فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

تنظيم قاطع عن الله

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 59 من 77 — فهرس الكتاب

كل ما يحول بينك وبين غايتك فهو قاطع طريق، وفي طريق الله قد يعترض سبيلك إنسان أو شيطان أو تنظيم، نتحدث خارجيا، أما الخونة الذين في داخل الانسان فهم شهوة نفسه ورعونته وأنانيته وهواه، لسنا في معرض كشف عيوب النفس، ولا في معرض الحديث عن حيل الشيطان، لكننا سنتحدث عن حالة التنظيم قاطع الطريق، سنحاول أن نفهم كيف يصبح التنظيم الذي دخلناه بغية الوصول الى الله هو عينه قاطع طريق.

قاطع الطريق بالنسبة لطريق الله لا ينحصر معناه في من يعترض طريقك بالسلاح، بل يشمل أيضا من يعترض طريقك بالإلهاء والخداع والغش، فأي شيء شخصا كان أو تنظيما وقفت معه وألهاك عن القصد فهو قاطع طريق، وبذلك فإن التنظيم الذي يدخلك في دوامة من الحركة دون أن يدلك على الله فهو قاطع طريق، هذا في أحسن الاحوال وإلا فهناك من المسؤولين التنظيميين من يعترض طريقك بقوة السلاح، يستل سيف الفصل أو سكين التركيع أو خنجر الولاء الشخصي، ثم يطلب منك أن تقف عنده، يطلب منك تحت تهديد وسائل حربه أن تتوقف عن طلب وجه الله [1] وتطلب وجه المسؤول، يطلب منك أن تعمل على راحته وقضاء حاجاته وإطاعة أوامره، فإذا وقفت معه فقدت البوصلة وحدت عن الغاية، وإذا عارضته قتلك بسيف الفصل فأنت شهيد، وإذا راوغت وهربت وأفلتت منه أو أنقذك الله بحكمته من الوقوف مع التنظيم والمسؤول التنظيمي فقد اجتزت مرحلة خطرة من الطريق.

عادة ما يعتقد العاملون في التنظيم الاسلامي أنه بمجرد انضمامهم إليه فهم في عداد الواصلين، يستدلون بمقولة الامام الجنيد رضي الله عنه بأن مجرد التصديق بأمرنا هذا ولاية، ثم يطمئنونك على ولايتك ويقولون لك بأن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية التي تبتعد عن القطيع، القاصية فقط، لكأن الذئب لا يهجم بين الفينة والفينة فيخطف واحدة من بين الراعي والقطيع، ولكأن الراعي لا يذبح الكبش الاقرن المليح عندما يجوع حبه للسلطة، صح النوم أخي العزيز، فالواقع غير هذا، إن انضمامك إلى التنظيم الاسلامي ليس معناه أنك قد قطعت الصراط، ولا معناه أنك من خيرة عباد الله، ولا معناه أنك من أولياء الله، ولا معناه حتى أنك من أهل الجنة، فقد يكون التنظيم عين هلاكك وقطيعتك عن الله، فالتصديق بولاية الولي يختلف تماما عن التصديق بولاية التنظيم والوقوف معه.

لكأنك تتمتم ساخطا غير مقتنع بما أقول، معتقدا أن التنظيم الاسلامي نظام ملائكي منزل من عند الله ليكون قنطرة إلى عالم الاشتغال بالله، احلم احلم أخي العزيز، إنك لا تدري أن أقسى التنظيمات السياسية هو التنظيم الاسلامي، خاصة على كوادره، فهو يستطيع ان يذبح أي عضو على أتفه سبب، ولا تستطيع ولا نعجة من النعاج أن تستنكر أو تستفسر حتى، فعندما يطير رأس يتحسس الجميع رأسه يقول محاولا إقناع نفسه بعدالة التنظيم المطلقة، يقال سبب أخلاقي فلا يردها على التنظيم أحد، ثم ينقنق الجميع بما قرره المسؤول التنظيمي حرفيا في مجالس التنظيم أو يضيف إليه إضافات نوعية تحاول اقناع المشككين في القرار.

بهتان وتصديق بنكهة إمعية للذئاب التنظيمية.

أسماء كثيرة أستحضرها ذهبت بجرة قلم بعدما خدمت التنظيم عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة، لا أريد ذكر الاسماء رغم أنني أعلم أن التنظيم سيقول هات مثالا، الامثلة كثيرة يا عدو الله المسربل بين المؤمنين، نماذج كثيرة ماثلة أمامي ما زلت أراها كل حين تتمرغ في بلاء الفصل الذي نكلته بها، رجالات بخت الدم لما رفضت الركوع والخنوع للاستكبار التنظيمي، رجال قطعتهم عن طريق الله مبتزا إياهم بأداء ما في نفوسهم من العزة والكرامة مقابل المرور إلى المقام التنظيمي والتربوي التالي، أليس هذا قطع طريق؟

وآخرون استعبدتهم لضعف في شخصيتهم وقصور في فهمهم وخفة في نفوسهم وأدخلتهم إلى دوامة الحركة والحركة من أجل الحركة والرتابة والبيروقراطية والبريستيج والشكليات الفارغة كأنهم حمير الرحى، أليس هذا تحويل قصد وقطع طريق؟ أليس هذا من دلك على العمل فقد غشك؟ أَنسيتهم الله وأنسيتهم الغاية الاساسية التي دخلوا التنظيم من أجلها، عاشوا للتنظيم فأنساهم الله أنفسهم أولئك هم الفاسقون، وأنت يا أيها التنظيم قاطع الطريق شيخ الفاسقين ما لم تتب إلى الله توبة تنظيمية تصلح بها هياكلك التنظيمية الفاسقة القاطعة عن الله، لقد فقست ونشرت الفسق بعد قطعك الطريق على كثير من المؤمنين.

التنظيم عندما يتغول وتتشابك أجهزته على حساب المردودية والفعالية وعلى حساب الغاية الاساسية وهي طلب وجه الله غالبا ما يصبح قاطع طريق، يصبح آلة لها ضجيج دون طحين، حركة دون بركة، تربية دون ترقي في مدارج الاخلاق، سياسة دون نتائج حقيقية، إدارة مع فوضى، تنظيم مع قلوب مشتتة، ولذلك فإن الحركة الفارغة التي يحاول التنظيم أن يكسبها هالة من القداسة هي مجرد جعجعة فارغة تأكل كل يوم مؤمنا من المؤمنين، تطحنه لتستمر، آلة وقودها المؤمنون الطيبون، والصواب أن تدور العجلة حسب الطلب، وتطحن ما يلزم من السعرات الحرارية الحركية دون أن تطحن قلوب المؤمنين، أما عندما تشتغل الالة دون غاية إحسانية فقط من أجل الاشتغال لكأن التنظيم أصبح معبودا من دون الله، والأنظمة السياسية القائمة تعرف تمام المعرفة من أين تؤكل الكتف ولا تنخدع بالحركة الفارغة ولا تخاف من الآلة الجعجاعة، بل تتركها تأكل أصحابها وتستنزفهم وهي متفرجة ضاحكة مستبشرة، تستلذ بتعذيب الفأر الحركي السياسي قبل أن تأكله أو تسخره لإدارة عجلاتها الادارية والسياسية واضعة أمامه جبنة السلطة ثم تقضي به مآرب سياسية أخرى.

قطع الطريق ليس حرفة تنظيمية فقط بل هو حرفة المسؤول التنظيمي أيضا، فهذا الأخير غالبا ما يحاول قطع طريق المؤمنين إما حسدا من عند نفسه أو عندما يراهم خطرا على منصبه، وقد يفعل ذلك حتى جهلا أو حمية لصالح لوبيات تنظيمية موازية لها برامج خاصة، فالمسؤول التنظيمي برعونة نفسه هو في الحقيقة قاطع الطريق الأول وليس التنظيم الذي ليس إلا آلة تستهلك الغافلين الذين قد يحسن البعض منهم التعامل مع الآلة التنظيمية دون أن تأكله أو تقطعه عن طريق الله، فخطر المسؤول التنظيمي أكبر لأنه يقتل خيرة الطاقات اليوسفية وليس أغفلها، ذلك أنه لا يتصور أن يتآمر التنظيم على فرد من الافراد إلا إذا كان هذا الأخير يشكل خطرا على قيادة التنظيم أو يهدد الخط الاستراتيجي العام فيُقطع رأس المعني بقرار فوقي.

ما عدا ذلك فالتنظيم يكون مساهما في قطع الطريق من بعيد عندما لا يوفر محاضن تربوية بالقدر الكافي أو عندما يدير عجلة التنظيم بشكل مبالغ فيه أو عندما يهمش رجال التربية ويلقي برجال السياسة على منابر التربية ليهرفوا بما لا يعرفون أو عندما يفرط في تأسيس أجهزة قضائية ساهرة على حسن تدبير مؤسسة السلطة، فيساهم بطريقة إدارية قد تكون جهلا تنظيميا غير مقصود في قطع الطريق عل المؤمنين الطالبين وجه الله، ولذلك فالسبب المباشر في قطع الطريق هم المسؤولون الجهويون والقطاعيون، هؤلاء هم من يقوم بعملية قطع الطريق وتصفية المعني بقرار محلي عندما يستغلون غفلة القيادة القطرية وعدم إرسالها للجان تمارس مهمة الرقابة على المسؤولين المحليين، يستغلون هذه الأخطاء الإدارية ليجهزوا على المنافسين، وإذا علمنا أن الجهوية الموسعة [2] تسري على التنظيم الاسلامي حيث تعطى للأجهزة المحلية كامل الصلاحيات في طحن عباد الله، فيتحصل لنا أن يفعل فيك المسؤول المحلي ما يريد واذهب إلى العاصمة لتتقدم بشكوي تبقى هناك بلا قيمة على مكاتب الادارة المركزية للتنظيم، ذلك أن الأهم بالنسبة الى التنظيم هو المسؤول التنظيمي وبقاء المسؤول التنظيمي الذي يدبر شؤون التنظيم ولا يهمه المؤمن المشتكي الذي لم يعرف كيف يلعب لعبة اللعق والتزلف.

أغلب الذين تعرضوا لقطع الطريق ممن عرفتهم فعل فيهم فعلته المسؤول التنظيمي، فقد كانوا في سيرهم المستقيم على الطريق حتى خرج عليهم المسؤول التنظيمي ابتلاء من الله، وهو ابتلاء شديد لا يعرفه إلا من عاشه، بلاء تنظيمي شديد متمثل في شخص مسؤول عليك، المفروض عليك أن تحبه وتطيعه وهو في آن واحد عدو لك ولأهلك، شيطان رجيم متدين بلباس أنيق ولحية وابتسامة مؤمنة صفراء يحفر لك الحفر ويكيد لك المكائد كل يوم، كيف تحبه وكيف تطيعه وكيف تخدم المشروع معه وكيف تسير إلى الله في حضرته وكيف تتشرب معاني الصحبة من قنواته وكيف تدعو معه بالخير وقلبه ولسانه وسيفه مستنفر ضدك، لا يترك إذاية إلا أذاك بها، ولا يترك نميمة الا رماك بها، ولا يترك صبيا من صبيانه حديثي العهد بالتنظيم إلا أرسله عليك، لا يغمض له جفن حتى يصفيك من التنظيم ويلقي بك خارجه، ثم يستلقي على ظهره فرحا مسرورا، الله على راحة، لقد أزحت منافسا ثقيلا.

إن الذين يتعرضون لقطاع الطرق من المسؤولين التنظيميين غالبا ما يرسبون في هذا البلاء، اللهم قلة قليلة تفلت، لكأن التنظيم بلاء عوض أن يكون نعمة، لكأن الله حكم بين المسلمين أن جعل بأسهم بينهم شديد، فما يمارسه المسؤول التنظيمي على من تحته أو من ينافسه أكبر بكثير مما يمارسه النظام السياسي على التنظيم، ولولا هذا البأس الشديد للمسؤولين لكان للتنظيم شأن عظيم داخل خريطة السياسة والدعوة، ولولا التنظيم والمسؤولين التنظيميين لكان للجماعة شأن عظيم بالنظر إلى حجم الطاقات الكثيرة والمميزة التي ذبحها التنظيم، إن هذا الحطام البشري الغالي والجماجم الروحية المرمية على الطرقات وفي الخلوات من أجسام المؤمنين وأرواحهم من الذين قطع التنظيم طريقهم لو تمت رعايتهم والحفاظ عليهم لكان للإسلام الحركي شأن عظيم، ربما كان قد غزا العالم من شرقه إلى غربه.

إن الشرارة الحركية الايمانية التي أطفأها التنظيم كانت ستغزو العالم في سنين معدودة لولا أن التنظيم طعنها في ظهرها، معادلة التنظيم والتربية لم تنجح، الذئب لم يحافظ على الرعية، لقد أفشل التنظيم العملية التربوية وأفسد النتيجة السياسية المرجوة ورجح بالمعادلة لصالحه ومآرب مسؤوليه وأطماعهم السلطوية والنفسية، لقد انتصر معاوية كالعادة على علي، انتصر ليس لأفضيته التربوية وسلامة صدره وكثرة أوراده وتهجده بالليل وتوفيق الله له، بل انتصر ظاهريا فقط بتسرباته الهادئة وعطائه السخي وحلمه الدنيء ومكره الشديد وحيله الخبيثة وتلاعبه بالمصاحف والاحاديث النبوية ورمى باليوسفيين إلى بئر التهميش راجين ما عند الله من عوض.

إن جريمة قطع الطريق المستشرية داخل التنظيم يمكن علاجها إذا نزل التنظيم بآليات تنظيمية وقانونية وبإرادة سياسية [3] صادقة تضرب بيد من حديد على طغاة التنظيم، أما غير ذلك فهو التآمر الخفي منه والذي يُنذر بمزيد من هيكلة عملية قطع الطريق على أعلى مستوى مما يجعلها معضلة برؤوس متعددة تتعدى الاشكاليات البسيطة، ذلك أنه إذا لم تكن للتنظيم إرادة فعلية من أجل إصلاح هياكله التنظيمية وإعادة صياغة فلسفة الروابط التنظيمية بين أعضائه فالأمر حينها يستدعي خلق تكتلات موازية تستطيع الضرب على التنظيم بطريقة سياسية خارجية هادئة ومستمرة من أجل أن يسارع إلى تفكيك شبكاته المافيوزية ثم يرجع منتكس الراس نادما إلى شريعة الاسلام السمحة ومحجته اللاحبة التي تتأسس على أسس التقوى والحق والقانون والعدالة والرحمة والانصاف والتعاون على البر والتقوى لا على مراوغات ميكافيلي.

شريعة الاسلام أفضل للتنظيم الاسلامي من شريعة ميكيافيلي.


📌 الهوامش

  1. [1] " رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضاه، والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة، وحادي المسارعة وقبلة الرجاء". كتاب "المنهاج النبوي".ص12
  2. [2] الجهوية المتقدمة في القانون الاداري هي تنظيم هيكلي وإداري تقوم بموجبه السلطة المركزية بالتنازل عن بعض الصلاحيات لفائدة الجهات المكونة للوحدة الترابية للدولة، وذلك لتعزيز التنمية المحلية، وتنشيط التبادل التجاري وتقريب الإدارة من المواطن عبر صياغة سياساتٍ محلية تنبع من الخصوصية المميزة لكل إقليم على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
  3. [3] الارادة السياسية هي جوهر السياسة للقيادي الفذ فهي مناطة بإنسانيته وتعكس الفعل الحكيم بادارة شؤون التنظيم بعيداً عن صراع الارادات، فهو وعي سياسي دون أي استلاب داخلي، فالإرادة السياسية هي العنصر الأهم في تأسيس الفعل السياسي بعيدا عن الانفعال السياسي مع القدرة على الفعل والعزيمة على الفعل بما يوافق الارادة العامة.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية