه يصير الملتزم متحملا بالواجب القانوني بالصورة التي حددتها الارادة ولا يجوز له الرجوع عما التزم به كما لا يجوز له تعديل العقد إلا باتفاق لاحق بين أطرافه .

هكذا فالنظم القانونية المعاصرة ترجع كل الالتزامات الى الارادة الحرة، وتعتبرها المرجع الاعلى فيما يتعلق بالأثار المترتبة عن هذه الالتزامات، وعليه فالإرادة الحرة تهيمن على جميع مصادر الالتزامات وتتجلى هذه الارادة في كامل قوتها في مؤسسة العقد .

وصل مبدأ سلطان الارادة ذروته في القرنين 18 و 19 لكنه بدأ ينكمش في القرن 20، تحت تأثير تشابك المصالح الاقتصادية وتحت تأثير توسع المذهب الاشتراكي، وإذا كان مبدأ سلطان الارادة قد توسع تحت تأثير عوامل اقتصادية فإنه تراجع أيضا متأثرا بعوامل اقتصادية، فالمنتقدون لهذا المبدأ يرون بأن إطلاق العنان للإرادة فيه ضرب في صالح الجماعة والتضامن الاجتماعي الواجب بين أفراد الجماعة وضرب في قدرة الفرد الضعيف الذي يتعاقد من موقع ضعف اقتصادي أو قانوني مع مُورد متفوق اقتصاديا وقانونيا .

هكذا حلت نظرة جديدة اعتبرت أن الفرد الذي تبجله المدرسة الفردية لا يستطيع أن يعيش وحيدا بل هو يعيش داخل المجتمع، وعليه فالاهتمام بالصالح العام هو يخدم الفرد أولا، والصالح العام يجب أن يسيطر على الارادة، لذلك فحرية الارادة لا تصلح أساسا للعقد ولا تصلح أساسا للقانون، فالمجتمع ليس أفرادا متناثرين بل هو مجهودات متعاونة نحو غاية مشتركة يحميها القانون، لذلك وجب العمل في التصرفات القانونية على منع تسلط القوي على الضعيف في نفس الجماعة، عن طريق تقييد إرادة القوي لصالح الضعيف للوصول إلى نوع من المساواة الفعلية، نفس الامر إذا تطلب ذلك صالح الجماعة .

هكذا استهدفت القيود على مبدأ سلطان الارادة تحقيق أمرين أساسيين، الأول حماية الطرف الضعيف والامر الثاني حماية صالح الجماعة، ومع ذلك فالقوانين الحديثة لم تتخل نهائيا عن مبدأ سلطان الارادة بل قيدته فقط، سواء من حيث الشكل أو الموضوع، فبعض التصرفات القانونية لا يكفي فيها سلطان الارادة من أجل نفاذها بل تتطلب شكلا يحدده القانون، من ذلك بيع العقار مثلا.

أما النوع الثاني من القيود فهي تلك المتعلقة بالأثار التي تترتب عن التصرف القانوني وهي قيود تتعلق بالموضوع لا بالشكل، هذه الاثار يتدخل القانون لتحديد آثارها ابتغاء الصالح العام .

هكذا يتضح أن مبدأ سلطان الارادة أصبح يضيق يوما بعد يوم، لكنه ما يزال قائما فقط مع قيود متزايدة يفرضها القانون مما يعني أننا نسير نحو مبدأ آخر يخالف مبدأ سلطان الارادة وهو مبدأ التصرف الموجه أي التصرف القانوني الذي يحدد القانون شروطه وآثاره

📗 خلاصة الباب

  • الإرادة الحرة أساس نشوء الالتزامات وتحديد آثارها في القانون الحديث، بعد أن كانت العقود قديماً رهينة بأشكال ومراسيم كهنوتية.
  • بلغ مبدأ سلطان الإرادة ذروته في القرنين 18 و19 ثم تقلّص في القرن 20 تحت ضغط المصالح الاقتصادية ومقتضيات التضامن الاجتماعي.
  • قيوده نوعان: شكلية (اشتراط شكل معين لبعض التصرفات) وموضوعية (تدخل القانون في تحديد آثار العقد)، وهو ما ينذر بتحوّل تدريجي نحو «التصرف الموجَّه».

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية