📖 نظرية العقد — الفصل 5 من 21 — فهرس الكتاب
يُقصد بمبدأ نسبية آثار العقد من جهة، اقتصار آثار العقد على طرفيه وعدم انصرافها إلى الغير إلا في حالات معينة وضمن حدود محددة وهي نسبية آثار العقد من حيث الأشخاص، وهناك من جهة ثانية عدم إمكانية إلزام الأطراف المتعاقدة إلا بما تضمنه العقد أو تفرضه طبيعة المعاملة، وهي نسبية العقد من حيث الموضوع.
فإذا انعقد العقد صحيحا ترتبت آثاره التي أرادها عاقدوه، أي أن هذه الآثار تنسحب إلى العاقدين، ولا تمتد إلى غيرهما، وهذا ما يعبر عنه بنسبية آثار العقد من حيث الأشخاص، لكن إذا كان المبدأ هو اقتصار آثار العقد على المتعاقدين، فإنه ولاعتبارات ترجع إلى العدالة واستقرار التعامل تنصرف كذلك إلى الغير، لذلك فإن الحديث عن آثار العقد بالنسبة إلى المتعاقدين لا يعني أن هذه الآثار تنصرف فقط إلى من كان طرفا في العقد وعبر عن إرادته، وإنما تنصرف كذلك إلى من يمثل هذا الطرف في التعاقد، فالعقد الذي يبرمه الشخص كما ينصرف آثره إليه، ينصرف كذلك إلى خلفه العام وقد ينصرف إلى خلفه الخاص، كما قد يمتد إلى دائينه .
أولا : الخلف العام
يعرف الخلف العام بأنه كل من يخلف سلفه في كل ذمته أو في كسر حسابي محدد منها، والقاعدة هي انصراف آثر العقد إلى الخلف العام والاستثناء هو عدم انصرافه إليه في حالات محددة، جاء في الفصل 229 من ق.ل.ع : ” تنتج الالتزامات أثرها لا بين المتعاقدين فحسب، ولكن أيضا بين ورثتهما وخلفائهما ما لم يكن العكس مصرحا به أو ناتجا عن طبيعة الالتزام أو عن القانون. ومع ذلك، فالورثة لا يلتزمون إلا في حدود أموال التركة، وبنسبة مَناب كل واحد منهم. وإذا رفض الورثة التركة، لم يجبروا على قبولها ولا على تحمل ديونها وفي هذه الحالة ليس للدائنين إلا أن يباشروا ضد التركة حقوقهم.”
مفاد الفصل 229 أن الالتزامات التي ينشئها العقد تنتقل إلى الوارث بعد موت الموروث المتعاقد، أما الشريعة الإسلامية فتنص على أنه ” لا تركة إلا بعد سداد الدين”، وعليه فإن الورثة ليسوا مسؤولين عن ديون الهالك، لكن إذا حازوا التركة قبل تصفية الديون كانوا مسؤولين عن ذلك حسب نسبة كل واحد منهم ، معنى ذلك أن أثر العقد ينصرف إلى الخلف العام، بشكل يجعله في منزلة المتعاقد، لكن في حدود ما أصابه من التركة، ويسري في حقه ما كان يسري في حق السلف بخصوص العقد.
الاستثناء عدم انصراف آثر العقد إلى الخلف العام
أشار الفصل 229 من ق ل ع إلى حالات ثلاث، تشكل في مجملها استثناءات من مبدأ سريان آثار العقد على الخلف العام وهي:
– إرادة المتعاقدين : طبقا لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين، فإنه إذا تضمن العقد أن أثرا من آثاره لا ينتقل من السلف العاقد إلى خلفه فلا ينتقل تبعا لذلك، ما دام أن ذلك لا يخالف النظام العام، اذا اشترط الدائن أن المدين وحده من يستفيد من أجل الدين فيجب على الورثة أداء الدين.
– طبيعة العقد : إذا اقتضت طبيعة التعامل عدم انتقال آثاره إلى الخلف العام، فإن هذه الآثار لا تنسحب إلى هذا الأخير سواء كان المانع من الانتقال قانونيا أو ماديا، فالطبيعة القانونية لعقد الانتفاع تقتضي أن لا ينتقل حق الانتفاع الى الورثة، نفس المقتضى في عقد المزارعة أو عقد الوكالة أو عقد الشركة، والطبيعة المادية لعقد التطبيب تقتضي أن التزام علاج المريض لا ينتقل الى ورثة الطبيب .
– حالة نص القانون : فقد يتضمن القانون نصا صريحا يقضي بعدم انتقال آثار العقد إلى الخلف، وبالتالي يصبح المنع بقوة القانون ولا يكون للأطراف الاتفاق على مخالفته وإلا كان الاتفاق مخالفا للنظام العام، من ذلك مثلا ما نص عليه الفصل 929 بأن الوكالة تنتهي بقوة القانون بموت الموكل أو الوكيل، وبالتالي فإن آثار عقد الوكالة لا يمكن أن تنتقل إلى الخلف، نفس المقتضى بالنسبة للوصية إذ لا يسوغ للشخص أن يوصي بأكثر من ثلث تركته، وإذا أوصى بأكثر من الثلث كانت وصيته غير نافذة في الجزء الزائد على الثلث.
ثانيا : الخلف الخاص
يقصد بالخلف الخاص من يتلقى من سلفه حقا معينا كان قائما في ذمة هذا السلف، سواء كان الحق عينيا أو شخصيا، وكذا الموصى له بمنقول أو عقار معين وكذا الموهوب له، فالخلفية هنا خلفية خاصة تثبت على حق محدد وليس على عنصر مشاع في الذمة المالية، كما هو الحق في الحوالة أو النزول عن الايجار، فالمحال له خلف خاص للمحيل في الحق المحال به، نفس الامر بالنسبة للمشتري لكن في حالة الابطال أو الفسخ لا نتحدث عن الخلافة لأن الأثر الرجعي ينص على أن الملكية لم تنتقل الى المشتري اصلا، الفكرة أن الخلف الخاص يخلف سلفه في حق معين بمقتضى تصرف إرادي كالعقد، هذا الحق ينتقل الى الخلف الخاص بكل أوصافه كالشرط والأجل، وإذا كان قابلا للطعن بالبطلان أو الفسخ انتقل بهذه القابلية للطعن، وإذا كانت عليه ضمانات عينية كالرهن أو شخصية كالكفالة انتقل بهذه الضمانات جميعها، وإذا كان مثقلا بحقوق عينية كالارتفاق انتقل بها إلى الخلف الخاص أيضا.
لكن هناك ضابطان لانتقال الحقوق والالتزامات من السلف إلى الخلف الخاص :
– لا يمكن للشخص أن ينقل لغيره أكثر مما يملك :
فانتقال الشيء أو الحق إلى الخلف الخاص يكون وفق الحالة التي كان عليها في ذمة سلفه، فالحقوق والالتزامات التي يحصل فيها الاستخلاف الخاص يلزم أن تكون قد تقررت للسلف بمقتضى العقد، ففاقد الشيء لا يعطيه، وعليه، فانتقال الشيء محل الاستخلاف إلى الخلف الخاص يستتبع انتقال كافة الالتزامات والحقوق المتصلة به شريطة أن تكون من مستلزماته.
وتعد الحقوق من مستلزمات الشيء إذا كانت تابعة ومكملة له كضمان العيوب الخفية، وتعتبر أيضا من مستلزمات الشيء إذا كانت محددة له ومقيدة لاستعمالاته، كالتزام مالك الأرض بمراعاة قيود معينة عند البناء في أرضه، فالقاعدة أن الفرع يتبع الأصل.
– يجب أن يكون الخلف الخاص عالما بما أنشأه العقد الذي أبرمه سلفه
المطلوب بالنسبة للحقوق هو مجرد العلم الافتراضي، بينما الالتزامات يجب العلم بها علميا يقينيا، وليس فقط العلم بمعناه البسيط، باعتبارها قيودا من شأنها التأثير بالزيادة في خصوم ذمته، إذ لما كانت هذه الالتزامات قيودا على حق الخلف الخاص كان من السائغ اشتراط علم ذلك الخلف بوجود هذه القيود، فمثلا المشتري لعقار كان بائعه المالك قد التزم بعدم تحويله إلى فندق بمقتضى عقد سابق، لا يفترض تقييده بهذا الالتزام إلا إذا كان عالما به وقت شرائه له.
ثالثا : الدائنون
الدائن يتأثر بالعقود التي يبرمها المدين، لأنها تؤثر على الضمان العام، فآثار العقد الذي يجريه المدين تكون سارية في وجه دائنه، فالعقد ينعكس على الدائن سلبا وإيجابا بحسب ما إذا كان من شأنه الانتقاص أو الزيادة في الذمة المالية للمدين، وإذا كانت التشريعات المقارنة قد اعتبرت الدائن من الخلف العام عملا بالقاعدة التقليدية التي تعتبر الدائن من الخلف ذي الصفة العامة اعتبارا أن له حق ارتهان أو ضمان عام على ذمة المدين بمجموعها، فإن التقنين المدني المغربي لم يضف هذا الوصف على الدائن، وإنما اكتفى في الفصل 1241 من ق.ل.ع بتقرير حق الضمان العام للدائن على أموال مدينه، بقوله : ” أموال المدين ضمان عام لدائنيه، ويوزع ثمنها عليهم بنسبة دين كل واحد منهم ما لم توجد بينهم أسباب قانونية للأولوية.” وأسباب الاولوية حسب الفصل 1242 هي الامتياز والرهن وحق الحبس، ثم تدخل المشرع بعدة وسائل قانونية لحماية الدائن من التصرفات القانونية الضارة به والتي تصدر من المدين بقصد الإضرار بدائنه، وهي الحالة التي يمكن اعتباره فيها من الغير، من هذه الوسائل دعوى الصورية ودعوى توقيع الحجز التحفظي ثم حق الحبس.
– دعوى الصورية :
نص ق ل ع على هذه المكنة القانونية في الفصل 22 بقوله : ” الاتفاقات السرية المعارضة أو غيرها من التصريحات المكتوبة لا يكون لها أثر إلا فيما بين المتعاقدين ومن يرثهما، فلا يحتج بها على الغير، إذا لم يكن له علم بها. ويعتبر الخلف الخاص غيرا بالنسبة لأحكام هذا الفصل”، فالمشرع خول للدائن حق الطعن في العقد الذي أبرمه مدينه بشكل صوري للإضرار بدائنيه عن طريق نقص الذمة المالية له، فالدائن هنا يعمل على الكشف عن الحقيقة التي أراد المدين إخفاءها و يسعى إلى إعادة الأموال التي خصمت من الذمة المالية للمدين كأثر للعقد الصوري الذي أبرمه لتظل داخلة في ضمانه العام. هذه الدعوى تشبه الى حد كبير الدعوى البوليانية التي يرفعها الدائن للطعن في تصرفات المدين الذي تفقر ذمته المالية وتشبه الدعوى غير المباشرة التي يرفعها الدائن في وجه مدين مدينه للمطالبة بحق مدينه المتقاعس.
– دعوى توقيع الحجز التحفظي :
نص عليها ق ل ع في الفصل 138 بقوله : ” يجوز للدائن بدين مقترن بأجل أن يتخذ، ولو قبل حلول الأجل، كل الإجراءات التحفظية لحفظ حقوقه. ويجوز له أيضا أن يطلب كفيلا أو أي ضمانة أخرى أو أن يلجأ إلى الحجز التحفظي، إذا كانت له مبررات معتبرة تجعله يخشى إعسار المدين أو فراره.”
كما نظم قانون المسطرة المدنية إجراءات الحجر التحفظي من الفصول 452 الى 458 ، فيتضح أن للدائن حق إقامة دعوى الحجز التحفظي، من أجل منع المدين من التصرف في الأموال المراد الحجز عليها حتى و لو كان دين الدائن مقرونا بأجل، غير أن إقامة هذه الدعوى حسب منطوق الفصل 138 يبقى رهينا بضرورة وجود مبررات تجعل الدائن يخشى إعسار المدين أو فراره.
– حق الحبس .
📗 خلاصة الباب
- الخلف العام يخلف سلفه في كل ذمته أو في نسبة منها (كالوارث)، وتنصرف إليه آثار العقد إلا باستثناء الإرادة أو طبيعة العقد أو نص القانون (الفصل 229).
- الخلف الخاص يتلقى حقاً معيناً من سلفه (كالمشتري) بكل أوصافه وضماناته، بشرط علمه بالقيود المقترنة به وقت التلقي.
- الدائن يتأثر بتصرفات مدينه لأن أموال المدين ضمان عام لدائنيه (الفصل 1241)، وله وسائل حماية كدعوى الصورية (الفصل 22) والحجز التحفظي (الفصل 138) وحق الحبس (الفصل 291).
اترك تعليقاً