فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المحور 13 : التدليس 52-53

📖 نظرية العقد — الفصل 14 من 21 — فهرس الكتاب

جاء في الفصل 52 من ق ل ع : ” التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر. ويكون للتدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به.”

كما جاء في الفصل 53 من ق ل ع : ” التدليس الذي يقع على توابع الالتزام من غير أن يدفع إلى التحمل به لا يمنح إلا الحق في التعويض.”

التدليس هو استعمال خديعة توقع الشخص في غلط يدفعه الى التعاقد، فالمتعاقد تحت التدليس يتعاقد تحت تأثير الوهم الدي دفعه الى التعاقد، هذا الوهم أو التدليس يؤدي الى الغلط والغلط يجعل الارادة مَعيبة، لكن الغلط هنا لا يكون تلقائيا يقع فيه المتعاقد من تلقاء نفسه، بل يكون نتيجة الاحتيال والتضليل من طرف المدلس، ويتحقق ذلك في صورتين إحداهما أن يذكر أحد المتعاقدين للآخر أموراً تشجعه على الإقدام على التعاقد وثانيهما أن يقوم بإجراءات فعلية تدفعه إلى التعاقد معه، من ذلك أن يعرض المشتري على البائع شراء قطعة أرضية ويظهر له تصاميم ودراسات مغلوطة تسمح بإقامة دار للسينما ثم يتبين لاحقا أن القطعة الارضية لا تصلح لإقامتها.

تمييز التدليس عن الغلط

التدليس أمر مدبر بليل يؤدي إلى الوهم الذي يتولد في ذهن المتعاقد، عكس الغلط حيث يظل فيه الوهم تلقائيا يقع فيه المتعاقد من تلقاء نفسه، كما أن المطالبة بإبطال العقد للغلط غير ممكنة إلا إذا ورد هذا الأخير على موضوعات محددة أوردها القانون على سبيل الحصر، في حين أن التدليس يخول لضحيته المطالبة بإبطال العقد أيا كان نوع الغلط الذي وقع فيه المُدَلس عليه بفعل التدليس.

تمييز التدليس عن الغش

يقترب الغش من التدليس في كون كل منهما يعتبر عملا غير مشروع ويخولان لضحيتهما المطالبة بالتعويض، لكن التدليس يحدث في مرحلة تكوين العقد ويقع في إطار العتاقد ويدفع الواقع فيه إلى التعاقد، أما الغش فيقع خارج نطاق تكوين التعاقد بل يحدث أثناء تنفيذ العقد، فيشتري الشخص مثلا الحليب ممزوجا بالماء عوض حليب صافي، فهذا غش، والغش لا يُبطل العقد، بل يُلزم مرتكبه بتنفيذ العقد تنفيذا وفق المقتضيات التي تم الاتفاق عليها في العقد أو يعطيه الحق للمطالبة بالتعويض .

شروط تحقق التدليس

ليكون العقد قابلا للإبطال للتدليس لابد من توافر ثلاثة شروط :

الشرط الأول : استعمال المُدلس وسائل احتيالية لتضليل المُدلَس عليه

هذا الشرط يتحلل إلى عنصرين، عنصر مادي وهو الطرق الاحتيالية، وعنصر معنوي وهو نية التضليل للوصول إلى غرض غير المشروع.

العنصر المادي هو الطرق الاحتيالية، أي الأعمال والتصرفات التي تستعمل للتأثير على إرادة المتعاقد، ويتفاوت تأثير هذه الطرق بتفاوت ذكاء أو غباء الشخص المدلس عليه، فهناك من يصعب تدليسه وهناك من يسهل خداعه، والطرق الاحتيالية يجب أن تكون كافية للتضليل حسب حالة كل متعاقد، فالمعيار هنا معيار شخصي يتعلق بشخص المدلس عليه، من ذلك الكذب المعروف بين التجار في وصفهم الخيالي للمبيع فهو لا يعتبر تدليسا، لكن اذا طال هذا الكذب بيانات مهمة فهو تدليس، نفس الامر بالنسبة للكتمان بسوء نية، فالمتعاقد ليس ملزما من حيث المبدأ بالإفصاح عن كل ملابسات التعاقد، لكن السكوت والكتمان يمكن اعتبارهما طرقاً احتيالية إذا كان هناك التزام على عاتق المتعاقد بأن يُفصح عن معلومات لها أهميتها في التعاقد.

أما العنصر المعنوي فيتمثل في نية التضليل للوصول إلى غرض غير مشروع، كالمؤمن له على حياته الذي يدلي بمعلومات خاطئة عن حالته الصحية للحصول على كسب غير مشروع من شركة التأمين، أما لو استعمل الدائن حيلة للحصول على دينه فلا يعتبر الامر تدليسا، كما لو لجأ الدائن إلى حيلة لأخذ رهن عيني يضمن به استيفاء دينه من مدين ظهرت بوادر إعساره .

الشرط الثاني: أن تكون الوسائل الاحتيالية هي الدافع إلى التعاقد

يجب أن تصل الطرق الاحتيالية حداً من الجسامة بحيث تؤثر في إرادة المتعاقد فتدفعه إلى التعاقد، بحيث لولاها لما أقدم على التعاقد مع الطرف الآخر، والقاضي يقدر ذلك وفقاً لحالة المتعاقد الشخصية مسترشداً بما تعارف عليه الناس في معاملاتهم، فالمعيار كما في كل عيوب الإرادة هو معيار شخصي مرن تراعى فيه حالة المتعاقد الشخصية.

فالتدليس إذا لم يكن مؤثرا في إرادة المتعاقد بما يجعله هو الدافع الى التعاقد فالعقد يبقى صحيحا، وهذا ما جعل الفقهاء يميزون بين التدليس الدافع والتدليس العارض، فالأول هو الذي يحمل على التعاقد بحيث لولاه لما أقدم الشخص على التعاقد، والثاني هو الذي يتعلق بأمور ثانوية في العقد من غير أن يكون هو الدافع للتعاقد، فهو يحصل في الحالة التي يكون فيها الشخص عازما على التعاقد، مما يعني أن دور الوسائل الاحتيالية هو فقط دفع المتعاقد إلى القبول بشروط أقسى، فالتدليس العارض هنا لا يخول إبطال العقد بل يمنح ضحيته حق المطالبة بالتعويض المدني، ويبقى العقد صحيحا ومنتجا لكافة آثاره القانونية، مثال ذلك كما لو أبرز بائع عقد كراء صوري للمشتري المصمم على الشراء يظهر سومة كرائية عالية يرجو من خلالها انتزاع مكسب إضافي يتمثل في السماح له بعد عملية البيع بـجني الثمار، فهذا التدليس لا يجعل العقد قابلا للإبطال بل يعطي الحق للمدلس عليه المطالبة بالتعويض طبقا لقواعد المسؤولية التقصيرية بما انه كان مصمما على الشراء، فقط تم حرمانه من الثمار بناء على عقد كراء صوري خادع .

الشرط الثالث : صدور الطرق الاحتيالية عن المتعاقد الاخر أو كونه على علم بها

نص الفصل 52 على أنه : ” التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر. ويكون للتدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به.” فالأصل أن يصدر التدليس من أحد المتعاقدين أو من نائبه وهذا النوع من التدليس لا إشكال فيه حيث يجعل العقد قابلا للإبطال، لكن الإشكال يتعلق بالتدليس الصادر من الغير، فمن أجل التوفيق بين مبدأ سلطان الإرادة وضمان استقرار المعاملات فإن المشرع المغربي خول للمدلس عليه حق المطالبة بإبطال العقد وذلك في حالتين:

الحالة الأولى تتعلق بتواطؤ المتعاقد المدلس أو نائبه مع الغير بغية الدفع بالمدلس عليه إلى التعاقد، فهنا يتحقق التدليس.

والحالة الثانية تتعلق بكون المتعاقد الآخر يعلم بالتدليس الصادر من الغير وسكت عن الإفصاح عن ذلك مادام أنه مستفيد منه، لكن إذا لم يكن المتعاقد عالما بالتدليس الحاصل من الغير فإن المدلس عليه لا يمكنه الطعن في العقد للتدليس والمطالبة بالإبطال.

📗 خلاصة الباب

  • التدليس استعمال حيل أو كتمان لدفع الطرف الآخر إلى التعاقد بما لولاه لما تعاقد (الفصل 52)، ويُميَّز عن الغلط بكونه احتيالاً مدبَّراً لا وهماً تلقائياً.
  • يُميَّز التدليس الدافع (يخول الإبطال) عن التدليس العارض المتعلق بأمور ثانوية (لا يخول سوى التعويض، الفصل 53).
  • شروط قيامه ثلاثة: وسائل احتيالية، كونها الدافع إلى التعاقد، وصدورها عن المتعاقد الآخر أو نائبه أو علمه بها إن صدرت من الغير.
  • يختلف التدليس عن الغش في أن الأول يقع عند تكوين العقد ويوجب الإبطال، بينما يقع الثاني عند التنفيذ ولا يمس صحة العقد بل يوجب التعويض فقط.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية