فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

لماذا يدمر التنظيم الجماعة؟

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 65 من 77 — فهرس الكتاب

سؤال يراودني من مدة، وهو لماذا يحاول التنظيم تدمير الجماعة ومقوماتها، لماذا يحرص الافراد على بقاء الجماعة ويقدمون في سبيل ذلك الغالي والنفيس وكثيرا من التنازلات بينما يُصر التنظيم على تدمير أواصر المحبة داخل الجماعة ويحاول تفكيك روابطها، هل هي نتيجة حتمية لعملية الإختراق، أم هي رعونة فراعنة التنظيم لا غير.

لابد أن ندرك أولا ماهية مصالح التنظيم ومصالح الجماعة حتى نفهم مروق التنظيم، أين تتقاطع هذه المصالح وأين تفترق، فالتنظيم ككيان إداري داخل الجماعة يسهر على ضبط مؤسساتها والعلاقة بين أفرادها لابد أن يكون عرضة لكثير من التحديات المغرية التي قد تحيد به عن غايتي الجماعة الاستخلافية والتربوية، وبالتالي يكون لزاما على هذه الأخيرة (الجماعة) أن تتدخل لتضع حدا للشكل أن يصيب المضمون، الشكل التنظيم والمضمون الجماعة.

يحاول التنظيم دائما أن يخلط بينه وبين الجماعة كي يختبئ خلفها ويحتمي بها من انتقادات الناس والاعضاء، فلمفهوم الجماعة هيبة باعتبارها مفهوما دينيا بالمقام الاول يختزل معاني الأخوة والايمان، أما التنظيم فلا هيبة له سوى هيبة الارهاب وفي أحسن الاحوال أداة سياسية تختزل معاني القسوة والانضباط، ولذلك فالشيطان التنظيمي يختبئ خلف الجماعة كي يغطي سوءة جرائمه السياسية والتربوية وهشاشة قواعده الأدبية والفكرية وهو في حقيقة نفسه يعرف جيدا أنه لا يعدو كونه شبكة من الاجهزة والمؤسسات والاداريين لا يمثلون كل الجماعة، كما أنه من الممكن في أي لحظة تصور تفكك هذا التنظيم مع بقاء الجماعة بل وتزايد قوتها وصفائها باعتبارها قائمة على أواصر المحبة والأخوة والسلوك لا على روابط التنظيم والامارة والمسؤوليات.

على أن الجماعة نفسها تحاول الخلط بينها وبين مفهوم جماعة المسلمين، فتخلط وتركب على المفهوم وتتحرك على هذا الأساس وتلبس جلبابا أكبر منها دون أن تعرف خطورة الامر الدعوية والسياسية والتربوية.

نرجع إلى زحف التنظيم على الجماعة فنجد أن شريحة كبيرة من الاعضاء داخل التنظيم ليس لهم أية مسؤوليات تنظيمية يهمشهم التنظيم عن قصد أو يعطيهم مسؤوليات تنظيمية شكلية فارغة للإبقاء عليهم ضمن نفوذه السياسي، يفعل ذلك عندما يريد أن يحتفظ بشخصية ذات مال أو جمال أو شهادة جامعية رفيعة فيرمي إليها بمسؤولية شكلية فيضحي صاحبنا فرحا مسرورا كونه المسؤول الرئيسي التنفيذي القطري العام لقطاع الطماطم في غد الدولة الاسلامية، ثم يُعهد إليه بتحضير برامج زرع الطماطم وإعداد تقارير بخصوصها ومحاولة اكتشاف سوق الطماطم حاليا والقيام بدراسات مستقبلية حول الطماطم تحسبا لوقوع الدولة في يد التنظيم يوما ما فيرتمي في حضن وزارة الفلاحة ويطبق برنامجه الطماطمي، ينتفش صاحبنا بمسؤوليته الجبارة ويبتسم السيد طمطوم ملئ اشداقه ويعتبر نفسه من يومها قياديا في التنظيم ثم يخرج في اليوم التالي على إخوانه متخيلا نفسه مسؤولا كبيرا في دولة الخلافة.

و قس على ذلك كثيرا من المسؤوليات الوهمية التي تُخلق ويُرمى بها إلى من يُريده التنظيم أن يتحرك وكأنه فعلا مسؤول كبير، يلهيه مع الخاوي لليوم العامر.

التنظيم يختلف كليا عن الجماعة، والجماعة بدورها مفهوم يختلف كليا عن مفهوم جماعة المسلمين التي تجمع الأمة كلها، شعبا وقيادة سياسية وعلمية ودينية، فالتنظيم جزء من الجماعة، والجماعة جزء من جماعة المسلمين، وإذا كانت الجماعة مجرد فاعل بسيط داخل جماعة المسلمين، فإن التنظيم عكس ذلك بالنسبة للجماعة فهو فاعل قوي داخلها، بل هو عمودها الفقري وهيكلها العظمي، فالجماعة تستمد قوتها من قوة هيكلها المؤسساتي، طوله، توسعه، شدة هياكله، ارتباط هذه الهياكل تنظيميا ببعضها وعدم تفككها، يضاف إلى ذلك قوة عقل الجماعة التي تستمدها من فطنة مرشدها وصفاء بصيرته، فالمرشد هو عقل الجماعة ورأسها وقلبها الروحي النابض، هو كذلك إن جمع الله فيه حكمة العقل وكمال التربية، لكن قد تنفصل هاتان القوتان فيُعهد بالجماعة والتربية إلى صاحب القلب الكبير، بينما يستقل الداهية بإمارة التنظيم والسياسة، مع بقائه خاضعا لعزمات المرشد العام للجماعة، ووسط هذا الهرج من المؤسسات تبقى المحبة تفعل فعلها في الجماعة، تقوي التنظيم ولا تتركه هياكل جافة.

إذا فهمنا هذا الأمر يـُمكنا بسهولة أن نفهم كيف يدمر التنظيم الجماعة، خاصة عندما يغيب القلب الكبير، ويستولي أمير التنظيم والسياسة على الجماعة، فيتغول التنظيم على التربية ويكسر المحبة وهي زيت محرك الجماعة ودمها ولحمها، ثم يهيم بفرعونيته بعيدا كل البعد عن حكمة المصحوب الواصل قلبه بالله، وهنا يبدأ التنظيم في تصفية كل مخالف لفرعون التنظيم لتقوية نفوذه ومنظومته، يحسب التنظيم نفسه هو الجماعة، ثم يشرع في تصفية القلوب الكبيرة الحكيمة، يفصلها عندما ترفض الانصياع لدكتاتوريته التنظيمية وقراراته الانفرادية ورؤيته الاحادية، ينقلب حتى على المرشد عندما يتساهل هذا الأخير بطيبة قلبه مع وحوش التنظيم ويترك لهم مساحة من الرحمة والاستقلالية للعمل فيها.

الرحمة واجبة داخل الجماعة، لكن التنظيم باعتباره آلة تنفيذية لا يستحق أدنى رحمة، التنظيم نفسه لا يعرف الرحمة، الآلات لا تفهم الرحمة، الرحمة بالنسبة إلى أي آلة ضعف وخلل، فقط بالصرامة والانضباط والنظام تعمل الآلة، وبالتالي فالإمام عليه أن يرحم الاعضاء ويحتضنهم برحمته القلبية أما التنظيم فيجب أن يقبض عليه بكل قوة وحزم وشدة وقسوة وينزل عليه إن اقتضى الأمر على الرقبة، فتلك اللغة الوحيدة التي يفهمها التنظيم.

نقول هذا الأمر رغم أنه يبدو كلاما قاسيا لكنه صمام أمان الجماعة، وإذا لم يُؤخذ التنظيم بهذه القوة فإنه سيزيغ ويدمر قلوب المؤمنين وأرواحهم، سيهلك الحرث والنسل والنساء والاطفال والرجال والتربية والاخلاق والدين والأرزاق، فالمسألة ليست لعبة أو نزهة، إننا عندما نؤمن بتركيع التنظيم بين يدي صاحب القلب الكبير نقول هذا حفاظا على الجماعة أن يستولي عليها التنظيم ويسخرها لمآربه السلطوية ويفرغها من محتواها التربوي المعرفي والدعوي الحركي، نقول هذا لأن التنظيم أصلا هيكل عظمي قاسي تناسبه القسوة ولا تؤلمه، فالحنان يجب أن يوضع في مكانه المناسب وهم أهل السلوك من الدراويش والمستضعفين من عيال الله، هل نقسو على عيال الله ونحنو على الفرعون، إنه الخوار الذي وصف به أبا بكر عمر عندما رأى هذا الأخير بالرحمة على المرتدين، خوار لأنه حنان في غير موضعه، وهكذا هو التنظيم، جبار في الجاهلية خوار في الاسلام، جبار على الاخوان خوار مع المجرمين، ولا يفهم في التنظيم إلى كل قلب مخموم كقلب أبي بكر [1]، رحيم بالمؤمنين شديد على الجبارين الخوارين.

التنظيم الجبار الخوار يرحم الجبابرة لأنه يحترم القوة ويقتل المساكين لأنه يحتقر الضعف، إنه الانتكاس القلبي والانحراف الفكري، ولو مال أبو بكر "المرشد" إلى رأي "التنظيم" وتوانى عن ذبح المرتدين لهلك الـدين وهلك المؤمنون، ولو مال الامام صاحب السر والبصيرة إلى التنظيم الجبار الخوار لهلكت الجماعة، جاء بعد أبي بكر من ترك الحثالة يرتعون داخل الحمى بدعوى الرحمة، وجاء من بعد الامام من ترك الكلاب تجول في أركان التنظيم بدعوى الحنان، نتج عن الرحمة الخوراء ذبح الصحابة الكرام، ونتج عن الحنان الخوار ذبح السابقين بإحسان.

كنت دائما أرى كيف يتعامل التنظيم مع خيرة المؤمنين الطيبين، يكرههم، يحاربهم، ينغص عليهم حياتهم، يتمنى اليوم الذي يدمرهم فيه، يتمنى اليوم الذي يخطئون فيه فيفصلهم، لقد كان الهيكل العظمي الجاف يأكل عضلات الجماعة ويمزق أربطتها ويشرب دمها، مصاص دماء هو التنظيم، ومع أكله للحوم الرطبة المحبة الحنونة بدأت تسري في الجماعة موجة القسوة والإكفهرار والبغض، فلم يعد هناك إلا الحديد يضرب في الحديد، العظام تضرب في بعضها، اختفت المحبة وتبعتها الأخوة، ومع الجفاء والقسوة التي استشرت طفت على السطح أمراض الحقد والكدر والبغضاء والنميمة والتجسس والخيانة والمكر، ومع الانقلاب على رأس الصحبة اكتمل بدر القسوة والجفاء والمراء وسوء الاخلاق والتنطع، لم يبق إلا التنظيم وتوارت الجماعة خلف التنظيم، بقي الحديد وانهرق الزيت، تدمرت الجماعة ومرضت وانعزل رجالها الأفذاذ، بقيت الهياكل التنظيمية ومصالح التنظيم يحرسها زبانيته الذين غسل أدمغتهم بمفهوم سيادة التنظيم المطلقة على المؤمنين، لقد أجهض التنظيم الزحف وانتكس الجهاد، لقد أكل التنظيم الجماعة وصادر التربية وحاصر الصحبة وأقصى الرجال.

أحاول في هذا المحور أن أجيب عن السؤال، لماذا دمر التنظيم الجماعة؟ لكنني لا أصل إلى الجواب الدقيق، أحوم حول الجريمة ولا أدري سببها الحقيقي، لكني أكاد أعتقد جازما أنه إذا كان الاختراق الفكري والمعلوماتي هو السبب الظاهر، فإن السبب الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا خللا في التربية [2]، والخلل في التربية يمكن تصوره في ضعف البرنامج التربوي أو توقف المدد أو انقطاع المصحوب عن الحضرة أو إقصاء المربين وربما حتى في طريقة تنزيل التربية أو حتى في فلسفة التربية داخل التنظيم التي قامت عليها الجماعة والتي لم تستطع أن تحتوي التربية ولم تعطها فرصة لتؤتي أكلها.

هل يمكن القول أن المصحوب قد أخطأ في اختلاق التنظيم؟ أم أنه لم يستطع ضبطه وإلجام نفوس مسؤوليه الجامحة؟ أم تراه تعرض إلى انقلاب غادر؟ أم أن النظام كان أقوى وأذكى وأطول نفسا فخطف التنظيم من بين يدي الرجل وضرب التربية في العمق؟

كل الخيوط تلتقي في التربية، وقد كان المصحوب يؤكد غير ما مرة على الدور المحوري للتربية، التربية ثم التربية ثم التربية، لقد كان يعلم أنها العنصر الحاسم في استقرار الجماعة وثباتها واستمرارها وبقاء التنظيم على المحجة البيضاء، إلا أن تربية هذا الكم الكبير من المسؤولين التنظيميين ليس بالعملية السهلة، ترويضهم ليس نزهة، لكأنك تروض وحوش البرية على الاخلاق والنظام.

النموذج السابق في التربية كان أكثر نجاحا لأنه بني على الطريقة الصوفية التقليدية حيث يخضع المريد للشيخ منذ البداية، فيسهل على الشيخ تشكيله التشكيلة التي يبتغيها، أما المزاوجة بين التربية والتنظيم فهي مستجد تربوي جديد على الساحة التربوية لم يستطع التحقق على أرض الواقع، لقد سبق أن قام بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمازج بين التربية والتنظيم، فانتصرت التربية ثلاثين سنة ثم ما لبث التنظيم أن هزمها وانقلب عليها في شخص المسؤول التنظيمي والتربوي على الشام، لكننا في النموذج الحالي لا نكاد نصل حتى إلى فتح مكة بل ولا حتى تأسيس دولة المدينة، لقد أجهض التنظيم التربية وهي لا تزال في شعاب مكة طريدة، استبق دولة الفتح بتكبره اليقيني وقتل التربية قبل أن تؤتي أكلها.

لكأن الأمر يحتاج إلى إعادة البناء من جديد ورجوع إلى عزلة حراء، لعل ذكر الله والإختلاء مع الله يكون فاتحة خير على المؤمنين، لعل رحمة الله تصيب التنظيم فيرجع الى حظيرة أهل الله وحضرة النبوة ويرفع يده عن الجماعة ويطلق سراح أهل التربية يعملون عملهم في الأمة.


📌 الهوامش

  1. [1] جعل أبوبكر الصديق رضي الله عنه على أنقاب المدينة حُرَّاسًا، وجعل عليهم أمراء، فمن الأمراء الذين جعلهم أبو بكر علي بن أبي طالب ٢- الزبير بن العوام ٣- طلحة بن عُبيد الله ٤- سعد بن أبي وقاص ٥- عبدالرحمن بن عوف ٦- ابن مسعود، فجعلت وفود العرب تَقْدُم المدينة للقاء أبي بكر الصديق يُقرُّون بالصلاة، ويمتنعون عن أداء الزكاة. فقال الصحابة لأبي بكر الصديق: نتركهم وما هم عليه من منع الزكاة، ونتألفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، ثم يُزكُّون. فرفض أبوبكر الصديق ذلك رفضًا قاطعًا، وقال له عمر رضي الله عنه: علام نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم. . »، ثم قال عمر رضي الله عنه لأبي بكر: " تألف الناس يا خليفة رسول الله وارفق بهم". فقال أبوبكر لعمر رضي الله عنهما: " رجوت نُصرتك، وجئتني بخُذلانك، أجبار في الجاهلية خوَّار في الإسلام، إنه قد انقطع الوحي، وتم الدين، والله لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا (هي أنثى ولد الماعز) كانوا يُؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. قال عمر: فوالله ماهو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. قال الحافظ في الفتح: وفي هذه القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطَّلع عليها آحادهم، ولهذا لا يُلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تُخالفها، ولا يُقال كيف خفي ذا على فلان؟ وقال الحافظ ابن كثير: استطاع أبوبكر الصديق رضي الله عنه أن يرد شارد الدين بعد ذهابه، ويرجع الحق إلى نصابه.
  2. [2] ". . مطلب العدل والإحسان الذي يبدأ من البداية الوحيدة الصحيحة: التربية ثم التربية ثم التربية. . . . ذكرنا أن مرض الأمة هو حب الدنيا وكراهية الموت كما وصفه النطق النبوي المعصومُ. وذكرنا أن أعراض هذا المرض الغثائي تتجلى في انعدام التربية الإسلامية الإيمانية الإحسانية، وفي الولاء للقومية، وفي الطبقية، وفي فساد الحكم. لكون الأعراض الثلاثة الأخيرة تترتب على السبب الأول نقول: علاج هذا المرض العضال التربية. منَعة أجيال مومنة محسنة. في قلب المسلم الفرد وعقله ونفسه وخلُقه ومروءته تحتدم المعركة الحاسمة بين الإسلام والجاهلية. فسلاح القتال إنما تعطيه التربية. قوة أجيال نُشِّئت على الإيمان والإحسان والجهاد في سبيل الله." الاحسان، ج2، ص521

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية