📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 20 من 77 — فهرس الكتاب
من أشد المعضلات التنظيمية طغيان المسؤول التنظيمي، شهوة هي ولذة لدى المسؤول لا ينالها إلا بالطغيان، فكما أن الرجل السليم تثيره النساء وكما أن الرجل الطبيعي يثيره المال، فرجل السلطة أيضا يثيره الطغيان، ولذلك فإن طريق الاستقامة يتطلب من الرجل القوي أن يكبح جماح شهوته، ويتطلب من الغني أن يُنفق من ماله، ويتطلب من الرئيس أن يتواضع لمرؤوسيه.
لكن أحيانا كثيرة لا يستطيع الرجل أن يكبح جماح نفسه، فيتدخل غيره ليكبحه رأفة به من نفسه، فالأصل أن الرجل مطالب بكبح نفسه تلقائيا عن طيب خاطر بالوسائل الشرعية أولا ثم بالمجاهدة ثانيا، فإذا كان قوي الشهوة جاز له أن يتزوج النساء، فإذا استنفذ الاربعة وتجاوز الحدود نزل عليه ولي الأمر بسيف الشريعة، وإذا كان الرجل ذا جاه وسلطة جاز له أن يُطيعه من تحته ويُكسبوه نوعا من الهيبة والاحترام، فإذا طغى عليهم واستعبدهم وظلمهم وسلب حقوقهم وتجاوز حد سلطته، تدخل أيضا ولي الامر فنزل عليه بسيف الشريعة، يقطع رأسه النتن وينهي مشوار نفسه الخبيثة التي لا ترتدع من داخل شرنقتها.
لكننا نتساءل كيف يكون كبح جماح المسؤول التنظيمي في تنظيم على هامش النظام القانوني للبلاد لم يصل بعد إلى مركز السلطة الشرعية، الناس لا تعرف ما يجري داخل التنظيم، ولا سلطة لها على التنظيم، حتى الدولة وجهاز عدالتها لا يدري بالتفصيل ما يجري داخل تنظيم مغلق، والنظام السياسي الحاكم ليس من مصلحته أن يسود العدل داخل صفوف مناوئيه، بل يهمه أن يتشتتوا ظلما وانتقاما وتصفية حسابات بينهم، فمن يا ترى يكبح الشر داخل صفوف المسؤولين في تنظيم خارج عن لعبة الحق والقانون والمؤسسات الرسمية؟
أكيد أن المسؤولية تقع على عاتق قيادة التنظيم نفسه عبر إيجاد آليات تنظيمية تردع من سخن عليه رأسه فتجبر وطغا، فإذا كان للتنظيم الاسلامي قضاء إداري [1] فصل في المنازعات بين الرئيس والمرؤوس فـخفت وطأة الطغيان تلقائيا، وإذا لم يكن للتنظيم قضاء إداري صار الأمر بيد الادارة التنظيمية تجتهد بناء على مصالحها وأولوياتها، فتعدل متى شاءت وتظلم متى شاءت، تسكت عن بعض الظلم ريثما تجد البديل وتفصل المناوش إذا كان لديها بديل، مقاربات إدارية تختلف من منطقة إلى أخرى، حسب العرف السائد وحسب اجتهاد المسؤول المحلي، وحسب القرب أو البعد من عاصمة القيادة، تضارب في الاجتهاد واختلاف في الرؤية، رحمة في غير موضعها وفصل في غير موضعه، والنتيجة ارتجالية وتخبط ريثما تقف مؤسسة القضاء على قدميها فتدخل على الخط لتوحد الاجتهاد وتفرض القانون الداخلي.
صادفت خلال مسيرتي في التنظيم كثيرا من النماذج المتجبرة، لا يمكن وصفها إلا بالفرعونية المتدينة، فرعونية شديدة يصعب علاجها لاختلاط الدين فيها بالإدارة، فالإدارة الدينية هي من أشد وأبشع أنواع الدكتاتوريات التي يمكن تصورها، ذلك أنها دكتاتورية عميقة وقوية تقوم على أسس متعددة ولا تقوم على قدم واحدة، فإضافة إلى عمود الادارة والمسؤولية التنظيمية، هناك عمود آخر وهو الدين، لنقل إن الأمر يصبح أكثر تعقيدا، كالأخطبوط الذي له أياد متعددة، يصعب القضاء عليه بقطع يد واحدة، ولذلك كان القضاء على الدكتاتورية في بلاد الغرب أسهل منه في بلاد المسلمين، فالدين عنصر قوي في حياة المسلمين يصعب تحييده، وفي التنظيم الاسلامي الأمر أكثر صعوبة بما أن حضور الدين أقوى بكثير منه في المجتمع المسلم، من هنا تجتمع في يد المسؤول التنظيمي على الاقل سلطتين، سلطة تنظيمية إدارية وفق السلم التنظيمي الهرمي المكون من رئيس ومرؤوس، ثم سلطة دينية يستمدها تلقائيا من السلم الاماري الذي يسيطر عليه، وهذه السلطة الدينية خلل في فلسفة التدبير وإشكال تنظيمي كبير، فالسلم الاداري من المفروض أن لا ينتج لنا سلطة دينية مرتبطة بالسماء بقدر ما يجب أن تكون هذه السلطة دلالة وظيفية أرضية إدارية بحتة.
ولذلك فإنك عندما تخاصم المسؤول التنظيمي داخل التنظيم الاسلامي لكأنك تخاصم الله، مخاصمة المسؤول التنظيمي تعني أنك في مواجهة قامة إدارية قوية ثم قامة تربوية دينية مرتبطة بالله تهددك بالدعاء عليك وسلب رصيدك الايماني، فإذا كان التنظيم مُقسطا تدخل ونفى عن نفسه المكانة الدينية وترك لنفسه المكانة الادارية فقط فكان هنا القضاء على الطغيان التنظيمي أسهل بكثير من القضاء على طغيان يستمد قوته من الله في بيئة دينية منغلقة تؤمن بالدعم الالاهي للمسؤول التنظيمي، لكن التنظيم لا يتدخل أبدا لينفي عن مسؤوليه الصبغة الدينية، بل هو يرسخها لأنه يستمد رسوخه وقوته وثباته من تلك المكانة الدينية، لنقل إنها حقارة تنظيمية على غرار الحقارة الجبرية القائمة منذ الانكسار التاريخي.
لا أملك حلا لهذه المعضلة، ولا أدري كيف تُحل اشكالية الجمع بين السمو الاداري والتميز الديني، فالمسؤول التنظيمي من المفروض أنه مشارك في العملية التربوية، فسماحته بطريارك على الاخرين، ثم إنه مسؤول إداري من المفترض أن يخضع كغيره من المسؤولين في النظم التي تحترم نفسها إلى رقابة قضاء إداري مستقل دونما اختباء ماكر خلف أية هالة دينية، فقط القلب الجامع رأس التنظيمين الدعوي والسياسي ولي الله من يجب أن يتمتع بهذه الهالة التربوية، أما ما دونه من المسؤولين التنظيميين فهم بشر كالبشر بل منهم أعداء للبشرية، والولي المرشد أيضا بشر كالبشر كائن غير مقدس، لكنه ليس كعامة البشر وعامة مسؤولي التنظيم فيما يخص خصوصيته الروحية والمعنوية والفكرية وهمته الاقتحامية التي تعمل عملها في الأكوان، لا مانع عندي أن نضيف إلى المرشد أعمدة التربية الذين يراهم هو كفيلين بمساعدته في ضبط العملية التربوية والسهر عليها بكل دقة وأمان، أما غير ذلك من المسؤولين التنظيميين فهم بشر عادي جدا جدا وأقل من العادي أحيانا، لا خصوصية لهم ولا ولاية ولا قطبية ولا غوثية ولا أي شيء من تلك الاوهام التي يبثها التنظيم، فقط برامج ومحاسبات ومهام إدارية ودراية بالكتف وتموقع جيد في التنظيم وكلام في كلام يرافق ذلك جبروت وطغيان وتكبر ووحشية ومشية خيلاء تثير الاشمئزاز.
لا زلت أتذكر كثيرا من هؤلاء عندما كانوا يدخلون علينا في مشية متكبرة وينظرون نظرات الاستخفاف الى الحاضرين، "يثبتون المنظر" بعجرفتهم وحواجبهم المقطبة، يحدثونك وكأنك في ضيعة أبيهم، يحدثك المسؤول وكأنه خلقك فسواك فعدلك ثم التنظيم يسرك، يتعامل معك كأنه بشر خارق يبيت ليله مع الله ثم يرسل معه الله الاوامر الالاهية لنطبقها نحن العبيد، يوحي إليك أن له علاقة سرية بالله بينما أنت غافل في حضيض قبة البشرية، هذا حتى قبل أي تعامل أو احتكاك تنظيمي، أما عند المعافسة التنظيمية فخير لك أن تهرب كي لا ترتكب جريمة في أحدهم، فالظلم الذي دخلت كي تحاربه ستجد نظيره أمامك ماثلا في التنظيم يثير غيظك وحنقك كل حين بعنطزته المقززة وتكبره الذي يثير القيء.
قوم فارغون أولئك المسؤولون التنظيميون المتجبرون، جثث خاوية من إدام الايمان، لا يعرفون الحب، أرواح سوداء كالحة، فراغ روحي، قساوة قلبية وجفاف إنساني، نفوس حقودة مسمومة، فراعنة بلباس التقوى، نوع من تلون أفعى النفس البشرية بين تطرفي الكفر والتقدس، فالنفس البشرية آية من آيات الله في إعجاز خلقها، فهي تتلون وتتشكل حسب وضعية صاحبها، فهي تتجبر كفرا، وتتجبر صلاحا، تنازع الله جبروته شيطنة، وتنازعه جبروته ملائكية، يتجبرون بما يقع في أيديهم من المسؤولية، فتوحي إليهم أنفسهم الخبيثة أنهم بشر فوق البشر، فهما وعلما وقوة وسلطة وإيمانا وتقوى، بينما هم في الحقيقة بالون فارغ، بالون كبير مليء بهواء كثير من التكبر، ويوم يغدر بهم التنظيم ويضربهم ومسؤوليتهم عرض الحائط ويثقب بالونهم الكبير بإبرة الفصل أو التهميش يقفون على حقيقة فراغهم، فراغ قلبي وعلمي وجسدي قاتل، يجدون أنفسهم كتلة لحم مهترئة لا تساوي عود ثقاب، كان المسكين المتعجرف مملوءا مسؤولية، كان مملوءا بالتميز عن المؤمنين، مملوءا بالتبجيل والتطبيل والتعظيم، ويوم راحت المسؤولية سقط التميز، أطلق البالون الكبير صفيرا حادا ثم خبا توهجه الايماني والفهاماتي بسرعة كأن لم يغن بالامس، أراهم اليوم كالعظام النخرة، لا هم ربحوا الدنيا ولا هم فازوا بالولاية، حطام بشري متكئ على دكة الخسران الشامل.
مسؤولية التنظيم الاسلامي اليوم أن يعدل، حتى إذا ثُقب البالون يوما تفجر عن ينابيع الحكمة والايمان، على التنظيم أن يرسخ قيم العدل في نفسه، في مؤسساته، في أشخاصه، في قوانينه، في دروسه ومواعظه ثم بعد ذلك في واقعه، مسؤولية التنظيم أن يطرد من صفوفه رموز الطغيان وإلا فإنه التآمر على المؤمنين والتعاون على الشر، إذا لم يتخذ التنظيم خطوات حقيقية لتنقية الصف من المتجبرين الذين يستعبدون المؤمنين ويعاملونهم بحقارة، خاصة أولائك المتحاذقين الذين يمارسون الدكتاتورية بالحنية، الاستبداد الناعم المزيت بقليل من الكلام التربوي، إذا لم يقطع التنظيم رأس هذه الافاعي التربوية وقبل ذلك الكوبرات التنظيمية ويتخلص منها ثم يرسخ أقدام كل رجل صادق واضح شهم فإن هذا التنظيم سينهار لا محالة، لا يغرنك أيها التنظيم الآن كثرة الامعات.
مسؤولية كبيرة هي، وتحد كبير، فأكبر تغيير هو تغيير النفس، والتنظيم مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بتغيير نفسه، وإلا فهو الطوفان الذي سيجر التنظيم قبل النظام.
إن الطوفان الذي أتصوره لن يأتي فقط على الأنظمة الظالمة، بل سيأتي أولا على التنظيم الاسلامي ما دام أنه ربيب الاستبداد، به سيبدأ، فالنصر الالاهي الذي أتصوره لن يفلت جبابرة التنظيم، سيطهر الارض أولا من رجسهم ويبني أساسات العدل ثم يُقعد صروحه على أكتاف رجال تخلصوا من نفوسهم وأخلصوا دينهم لله، رجال أخلاقهم نبوية غير مكيافيلية، رجال صادقون عاهدوا الله على نصرة دينه وليس نصرة مصالحهم المادية والنفسية، أتصورهم رجال من داخل التنظيم الاسلامي وأيضا من داخل النظام القائم الذي يتهمه التنظيم الاسلامي بالدكتاتورية، على أساس جمال ديمقراطيتك منقطعة النظير أيها التنظيم الاسلامي.
إن من أهم آثار طغيان المسؤول التنظيمي ذلة العضو المرؤوس، ذلة وهوان يعيش فيه المؤمن، وما كان الله أن يتخذ وليا من الذل، ولعلني اشمأززت كثيرا من هذا الذل الذي يقع فيه المؤمنون بدعوى احترام التنظيم، إن هذا التنظيم لهو أكثر شرا من الشيطان إذا استعبد المؤمنين وتكلفوا معه الاحترام والسمع والطاعة، وما زلت أتذكر كيف يعامل المؤمنون الدراويش المسؤول التنظيمي بذلة وتقليل من أنفسهم ومسح للكابة وتعظيم، ويزداد المسؤول انتفاخا مع هذا الدلال التنظيمي، وأنا أعلم علم اليقين أنه ليس سوى مسير إداري ارتقى المسؤولية التنظيمية بطرق خسيسة منها اللحس والنميمة، إنه ليس وليا لله على الاطلاق، ولا علاقة له بالولاية لا من قريب ولا من بعيد.
طبعا لا أُعمم، فما زلت أحفظ وُد الكثير من المسؤولين الذين هم فعلا رمز العطاء والصبر والتواضع والذلة على المؤمنين، الذلة بمعناها خفض الجناح واللين بين يدي الاخوان [2] وليس إعطاء الدنية من النفس، لكن هؤلاء قلة قليلة وسط جيش من الحقيرين الذين سطوا على مراكز التنظيم بالطرق الاموية.
واضح أن الطغيان تصنعه السلطة، يصنعه التنظيم بتحالفه مع النفس التواقة إلى متعة السلطة والتشوف على الاقران والسيطرة عليهم وتسخيرهم بشكل من العبودية، جريمة الطغيان مسؤولية التنظيم الذي يُشارك بصمته أو تواطئه في صنع الطاغوت ثم يتنصل من مسؤوليته بدعوى أنه لا يعرف، والحقيقة أنه يمكن أن نلوم الافراد على طغيانهم لأنهم لم يتكئوا على شيء سوى التنظيم، فالمجرم الأول في صناعة الطاغوت هو التنظيم، بتهاونه الاداري وبغطائه التنظيمي، كل طاغية كبير يحمي الطواغيت الصغيرة في دائرة نفوذه، والتنظيم في عموم الكلام يحاول أن يتملص من المسؤولية ويرمي بالتهمة كاملة على الطاغوت الصغير، مكيافيلية، طريقة جميلة للتضحية بالكبش الفرعون الصغير وبقاء العجل الطاغية الكبير، يقول لك بلسان المنطق الحكيم ووجه البراءة التعميم حرام يا أخي، أنا بريء، يحاول شخصنة الخلل بينما الخلل هيكلي بامتياز، يضحي بالبيدق البسيط ويفلت بالطاغوت المنظم الكبير.
لا يا حبيبي، العب غيرها، عندما كنا نحارب الطاغوت الصغير كنت تحميه وكنت تسخر مقدرات التنظيم لحمايته، كنت تزيد في ظهر المعلوف مسؤولية من الصلاحيات الجديدة والاطنابات السخية، كنت تهيئ لهم الجو بكثير من المدح والاطراء والتقليل من الاخرين، اسمح لي أن اقولها في وجهك صراحة أيها التنظيم الجبار، الطاغوت الشخصي لا يخلق إلا في حضن طغيان منظم.
نفترض الآن أن التنظيم وقف مع نفسه وقفة مسؤولة أمام الله وأمام المؤمنين ثم أراد أن يقطع مع عهد الطغيان التنظيمي، مرحبا أخي التنظيم، لا نستطيع الآن أن نعادي تائبا إلى الله وراجعا إلى الحق، ذلك أنني أتصور أن القضاء على الطغيان التنظيمي له طريقان، أولهما وهو الاسلم، طريق داخلي، فيتطوع التنظيم طواعية بما أنه من المفروض أنه تنظيم إسلامي مصلح على طريق صلاح ليقوم بعملية تطهير ذاتي عبر قوانين صارمة وقرارات عازمة وشفافية وصفاء وإرادة سياسية وتنظيمية ذات استراتيجية واضحة في محاربة التجبر التنظيمي، هذه الطريق أكثر اختزالا للوقت وأكثر حفاظا على الطاقة وأكثر أمنا وأفضل نتيجة وأقل ضحايا.
أما الطريق الثانية فهي طريق خارجية، حيث يتكتل الرجال في هيكل خارج التنظيم ويخوضون طريقا صعبا من الحرب التعبوية من الخارج لإسقاط الطاغوت التنظيمي الذي صادر جماعة المؤمنين وصادر مجالسها التربوية والتنظيمية وسخرها لحسابه الشخصي، هذه الطريق تتطلب رجالا من طينة علي وعمار، يُميزون بشكل واضح بين الحق والباطل ولا يخدعهم رفع مصاحف التنظيم، هذه الطريق صعبة وعرة المسالك مليئة بالضحايا حسني النية، هي طريق الفتنة والفتنة أشد من القتل، وسيجابهها التنظيم أولا باللامبالاة لعله يتمكن من وأدها في المهد، لكن مع الاصرار سيلجأ أخيرا إلى أحقر الوسائل الخسيسة التي كان يخفيها بابتسامته الايمانية الماكرة وسيقنع الاعضاء بضرورة القضاء على العناصر الثائرة بعد أن يلقي عليها تهمته الجاهزة وهي التعامل مع الجهات المعلومة.
إن التنظيم الماكر المتلبس بالدين لن يستطيع الاستمرار في خداعه وجبروته طويلا، ذلك أن الرجال الذين تربوا على العزة في حضن ولي الله لن يستكينوا طويلا إلى طغيان مسؤوليه، وإذا كانت الظروف التي يصنعها الجو العام مليئة بالفقر والحاجة وضيق اليد تساعد التنظيم الجبار، فإن تغير أحوال الاقتصاد وانفتاح الجو السياسي سيكون له أثر كبير على استقرار التنظيم، فالكثير من الثائرين لا يوقف زحفهم الان سوى ضربات الحاجة التي يوجهها الطغيان الخارجي بتواطؤ مع الطغيان الداخلي، كلاهما يعملان على ضرب الخارجين من اللعبة في نقطة الضعف وهي المال.
ولذلك تجد أن هؤلاء الرجال هم من يتلقى الضربة الاقتصادية وليس مسؤولي التنظيم، فتقول مستغربا كيف يعقل ذلك، هل هم أكثر خطورة من مسؤولي التنظيم؟ إنهم مجرد متساقطين يستحقون الاكفهرار في وجوههم والنميمة داخل الصف والمقاطعة الاجتماعية في المناسبات والتنقيص منهم في كل فرصة والتحذير منهم في كل لقاء والدعاء عليهم في جوف الليل، إنهم مجرد كم لا قيمة له، مجرد شعرة سقطت، أناس ضعاف، مهزومون نفسيا، مجروحون قلبيا، محطمون معنويا، مذبوحون روحيا، فقراء ماديا، فكيف يشكلون خطورة على الوضع أكبر من خطورة مسؤولي التنظيم؟
نقول بلسان الصدق والنصيحة الأخوية أن على القيادة الراشدة إن كان لها مثقال ذرة من رشد أن تنظف الصف من الطواغيت التنظيمية، وتنظف صفها أولا، فالصف القيادي هو الحاضنة الفوقية للفراعنة المبثوثين على طول هرم التنظيم، شبكة الفراعنة تلتقي في يد واحدة أو أكثر من يد من الأيادي القوية داخل القيادة، فأول إصلاح شجاع هو الاطاحة برأس الافعى التي في القيادة، ثم ستسقط الافاعي الاخرى تباعا لما تفقد حائطها الذي تستند إليه، على أن بعض الافاعي يكون الجبروت قد سار في دمها فتفقد عقلها ولا يردعها قطع رأس الافعى الكبيرة بل يزيد من رعونة تجبرها، هذه مع قليل من الحزم التنظيمي والقوة الادارية والتعليمات الصارمة تطير بكل سهولة، وليذهب أصحابها الذين طغوا في البلاد إلى الجحيم.
لنقلها بصراحة، تنظيم قوي هو ذاك الذي يتخلص من طواغيته، تنظيم ناجح ذاك الذي يخلو من مظاهر التجبر والتكبر والكلام المستعلي والتصرفات الرعناء، تنظيم يسوده الاحترام والمحبة والفناء في الجماعة، تنظيم تحس معه بالثقة والاطمئنان، تنظيم تجتاحه رياح الحب في الله وتغمره مياه الرحمة وتسوده لطائف المودة، هذا هو التنظيم الاسلامي الذي يعول عليه في غد الإسلام، تنظيمٌ مدرسة لبناء الانسان المتحضر والقضاء مع عهد الانسان المفترس.
أعرف أنها صرخة في واد، فالتجارب الانسانية أثبتت على مدى قرون أن التنظيمات والأنظمة لا تتوب، والتغيير فيها لا يأتي من الداخل بل يأتي من الخارج، فقليل من الناس من يستطيع إصلاح نفسه من الداخل، فغالبا ما يأتي الطوفان من الخارج، تأتي الصاعقة من السماء فتحدث التغيير المنشود، فقط أولياء الله من يستطيعون قهر نفوسهم وتغييرها للأفضل، ثم أقوياء الارادة من الرجال الافذاذ، أما العامة فلا يستطيعون إلى تغيير أنفسهم سبيلا، وعامة التنظيمات لا تستطيع أن تصلح هياكلها من الداخل، ولذلك يلزمها صعقات خارجية كي تستفيق على واقع الاصلاح، التنظيم لا يصلحه إلا تنظيم آخر يطيح به أو نظام قاس يطحنه، فيستفيق التنظيم صباحا على يا ليتني لم أتخذ الدكتاتور الفلاني مسؤولا، حتى التنظيم النبوي عندما دخله معاوية ونخره لم يعد يرجى له إصلاح حتى صعقه الارتداد العباسي، وهكذا دواليك كلما فسد تنظيم أسقطه تنظيم آخر، قد يكون محليا نظام له حسابات أو تنظيم منشق غاضب أو تنظيم وليد طامح، وقد يكون خليطا من هذا وذاك توافقات سياسية دقيقة لا رجعة ولا رحمة في تنفيذها، تقصي التنظيم كما كان يقصي خيرة رجاله، تأكله كما كان يأكل عياله من قبل، تنزل عليه كالصاعقة فتجعله كأن لم يغن بالأمس.
أما إذا كان تنظيما تدعمه العناية الالاهية فأكيد أنه سينجو وسيستخلف الله في الارض.
ومع ذلك لي أمل، أمل ضعيف أن يستفيق التنظيم ويصلح ما أفسده الطغاة والزبانية، أن يرجع بالسفينة إلى بحر الصفاء والشفافية والوضوح والبذل والوحدة والتحاب، أملي أن يستحي التنظيم إكراما لوجه الله ولوجه مؤسسه ثم يرجع عن طريق التجبر والظلم والغواية والقهر والفصل، أملي كبير أن تسري روح النبوة في جسم التنظيم فيرجع إلى نور الخلافة ويتخلى عن ميكيافيلية فلورانسا، روح النبوة هذه ليست شيئا سوى صحبة الولي الوارث عن رسول الله، باب المدد وسبب التوفيق، وبدونه يصبح التنظيم ستالينية، فقط بالمفتوح له يلتحق جسد التنظيم بالنبوة، فولي الله هو روح التنظيم، أما الهياكل والمسؤولين فمجرد أقفاص بلا طائر، بدون ولي الله يكبر التنظيم خاويا من النوارس، ثم لا يلبث أن يصير وحشا ويلتهم المؤمنين.
نتيجة الطغيان التنظيمي التبعية والإمعية والضعف السياسي وثقافة القطيع، وأول من يتأثر بجبروت التنظيم هم أعضاؤه الذين يصبحون عبيدا من حيث أرادوا نيل الحرية السياسية، هؤلاء العبيد لن يستطيعوا بالطبيعة تغيير أي نظام سياسي قائم ما داموا فقد فشلوا في ترويض تنظيمهم الداخلي، أنى لهم الحرية وقد وقعوا في فخ العبودية، ولجوا في بحر تنظيمي لجي يغشاه موج القهر من فوقه موج السياسة من فوقه سحاب الاختراق، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرجت يد الصفاء والمحبة لم تكد تراها من فرط الكدر والبغضاء، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
📌 الهوامش
- [1] اعتمدت بعض الدول نظاماً قضائياً موحداً ينظر في جميع المنازعات سواء أكانت إدارية أم مدنية أم تجارية، وسمّي هذا النظام بـ وحدة القضاء الذي لا يميز بين سلطة عامة أو أفراد، وذلك استناداً إلى مبدأ سيادة القانون ومساواة الجميع أمامه، ومن أمثلة هذه الدول بريطانيا وأميركا والعراق والسودان والمغرب. في حين أن دولاً أخرى، مثل فرنسا ومصر وسورية ولبنان اعتمدت نظام القضاء المزدوج الذي يضم القضاء العادي الذي يفصل من حيث المبدأ بالمنازعات التي تحصل بين الأفراد فيما بينهم، ثم القضاء الإداري الذي ينظر بالمنازعات الإدارية وفق قواعد قانونية متميزة ومختلفة عن قواعد القانون الخاص حيث يأخذ في الحسبان طبيعة المنازعات الإدارية ومقتضيات المصلحة العامة، في القضاء الموحد يعلو هرم المحاكم محكمة النقض وفي القضاء المزدوج يعلو القضاء العادي محكمة النقض ويعلو القضاء الاداري مجلس الدولة. وفي كلتا الحالتين فالقضاء الاداري يفصل في النزاعات الادارية بين الافراد والدولة أو بين النزاعات بين الافراد وموظفي الدولة ويسهر على خضوع قرارات الإدارة وتصرّفاتها لرقابة القضاء.
- [2] كان رسول الله ﷺ لينا على المؤمنين، لينا لهم برحمة من الله الرحمن الرحيم. لم يكن فظا غليظ القلب. وقد من الله عليه بهذا الخلق العظيم في قوله تعالى: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ"، الاحسان1 ص413.
◀ الفصل السابق: قوة التنظيم أم قوة أفراده؟
الفصل التالي: المسؤول المحلي والسلطة المطلقة ▶
اترك تعليقاً