فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

تأليف القلوب أولى مهام التنظيم

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 62 من 77 — فهرس الكتاب

صحيح أن مهمة التنظيم هي إقامة دولة العدل، وصحيح أن تأليف القلوب مهمة الولي المرشد [1]، قائد العملية التربوية وقائد التنظيم وقائد الزحف، لكن في غياب الولي المرشد أو تشعب التنظيم وتوسعه يصبح تأليف القلوب مهمة غاية في الأهمية للتنظيم بجانب مهمته التنظيمية، ذلك أن التنظيم فاشل إن فشلت التربية، وبذلك يكون تأليف القلوب [2] لما له من انعكاسات تربوية طيبة على صف المؤمنين مهمة سابقة على مهام التدافع السياسي، وهو أمر طبيعي إذا نظرنا إلى مكانة القلب في حياة الفرد والجماعة، فالقلب مدار النصر الأرضي والفتح الروحي، فمتى صلح القلب صلحت سائر الاعمال [3] ومتى فسدت القلوب فسد سائر التنظيم.

تأليف القلوب إذن مهمة تربوية يتكلف بها التنظيم ويوليها أقصى اهتماماته كونه المسؤول الاول عن سلامة المؤمنين وسلامة قلوبهم، فالتنظيم في زحفه على الواقع يجب أن لا ينسى مهامه المتعلقة بأعضائه، فالحفاظ على رأس المال أولى من الربح، ورأس مال التنظيم هم المؤمنون، قلوبهم التي هي محط الانوار والتجليات الربانية كنوز يجب على التنظيم الحفاظ عليها وصيانتها ومراعاتها وتأليفها على ذكر الله وعلى محبة الله ومحبة رسول الله ومحبة أولياء الله، ومتى خسر التنظيم رأس ماله لم يتحقق له ربح سياسي، لنقل إن القلب هو نقطة الارتكاز، والاعمال السياسية ونجاحاتها انعكاسات لصلاح القلب، ولذلك كان الحط على المؤمنين وجرح قلوبهم وفصلهم من التنظيم وتشويه سمعتهم سبب كل فشل دعوي ومدعاة كل خراب أخوي وأصل كل ذل سياسي من حيث كانت الغاية بداية هي الحشد الدعوي والاكتساح السياسي.

تأليف القلوب علم، علم جلل، علم رباني قائم بذاته، يتعلمه المؤمنون بالممارسة التنظيمية وبالرحمة القلبية التي تنزل على القلوب في مجالس الذكر، لكنه أقرب إلى العلم اللدني منه الى العلم الكسبي، فهو موهبة، وهو يُستشف أيضا كسبا من القلوب المنورة الرحيمة بالمجالسة والمحبة والتشرب القلبي، لكن تأليف القلوب المؤمنة يختلف كليا عن المداراة، يختلف كليا عن علم الادارة الذي يدرس في المعاهد وتلقى مداخلاته في دروس التنمية البشرية، يختلف بتاتا عن علم الكلام والابتسامة السياسية الصفراء والتحراميات والخداع والدوخان على الشخص، علم تأليف القلوب علم روحي له مصادره الربانية التي يستقى منها وله قلوب نورانية بمثابة المشكاة التي يقتبس منها، لنقل هو فن صناعة القلوب الممغنطة بمغناطيس ذكر الله وحب الله بحيث تستطيع هذه القلوب جذب القلوب الصغيرة وتستطيع طبعا الالتصاق بالقلوب الممغنطة بنفس المغناطيس النوراني، هو علم التحاب والالتحام والتأليف والانجماع والتكاثف والتعاون على عقبات طريق الله وعلى نصرة دين الله في بوتقة نور رسول الله.

إنه علم تربوي بالأساس لكن يمكن تنظيم تمظهراته.

تأليف القلوب ليس خضرا فوق طعام، تأليف القلوب هو صمام أمان التنظيم، ومتى فرط التنظيم في هذا الصمام انفرط عقد الجماعة، ولو أمسك بها جهابذة السياسة والسياسوية وعلماء الكلام وفقهاء الأحكام تفككت الجماعة كما تتفكك الالة، فالتنظيم ليس سوى آلة، وهي معرضة للانحلال متى فرطت في روابطها القوية التي تجمع أوصالها، وأقوى هذه الروابط هي الروابط القلبية التي تجمع قلوب المؤمنين، فتآلف قلوب المؤمنين هو الحبل المتين الذي يجمع الله به الجماعة [4]، ومتى انجمعت القلوب وتآلفت استحال تفكك التنظيم، والعكس صحيح، فمتى انقطعت الروابط القلبية تفكك التنظيم، وبذلك فتآلف القلوب دليل على الفتح، ولو تأخر الفتح فهو أمر محتوم بحتمية انتصار قوة المحبة القابعة في القلب، فيكون النصر تحصيل حاصل إذا هز التنظيم شجرة الرطب السياسية بأبسط خططه التنظيمية، أما إذا تقطعت خيوط المحبة والتآلف بين القلوب فالهزيمة مؤكدة ولو كانت بشائر الخطط السياسية على الارض محققة.

متى يفهم التنظيم ذلك؟ لا أدري، ربما بعد أن تأتي الضربة القاصمة التي تقصم ظهره وترغم أنفه على الفهم، فالسلطة المطلقة بصفة عامة غشاوة على العين، والسلطة الدينية والتنظيمية داخل التنظيم الاسلامي غشاوة على أعين المسؤولين فيه، فهم لا يرون سوى الارقام والحسابات والمصالح والمداخيل والارباح، لا يرون أن أكبر رقم وأضخم حساب هو رصيد الحب في القلوب المؤمنة المتآلفة على الله [5]، إنهم يحتقرونك وأنت تتحدث لهم عن الأخوة والتنظيم الأخوي وتأليف القلوب، يتساءلون في عجب بم يهتر هذا المجنون، دعوه دعوه، إنه مختل، ولربما مجذوب، دعوه أو افصلوه وارموه في غيابات جب النسيان إذا تمادى في غيه وتطاول على المسؤولين بالنصيحة الكثيرة، افصلوه بتشويه أو همشوه بصمت لعله يعود إلى صوابه وينخرط معنا في لعبة أُخوة التنظيم من أجل التنظيم والجري من أجل الجري وتحقيق المكاسب السياسية والانتصار على الاعداء السياسيين وخداعهم بالميثاق الوطني والتمكين لنا على رقعة المحاصصة السياسية والحصول على مقرات جديدة أكثر فخامة وصحف إعلامية أكثر جرأة واكتساح الساحة الانتخابية بأصوات كثيرة والحصول على مناصب رفيعة وكراسي كثيرة ومراكز قانونية مؤثرة ومنخرطين مدوخين جدد.

يهوي التنظيم إلى مهاوي الخسران السياسي والأخلاقي وهو يكسر قلوب المؤمنين ويفرق بينها ويحتقر بعضها ويهين طيبها، يهوي في هوة سحيقة لا رجوع منها وهو يتنطع على هذا بسلطته ويحتقر ذاك على بساطته ويهين ذلك على فقره، يتجاسر على البعض ويتطاول على حرمة البعض الآخر، يتجسس ويغتاب ويفصل ويشتت ويميز ويقرب ويبعد ويكيد ويضرب، يكاد ينهار التنظيم وهو لا يلقي بالا لقلوب المؤمنين ويكسرها بسهولة واستخفاف، إن آخر ما يفكر فيه التنظيم هو قلوب المؤمنين، إنهم مجرد دراويش، أغبياء لا يفهمون في السياسة، حمقى يؤمنون بالمحبة، فقراء حقيرون، لقد تطور العالم وأصبح سريعا ذكيا مصلحيا وهؤلاء ما يزالون يؤمنون بالأخوة في الله والحب في الله وتقاسم خبزة الأشعريين بينهم، حمقى ما درسوا علوم الاحصاء والمحاسبة وفن الاقتصاد، جاهلون يؤمنون بالافكار القديمة ودين البساطة، نحن المسؤولون الاذكياء درسنا في الجامعات الغربية وتطورنا وأصبحنا نؤمن بالدين الاسلامي الجديد المبني على الميكيافيلية والمصلحية الذكية التي سنتفوق فيها حتى على جهابذة البرغماتية أنفسهم بما أن الاسلام حض على العمل والذكاء، بل وسنتفوق على ميكافيلي نفسه والبرغماتية الامريكية نفسها في فن التاحراميات السياسية والخداع التنظيمي، ثم نؤسس "الخلافة الراشدة على منهاج النبوة"، يقصدون منهاج ميكيافيلي.

إنه الضباب يا صديقي المسؤول، الضباب على عينيك باللهجة الطنجاوية، معنى ذلك أنك ستحصد السراب، اقسم أنك لن تستمر طويلا ولن تُعمر سوى سنوات قليلة قبل أن يلفظك التاريخ ويلفظك الواقع الذي لا يصمد فيه إلا من ملك ناصية التوفيق الالاهي أو الاستدراج الشيطاني، إن التحراميات السياسية قد كفل الله نجاحها للناس التي لا تؤمن بالله ولا تؤمن باليوم الآخر، أما أنت يا صديقي المسؤول فإنك في واقع آخر، واقع يحاسبك الله فيه على التفريط في ناموسه المسطور في كتابه العزيز، فمتى زغت عن القرآن والنبوة والشريعة فقد خرجت من دائرة العناية وهزيمتك مؤكدة.

هل تشك في ذلك؟ طبعا تشك، فالشك أُرضعته في مدارس الشك عند ديكارت قبل ان تلتحق بالحركة الاسلامية ملوثا بفلسفة الشكوكية، ولربما لم تعرف لا ديكارت ولا غيره بل دخلتك الشكوكية من قسوة قلبك من ذكر وتحرامياتك المقيتة، فدع عنك هذا قبل أن يقصمك سيف الله نصفين فلا تجد لك وليا ولا نصيرا، دع عنك ميكيافيلي [6] وديكارت [7] وتعال اجلس مع إخوتك الدراويش جلسة الصفاء والتواضع والمحبة والمواساة والتآخي والتآلف والالتفاف على الله وكتاب الله ورسول الله، خل دبلوماتك التي حصلت عن طريقها على المسؤولية التنظيمية جانبا ورعونتك التي طيرت بها رؤوس منافسيك وأموالك التي تنتفخ بها على الدراويش وسيارتك التي تخشى عليها نسيم البرد وحر الصيف وتعال إلى حضن المؤمنين عريانا من عقلك ومالك وسيارتك ووسامتك وفصاحة لسانك ورجاحة عقلك المزعومة، فوالله ما راجح العقل إلا من ألف القلوب وتآلف مع القلوب، من أحب المؤمنين وتحاب مع المؤمنين.

نعم المؤمنين، الدراويش، الأغبياء، البسطاء، الفقراء، اهل الفطرة، المُبرؤون من التكلف، هل تستطيع أن تذبح نفسك هذه الذبحة وتتواضع مع الدراويش وتجالسهم دون نظرة الاحتقار؟ لا أظن ذلك أيها التنظيم الميكيافيلي.


📌 الهوامش

  1. [1] مثال ذلك أنه في يوم من الأيام وزع النبي صلى الله عليه وسلم أموالاً، وكان سعد بن أبي وقاص حاضراً، فقال: " يا رسول الله! أعطيت فلاناً وفلاناً وتركت فلاناً، والله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً؟ قال: والله إني لأراه مؤمناً، وفي الأخير قال النبي صلى الله عليه وسلم: أقتال يا سعد؟ والله إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه كراهية أن يكبه الله على وجهه في النار"، معنى ذلك إذاً أن المسألة ليست مسألة أن هذا أولى وهذا أحق وهذا أفضل، بل ترقيقاً لقلبه، وتقريباً لنفسه للإسلام وتأليفاً له على هذا الدين خشية أن يكبه الله على وجهه في النار.
  2. [2] قال تعالى: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" آل عمران: 159.
  3. [3] "جماع الداء فتنة القلوب ومرضها وصممها وانغلاقها وقسوتها. وجماع العلاج شرحها بالإسلام وإلانتُها بالإيمان واطمئنانها بذكر الله.". عبد السلام ياسين، كتاب "سنة الله".ص47
  4. [4] قال تعالى: " وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ " الانفال 63.
  5. [5] أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشكر من أحسن إلينا من الناس أدَباً وتأليفا للقلوب وتشجيعا لمن يحب المحمدة أن يسمعها، وعبادةً وتذكيراً بالمنعم الحقيقي سبحانه. قال صلى الله عليه وسلم: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس". رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
  6. [6] نيكولا دي برناردو دي ماكيافيلّي، كان مفكرا وفيلسوفا سياسيا إيطاليا إبان عصر النهضة وأصبح فيما بعد المؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبح فيما بعد عصب علم السياسة، أشهر كتبه على الإطلاق، كتاب الأمير، والذي كان هدف مكيافيلي منه أن يكتب نصائح لـلحاكم، نُشرَ الكتاب بعد موته، وأيد فيه فكرة أن ما هو مفيد فهو ضروري، كل أفكاره عبارة عن صورة للنفعية والواقعية السياسية.
  7. [7] رينيه ديكارت أبو الفلسفة الحديثة وصاحب نظرية الشك المنهجي والذي يعرف في هذا السياق بمقولته الشهيرة " أنا أفكر اذن أنا موجود".

◀ الفصل السابق: التنظيم الأخوي

🔖 فهرس الكتاب

الفصل التالي: الشورى والنصيحة

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية