فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

قوة التنظيم أم قوة أفراده؟

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 19 من 77 — فهرس الكتاب

ما هو النظام الاجتماعي الذي يغلب على التنظيم، أهو مصلحة الفرد أم مصلحة الجماعة؟ رأسمالي هو التنظيم الاسلامي أم اشتراكي؟ هل تتدهور مصلحة المؤمن أمام مصلحة التنظيم؟ أم يتنازل التنظيم عن بعض مصالحه ليؤمن مصلحة أعضائه؟ أم ان التنظيم الاسلامي يستقي مفاهيمه من الشريعة فهو في توازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة محاولا التوفيق بينهما كما يوفق الرجل بين زوجتين.

إن القول بأن التنظيم الاسلامي يرجع إلى الشريعة الاسلامية في أحكامه وتنظيمه لهو قول مغلوط مكذوب، والقول بأن التنظيم الاسلامي يستطيع التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة التنظيم قول مبالغ فيه من جهة حسن الظن، والقول بأن التنظيم الاسلامي يميل إلى مصلحة الفرد قول يقارب الخيال، قول مردود يخالف الواقع والجاري به العمل، فأسهل طريق أمام التنظيم هو التضحية بمصالح الفرد والارتماء بالكلية في طريق مصلحة التنظيم، إنه يمشي مع السهل والميسر، ولا قدرة له على بناء منظومة قوية تحافظ على مصلحة أفراده ولا رغبة له في مسايرة الشريعة الاسلامية التي يطالب الانظمة الحاكمة بتطبيقها من باب التعجيز لتحقيق شرعية إسلامية.

في مقابل ذلك فالتنظيم وخلال زحفه على معاقل الأنظمة السياسية لا يتكئ إلا على أفراده، فهم عماده وسنده ومدده وقوته الضاربة، يقول مسؤولو التنظيم زعما أن الله سبحانه هو سند التنظيم وليس افراده، كلام ديني كالعادة لا دليل له فكرا ولا واقع له ممارسة، ذلك أن المعول عليه هو سواعد الاعضاء التي هي بمثابة الطاقة التي تحرك التنظيم وليس دعم الله سبحانه، فذاك شيء لا نعلمه ولا نعلم فعلا هل الله سبحانه مع التنظيم أو ضد التنظيم لأننا لا نجلس في الحضرة الالاهية كل يوم نستقي أخبار السماء، لكن الهياكل التنظيمية ضعيفة في اعتماداتها المالية وأُطرها المسيرة وغير قادرة على فرض تنافسية اتجاه أجهزة الانظمة الحاكمة، فالفرق بين أجهزة النظام وأجهزة التنظيم فرق شاسع كما بين السماء والارض، ومع ذلك فالتنظيم يزهد في أفراده ويذبح منهم الكثير لإرضاء المسؤولين وأنانياتهم الرئاسية، راحة المسؤول التنظيمي ورفاهيته الهرقلية سبيل واصل إلى النجاح الجماعي على الانظمة السياسية الغاشمة، أو هكذا تظن الرعية التنظيمية التي تشبه رعية السلطان، رعية تظن أن راحة ورفاهية وملذات هرقل التنظيم سبب في انتصار العبيد، فكلما كان الملك التنظيمي مرتاحا كلما كان النصر قريبا من المؤمنين، خرافة يستند إليها الحكام لتبرير تمتعهم على حساب المستضعفين، وكذلك يضحك بها المسؤول التنظيمي على العبيد الطائعين الخائفين من القتل المعنوي وهو الفصل التنظيمي أو الراكعين المبهورين بمكانته التنظيمية.

يلجأ المسؤول أحيانا إلى أسلوب المحبة الزائفة ليغطي على هرقليته الدكتاتورية، يُكرم البيادق التي تدور في فلكه بالاكراميات السخية في مطاعم السبع نجوم، يملأ بطونهم بالسحت من أموال التنظيم ويرفع تقارير عن عشاء عمل ثم يرخي عليهم من العطايا المعنوية وهي المسؤوليات التنظيمية لعل أنفسهم المتعطشة للرئاسة تروى فتركع له عرفانا بالجميل، يسكت عن جرائمهم التنظيمية أيضا، ويغدق عليهم بالكثير من الاطناب في مجالس الرخاوة والطنز على الدراويش، وهذا الجو التنظيمي والتربوي المترهل لهو الضعف السياسي و التربوي بعينه، ضعف تأطيري يسبب ضعفا تربويا للأفراد ضحية هذا الاسلوب التدبيري الفاشل، ثم أنه يضعف الافراد الخارجين من دوامة الشكلية والتنطع والضحك على الذقون، يضعفهم لما يحرمون من مقدرات التنظيم التي كان يجب أن تصرف في حقها، فالمقدرات المالية والقلبية والنفسية والروحية والتنظيمية كان يجب أن تُصرف في مكانها الطبيعي وهي البرامج العملية التي تنبثق من الشورى الحقيقية داخل مجالس النقاش الحقيقي وليس الشورى التآمرية على هامش مجالس الزرود والمجاملة والرخاوة والنميمة والتعبئة الهامشية.

إن قوة التنظيم ليست سوى قوة أفراده، ومتى فرط التنظيم في أبنائه فقد خسر قوته، ومتى خسر الصادقين فيه فقد خسر تأييد الله، وكلما خسر قوته الاجتماعية تلقى طعنات من الانظمة السياسية المتربصة ومن الفرقاء السياسيين الذين ينافسونه، فبمجرد أن يأكل التنظيم أشبال بيته تأكله ضباع غيره، ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز والله سبحانه لن ينزل إكراما لك أيها التنظيم الخبيث، بل إن الحماية هي الرهط المنافح عن المصحوب ولي الله رأس التنظيم، والتنظيم لا يفهم هذا إلا من باب استغلال المفاهيم الدينية واستدراج الرهط الكثير إلى صفوفه لقضاء مآربه السياسية وتقوية النفوذ التنظيمي لمسؤوليه وليس من باب تقوية أعضائه وبنائهم نفسيا وتربويا واجتماعيا، إنه لا يبذل أي جهد يذكر في سبيل بناء عناصر مؤمنة قوية، وفي مقابل ذلك يبحث كيف يستفيد منهم لتقوية هياكله التنظيمية وعندما ينتهي منهم يرميهم جانبا، وهو خلال ذلك في بحث دائم عن العناصر القوية الجاهزة داخل شعاب المجتمع المسلم.

واضح أن التنظيم لا يهمه سوى بناء ذاته التنظيمية وتعزيز قواه السياسية ولا يهمه قوة أعضائه بالمرة، وقد لاحظت هذا خلال الممارسة التنظيمية، فقوة الافراد ونجاحهم التربوي والاجتماعي ليست في برامج التنظيم، استقرارهم المادي المالي لا يهمه، قوتهم الاجتماعية لا تهمه، استقرارهم الاجتماعي لا يهمه، قوتهم النفسية لا تهمه، ولا أدل على ذلك أنه عندما يدخل العضو في ضائقة مالية لا يتحرك التنظيم ولو حتى بنصيحة أخوية بل ينسل هاربا في هدوء، وقد يتعرض العضو إلى فصل تعسفي من العمل أو الوظيفة بسبب انتمائه التنظيمي ولا يتحرك التنظيم إعلاميا واجتماعيا إلا إذا كان المفصول تعسفيا مسؤولا في التنظيم أو محبوبا من مسؤولي التنظيم، وقد يتعرض العضو إلى أزمة نفسية لها علاقة وطيدة بانتمائه للتنظيم ومعاركه السلوكية، اضطهاد اجتماعي أو أسري أو أحوال تربوية قوية أو تعذيب نفسي من أحد مسؤولي التنظيم أو انهيار عصبي حاد لكثرة الطعنات ولا يتحرك التنظيم لإيجاد الحلول بل يترك العضو متخبطا وحيدا في حفرته وأحيانا أخرى يتدخل للقضاء عليه، وهذا ما نسميه بالغدر التنظيمي.

نكاد نخلص إلى نتيجة مفادها أن قوة الافراد ليست ضمن برامج التنظيم ولا اهتماماته، لا يهمه بتاتا أن يقوى الاعضاء أو يضعفوا، هو لا يعرف إلا شيئا واحدا، المصلحة، التنظيم، السياسة، الهياكل، المكاسب، الاستقرار، ثم يؤكد كل حين على تحرك آلة الاستقطاب الدعوي والسياسي حتى يمتلئ الصف بالرهط السياسي والديني ويعوض ما انهار من المنهوكين والمفصولين والمتآكلين، بمعنى أن التنظيم الاسلامي ليس مستعدا لخسارة شيء في سبيل الاعضاء، ومن ضعُف فالواد أولى به، والبديل هو الاستقطاب لضخ دماء قوية جديدة والتخلص من الدماء المنهكة التي ليس لها مناصب تنظيمية مهمة.

نتحدث هنا عن الدور السلبي المتخاذل للتنظيم مع استحضار أن هذه الحالة هي أحسن الاحوال، ذلك أن أسوأ الحالات هي التي يكون فيها التنظيم نفسه هو سبب هذه الضربات القوية التي تضعف الاعضاء، فالضعف المادي والنفسي والأسري يكون أحيانا من تخطيط التنظيم وتدبيره الموجه ضد العناصر القوية الفاعلة، ولا أدل على ذلك من التشفي الواضح الذي يبديه مسؤولو التنظيم وابتسامتهم الصفراء الماكرة التي تظهر في توصياتهم التنظيمية وتدويناتهم الفيسبوكية فرحين بما أصابوا به الفرد المستضعف من أذى.

الفرد يبقى دائما أقل قوة من التنظيم، وعندما يصمد أمام رياح التنظيم لوحده فهذا الفرد يزداد قوة وعزيمة وشدة مراس، بينما يضعف التنظيم لأنه يفقد كل يوم مصداقية وسندا ورجلا كان سيقدم الشيء الكثير إلى مؤسسة الدعوة، هذه القوة تذهب لاحقا إما إلى ذات الفرد، فيهجر التنظيمات مهتما بنفسه، وقد يتجه بعزيمته الجديدة وقوته المسترجعة إلى صف آخر يحارب به التنظيم المجرم الذي نكل به وغدر به ساعة الحقيقة.


شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية