فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

هل للتنظيم دين؟

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 44 من 77 — فهرس الكتاب

لا نناقش هنا دين الافراد، إسلام، مسيحية، يهودية، إلحاد، فالأشخاص الطبيعية تختار من الديانات ما تشاء وتُنظم حياتها تبعا لتعاليم تلك الديانة، لكننا نريد أن نستشف دين التنظيمات، بأي دين تدين؟ وإلى أي عقيدة وأي شريعة تميل؟ خاصة التنظيم الاسلامي، هل يدين بدين الشريعة المحمدية في عباداتها وأخلاقها ومعاملاتها وكيفية تنظيمها للشأن الخاص والعام؟ أم أنه يؤمن ببعض الكتاب وبعض السنة ويكفر ببعض؟ أم أنه يصبح مؤمنا ويمسي كافرا؟ أم تراه تحرر كليا من الاسلام والتحق بدين الميكيافيلية؟

يصف الناس التنظيم السياسي الذي يستقي مبادئه من القرآن الكريم والسنة النبوية ويريد تطبيق الشريعة الاسلامية [1] بأنه تنظيم إسلامي، يُضفون عليه صفة "إسلامي" كونه يُطبق الاسلام في نفسه افتراضا ويسعى إلى تطبيق الإسلام على الارض مستقبلا، والمنخرط في التنظيم الاسلامي يعتقد أول مرة أنه داخل كيان مجتمعي يدين بدين الاسلام ويعمل لنشر الاسلام، وأول شيء يتعلمه هو أن الاسلام دين ودولة، فشريعة الاسلام تمس الحياة الخاصة من عبادة وزواج وتطال الحياة العامة من تجارة وسياسة، فلا تمييز بين المسجد والادارة، إلا من حيث أن كلاهما مكان لتطبيق جانب معين من الشريعة المحمدية، فالمسجد للعبادة والسوق للمعاملات والادارات العمومية لإدارة شؤون الدولة.

هذه الفكرة لا يحملها التنظيم الاسلام وحده بل يؤمن بها المجتمع المسلم ككل، ففي أرض المسلمين جميع الناس تعتقد أن الاسلام دين و دولة، بل إن الانظمة السياسية في بلاد المسلمين لا تستطيع أن تتجرأ وتقول بأنها أنظمة علمانية، فدسترة الدين شيء متعارف عليه في الانظمة الدستورية عند المسلمين، وهنا يتميز المجتمع المسلم عن المجتمعات الانسانية الاخرى التي ترى أن الدين شيء والتنظيم السياسي أو الاداري شيء آخر، فالدين له مؤسسات خاصة قائمة بذاتها ورجال متخصصون في الدين وأماكن مخصصة للعبادة يحرم فيها ممارسة أعمال السياسة، وهناك من الجهة الأخرى أشكال سياسية وأنظمة إدارية أو اقتصادية أو اجتماعية لا علاقة لها بالدين لا من قريب ولا من بعيد، بل تمارس السياسة والادارة بعيدا كل البعد عن أي تأثير ديني.

في المجتمع المسلم إذن يختلط الدين بالحياة وبالسياسة وبالإدارة وبالاقتصاد دون أن تكون له مؤسسات خاصة أو رجال أوصياء، فالدين لله وليس ملكا لأحد، ليس ملكا لأي إنسان ولا لأي نظام ولا لأي تنظيم، الدين عند المسلمين شيء مُشاع تجده في جميع مناحي الحياة، بل ويؤثر في سياسة الناس واقتصادهم وحياتهم الشخصية بشكل مباشر، فمن أين إذن حصل التنظيم الاسلامي على لقب "إسلامي"؟ وكيف تميز بهذا الوصف عن غيره من المؤسسات الأخرى في بلاد المسلمين؟ وكيف قفز على منصة الدين وأخذ اللقب؟

لاشك أن الوصف مغلوط ويشير بوضوح إلى حالة من احتكار الدين، لكأن التنظيم وحده "الاسلامي" وغيره غير إسلاميين، أو لكأن التنظيم وحده من يتمثل الاسلام والاخرون ناقصون إسلاميا، أو لكأن التنظيم الاسلامي وحده من يريد سيادة الشريعة الاسلامية بينما يريد الآخرون سيادة الشريعة النصرانية، لقد فطن العلمانيون واليساريون وغيرهم من التيارات "التقدمية" إلى هذا اللبس المفاهيمي فصاحوا باستغلال الجماعات الاسلامية للدين، أوجعتهم النتائج الانتخابية لما كان وراءها تيار سياسي "إسلامي" يعطي لمن يتحدث باسمه أو يعمل تحت اسمه حظا وافرا من الاصوات الانتخابية.

صحيح أن الساحة خلت لمدة سنين من تيارات "إسلامية" بعد عهود الاستعمار، وانتشرت الأفكار الالحادية والحداثية والتقدمية واللينينية والتروتسكية والماوية واللبرالية والقومية وغيرها من الملل السياسية، وصحيح أن الإسلاميين كانوا في حاجة ماسة إلى شارة تميزهم عن غيرهم من التيارات المنافسة على الساحة السياسية فلم يجدوا غير الدين ينسبون أنفسهم إليه، لكننا نؤكد على أن الجميع مسلم وإسلامي وينتمي إلى هذا الدين، والاسلاميون ليسوا أكثر تدينا من غيرهم على المستوى الشخصي، بل وحتى على المستوى المؤسساتي فليس التنظيم الاسلامي أكثر إسلامية من التنظيمات الاخرى على اعتبار أن جميع أشكال الشخصيات المعنوية من شركات وأحزاب وجمعيات لا دين لها.

والراجع إلى التاريخ في بلاد المسلمين لا يجد أي نوع من الوصاية على الدين أو الحديث باسمه، فلا أحد قال بأنه إسلامي والاخرين غير إسلاميين، اللهم سلاطين الجبر الذين كانوا يتخوفون من العلماء الأفذاذ الأكثر شهرة وصلاحا وكرامة، فالصلاح كان يعني لهم الولاء، والولاء يعني حركة تجمع الناس حولها، ثم قد تثور في وجه الدولة وتُسقطها، فكان لزاما على الدولة للحفاظ على السلطة أن تحتكر الدين وتلعب على الساحة السياسية بمصطلحات الطاعة والولاء تركيعا للآخرين من باب ما يُقدسون.

المنطق السياسي إذن كان حاضرا عبر التاريخ في احتكار مؤسسة الدولة لمؤسسة الدين، حتى عند النصارى حيث كان رجال الدين يقومون بأدوار سياسية بامتياز، لكن هذا الاحتكار الديني كان أقل عند المسلمين، حيث كان يخلو الجو من أي إشارة إلى مؤسسة دينية تمثل الدين أو رجال دين يتحدثون باسم الدين كما هو نظام الاكليروس عند النصارى المكون من درجات متفاوتة من قس وأسقف ومطران وباطريارك إلخ. .، فاقتصر الأمر عند المسلمين على مذاهب فقهية مختلفة في الفروع، مجتمعة في الاصول دون وجود أي تراتبية في الدين، دين واحد، ورتبة واحدة، لكن كل مدرسة ونظرتها إلى الدين واجتهاداتها فيه.

هذا التداول للدين شعبيا أدى إلى انقسامات كثيرة بين المذاهب، تطرفت فيه أحيانا بعضها ذات اليسار إلى الحدة وتكفير الاخرين وإخراجهم من الملة، وتساهلت الأخرى وفتحت الباب للجميع في إطار الاجتهاد وتقبل الاختلاف وصون الأمة من الحروب الدينية فكانت أكثر واقعية وتماشيا مع تعاليم الاسلام الحنيف، فالقرآن واضح والسنة واضحة والحلال بين والحرام بين، ولا داعي للاقتتال على أساس الاجتهاد أو الوصاية على دين مشاع بين الناس تركهم فيه نبيهم الكريم على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، هالك لنفسه لا لغيره، وبهذا نجت الأمة من التسلط الديني والفهم الكهنوتي.

نريد بهذا الكلام نظريا بالدرجة الاولى أن نسحب كلمة "إسلامي" من عناوين التنظيمات الاسلامية لأنها وفق المنظور الفكري ليست إسلامية بل مُسلمة، فالجميع مُسلم، هذه التنظيمات هي في الاحوال العادية حركات سياسية تريد ممارسة السياسة والوصول الى الحكم طبعا مع احترام الدين الاسلامي، وفي أحسن الأحوال حركات دعوية تربوية تدعو إلى ما جاء به الاسلام من مكارم الاخلاق وعبادة الله الواحد الأحد، لكنها ليست بالضرورة مُتمثلة في ذاتها لقيم الاسلام وليست النموذج المثالي الذي يقدمه الاسلام وليست وصية على الاسلام ولا حق لها مطلقا للحديث باسم الاسلام وتعليق شعار الاسلام خلف ظهرها، فهي حركات بشرية دعوية أو سياسية تدعو إلى اعتماد ما جاء به الاسلام كتابا وسنة واجتهادا من تعاليم وعبادات وأخلاق ومعاملات وسياسات عامة، كل حركة حسب فهمها وحسب إرادتها وحسب تمكنها من العلوم، على أن هناك حالة ثالثة وهي الحالة الاسوأ وهي عندما تستغل هذه الحركات مفهوم "إسلامي" للوصول إلى السلطة، نعني بذلك الوصول إلى السلطة لتحقيق المآرب الشخصية، وإلا فإن من حق الجميع الوصول إلى السلطة وفق الطرق الشرعية للمساهمة في خدمة الصالح العام.

هذا من الناحية المفاهيمية أما من الناحية الواقعية فالتنظيم الاسلامي ليس حريصا لتلك الدرجة على الشريعة الاسلامية وإن كان يُنسب إليه أنه إسلامي، فكلمة إسلامي تشير بشكل مغلوط إلى أن التنظيم الاسلامي مُكون وفق الاسلام وتعاليم الشريعة الاسلامية، يبالغ بعضهم فيدعي أنه نسخة طبق الاصل من الاسلام، فينسب التنظيم الى الاسلام نسبة مطلقة ويأخذ صفة "إسلامي"، لكن الحقيقة أن التنظيم الاسلامي ليس بالضرورة أن يكون منسجما مع شريعة الاسلام، وقد وقفت على هذا الأمر بنفسي فوجدت أن أغلب أمراء التنظيم غير مقتنعين أصلا بالشريعة الاسلامية بل ومتأُثرين إلى حد كبير بالفكر الحداثي الغربي، وكثير من المنتسبين إلى التنظيم الإسلامي هم أشد عداوة للشريعة الاسلامية من العلمانيين، خاصة فيما يتعلق بالحدود الشرعية والتعدد، تحس كأنهم نصارى وليسوا مسلمين، فما يميزهم عن باقي الحركات العلمانية ليس سوى المظاهر والشكليات.

الحقيقة التي وقفت عليها هي أن التنظيم لا دين له، دينه البرغماتية والمصلحية والمكيدة والميكيافيلية، كما أنه لا نية له بتاتا في تطبيق الشريعة الاسلامية خاصة النساء المنتسبات اليه لعقدة التعدد لديهن، ولا أعتقد بتاتا أن التنظيم الاسلامي إذا تمكن غدا من السلطة أنه سيطبق الشريعة الاسلامية، أغلب الظن وبالنظر إلى نوعية المسؤولين الذين عرفتهم سنوات طويلة أنه سيطبق القانون الوضعي المستورد من الغرب مع روتوشات شكلية توحي بإسلامية الدولة التي ستكون في عمقها دولة علمانية، روتوشات اسلامية شكلية في المظهر واللباس والبروتوكول، بمعنى أن التنظيم الاسلامي لا يكاد يميزه عن باقي التيارات الحداثية والانظمة الحاكمة اليوم سوى اللحية والجلباب.

معنى ذلك بكل وضوح أن الصراع ليس من أجل تطبيق تعاليم الاسلام بل من أجل السلطة.

الحقيقة التي يعرفها اليوم كثير من المؤمنين هو أن للتنظيم دين واحد فقط، هو المصلحة، فالقبلة التي يُصلي التنظيم جهتها هي المصلحة، فإن رأى فيك مصلحة فهو عبدك وابن أمتك، وإن رأى فيك غير ذلك فأنت عدو وضال ولم تفهم المشروع، والمفترض أن صفة الاسلامي التي يرفعها التنظيم الاسلامي تخالف هذا المنطق، فالتنظيم الاسلامي يجب أن يكون مع الحق قلبا وقالبا، الحق هو العدل، والعدل هو الله، فالكينونة مع الله هي الكينونة مع الحق، والله فرض طاعته وطاعة رسوله وتطبيق شريعته ولم يفرض طاعة المصلحة، العدل أساس الدين، والاحسان روح الدين، فأينما كان العدل فثمة شريعة الاسلام، وأينما كانت شريعة الاسلام فثمة العدل، وأينما كان الاحسان فـثمة حقيقة الدين، وأينما كانت حقيقة الدين فثمة مادة الاحسان.

إنها لخرافة كبيرة تلك التي يتم الترويج لها والتي مفادها أن التنظيم الاسلامي يسعى إلى إقامة الاسلام، حاشا لله، فوالله الذي لا إلاه إلا هو لقد رأيت من أمراء التنظيم الاسلامي من هو أشد كرها للشريعة الاسلامية من زعماء اليسار، حتى أن بعضهم يستهزئ بك ضاحكا إن تحدثت له عن تطبيق الشريعة الاسلامية ويقلل من قيمتك أمام الاخوان بالتنابز والاستخفاف لكأنك غبي أو مُتخلف أو حمار، ثم وأنت تذكر الشريعة الاسلامية وتطبيقها نظر إليك نظرة ازدراء واحتقار.

التنظيم الاسلامي اليوم يبتسم مشجعا للملتحي الذي يستمع الاغاني الجميلة ويلبس اللباس العصري الأنيق الموضة الباهض الثمن، الملتحي الذي يغضب إذا ذكرت ماركة سيارته أو فريقه المفضل في الكرة بسوء أو تحدثت باستخفاف عن الحضارة الفرنسية أو قللت من شأن قانون الأسرة المستورد من الاتفاقيات الدولية، يستلقي على قفاه من الضحك إذا ذكرت رجولة الرجل وقوامته ووجوب تميزه عن المرأة، ينظر إليك وكأنك قد سقطت من يثرب، فهو يرى نفسه امرأة مساويا للمرأة، وأنت تبحلق في تقاسيم وجهه "الاسلامي" لا تكاد تفرق بينه وبين المرأة وهو يحدثك عن المساواة، وحين تنهره زوجته الممتلئة بالثقافة المستوردة يحني لها رأسه ذليلا ويقول لك هذه سنة نبوية، تأمره الداخلية أي الزوجة كما يسمونها في التنظيم فـينفذ أوامرها كالعبد، ثم يحدثك بعد ذلك عن إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

خلافة على منهاج الديوثية الملتحية العار على الرجولة وعلى الاسلام.

إن استهلاك الشريعة الاسلامية يتم فقط في المراكز الدنيا للتنظيم الاسلامي حتى يتم جلب وتثبيت العناصر الجديدة واقناعها بأن التنظيم هو فعلا تنظيم إسلامي بامتياز، تنظيم يسير وفق شريعة الاسلام وأخلاق الاسلام وتعاليم الاسلام، فيسلم بذلك الوافدون نفوسهم للتنظيم يفعل بهم ما يشاء مغشوشين بأن التنظيم هو تنظيم "إسلامي" يسير على دين الاسلام، لكن المخدوعين كلما ارتفعوا في التنظيم قليلا سيلحظون انخفاض نبرة الشريعة الاسلامية وارتفاع نبرة السياسة والمصلحة، سيُحسون تدريجيا أن الأمر لا علاقة له بالإسلام، وسيُحسون بالمكيافيلية المصلحية واضحة أمامهم في كل خطوة، لكأن كلمة اسلامي موجهة للاستهلاك في المستويات الدنيا وأمام الاغيار فقط، أما الأذكياء الفاهمون الواصلون الذين يصلون إلى مراكز متقدمة من السلم الاماري داخل التنظيم فهم متحررون من كل ما هو إسلامي أو يمت إلى الاسلام بصلة، إنهم يتصرفون بناء على المصلحة لا على أساس "إسلامي".

ولذلك تجد العناصر البسيطة في التنظيم الاسلامي هي الأكثر اقتناعا بالشريعة الاسلامية وأكثر حرصا عليها من المسؤولين التنظيميين، وهي الاكثر اقتناعا بالتربية والأكثر التزاما بحضور المجالس التربوية، وقد وقفت على هذا الأمر مرارا وتكرارا، حتى تحس أن المسؤول التنظيمي لا يُصلي إلا مُكرها تماشيا مع المصلحة، بينما يصلي العضو البسيط بكل خشوع وإيمان وصدق، يتذرع المسؤول دائما في تأخيره للصلاة بالمسؤوليات التنظيمية الخطيرة والكبيرة الملقاة على عاتقه، وأحيانا يجمع الصلوات، قاسي القلب، عابس في وجه المساكين، ناهر للفقراء، يمارس النفاق في علاقاته الشخصية، وأحيانا يخرق الشريعة جهارا نهارا ولا يتململ ولا يتعرق ولا يطرف له جفن ولا يحس بأي ذنب، بينما ترى العضو البسيط أكثر تشددا في الحدود الشرعية، لطيفا في علاقاته مع الناس، متشبثا بالشريعة الاسلامية، وأينما وجد أمرا حرمه الله ابتعد عنه حرصا على آخرته وعلى سمعة الاسلام، يعذبه ضميره إذا ما ارتكب فعلا بسيطا في ميزان الشريعة.

نلاحظ أن الشريعة الاسلامية لا مكان لها إلا في قواعد التنظيم، بينما يمارس مسؤولو التنظيم النفاق الاجتماعي عندما يتكلفون بعض الطباع الاسلامية كي يستمروا في كذبة الايحاء بأن التنظيم "إسلامي"، نقول هذا بكل صراحة لنقوض فكرة أن علاقات التنظيم مبنية على أُسس دينية، فالأجهزة التنظيمية لا دين لها، والمسؤولون التنظيميون الاسلاميون لا يقيمون للشريعة الاسلامية أي وزن، الدين فقط للأشخاص الطبيعية التي من لحم ودم من المؤمنين البسطاء، أما التنظيمات فلا دين لها في جميع الاحوال، دينها المصلحة والمكاسب السياسية والمالية، دينها الخطط والأوراق والبرامج والحسابات والمكاسب والخسائر ولا شيء غير ذلك.

تظهر بجلاء قاعدة أن التنظيم لا دين له داخل بعض الأجهزة والقطاعات الداخلية في التنظيم الاسلامي السابحة في فلك الجناح السياسي للتنظيم، فلا يُتصور مثلا أن يدافع رجل قانون منتمي إلى تنظيم إسلامي عن الشريعة الاسلامية، وإن وقعت نازلة قانونية ولو داخل التنظيم فهو يتعامل معها بكل روح قانونية بعيدا عن استحضار أي قول للشريعة الاسلامية، الاسلام مُغيب تماما، وقس على ذلك باقي أجهزة التنظيم في جميع ميادين الادارة والاقتصاد والسياسة والتدبير، هناك غياب كلي لثقافة الاسلام وتعاليم الاسلام ومقتضيات الشريعة الاسلامية، وبذلك يكون وصف "إسلامي" للتنظيم الاسلامي مجرد هراء وذر للرماد في العيون لأهداف سياسية تستغل حب الشعب المسكين للدين وأمله في أن يكون الاسلام والتنظيم "الاسلامي" حلا لمشاكله المعيشية.

التنظيم لا دين له حتى على المستوى التربوي، والتربية الايمانية الاحسانية هي روح التنظيم، فالروابط الدينية الاجتماعية الاسلامية والمعاني الرقيقة للإسلام من قبيل الرحمة على المؤمنين والحب في الله والاهتمام بأمر المؤمنين غائبة داخل التنظيم الاسلامي، مجرد مزايدات وكلام لا تطبيق له، فعندما يجد الجد تجد نفسك محزما بالهراء ولن يرحمك أحد، "رحماء بينهم" تجدها في دين محمد وأصحابه لا في دين التنظيم الاسلامي، بل إن التنظيم سيذبحك بطرقه الباردة إن حاولت إثارة نقاش حول غياب المحبة وانتشار المحسوبية والمصلحية داخل التنظيم، والمفروض أن التنظيم الاسلامي مبني وفق نعت "إسلامي" على الحب في الله وذوبان الذوات المؤمنة في بوتقة واحدة والالتزام بمصير واحد [2].

هذه المحبة هي ما كان يميز التنظيم الاسلامي أيام المأثورات بداية الشرارة الاولى للحركة الاسلامية، لكن تبين لاحقا أن الأمر صعب، فالحب في الله صعب المنال، بل هي السياسة والمصلحة ما يبرر دائما تحركات التنظيم وعلاقته بأعضائه وبفرقائه، تمثل أمامي من المؤمنين نماذج كثيرة تدمي القلب وتبكي العين لم تجد أقل القليل من الحب والاهتمام من قيادات التنظيم "الاسلامي" ممن يدعون الاسلام والعمل على تطبيق الشريعة الاسلامية وإقامة الخلافة الاسلامية، إن معاني المحبة والأخوة داخل التنظيم الاسلامي مجرد هراء، وهراء كبير، ولقد كان عشمنا كبيرا أن يكون التنظيم الاسلامي متمثلا كل معاني الاسلام القلبية وشريعته المعاملاتية، لكن خاب أملنا، فلا شريعة ولا حقيقة للأسف.

لكننا نشير بصدق إلى أن التنظيم وأمراؤه يختلفان جذريا عن القائم بالله وحوارييه، ولي الله الذي قد يكون على رأس التنظيم وقد يطيح به التنظيم بهدوء، لكن توضيح الجهاز المفاهيمي الذي نستعمله أمر ضروري كي لا يقع خلط الاوراق، فالقائم بالله والرجال الذين صدقوا الله معه قوم مع الله قلبا وقالبا، فهم الشريعة تمشي على الارض، قرآن يمشي على الارض كما كان يمشي رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا بين الناس، ولذلك تجد أن ولي الله أكثر الناس تمثلا للشريعة في نفسه ومع الناس، بل إنه يعيش عمق الشريعة الاسلامية وهي الحقيقة، فالحقيقة الربانية هي روح الشريعة وغاية الشريعة ومضمون الشريعة، فولي الله القائم بالله شيء آخر غير الأصنام الحجرية التي تحكم التنظيم، ولي الله هو رحمة من الله وهو يختلف كليا عن أجلاف التنظيم، ولا يمكن للرحمة الالاهية أن تخالف الشريعة الربانية، وكذلك حواريو الامام، عباد الله القائمين بالله، الصديقون، قوم فنوا في الله فلا غاية لهم إلا خدمة دين الله والدلالة على الله ونصرة شريعة الله.


📌 الهوامش

  1. [1] الشريعة الإسلامية هي ما شرعه الله لعباده المسلمين من أحكام وقواعد ونظم لإقامة الحياة العادلة وتصريف مصالح الناس وأمنهم في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة، في شعبها المختلفة لتنظيم علاقة الناس بربهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة. فمن يحقق هذه الكليات أو يقترب منها فهو على شريعة الله بصرف النظر عن هويته ونوع انتمائه فالله يحاسب الناس على الأعمال والنيات، والشريعة الإسلامية ذات دلالة موسوعية تتسع لكل جهد إيجابي يبذل لعمارة الأرض ويستثمر مكنوناتها لصالح حياة الإنسان وكرامته، وتتسع لكل ما يحقق للإنسان صحته وغذاءه وأمنه واستقراره، وتتسع لكل ما يعزز تنمية آمنة وتقدم علمي نافع وارتقاء حضاري راشد.
  2. [2] " الجنة ممنوعة علينا ما لم نتحابَّ في الله، وهو تحاب يلقيه الله على هذه الأمة المرحومة، على المؤمنين المتقين، يتذوقونه وتحلو الحياة به وهي مرة." عبد السلام ياسين، "الإحسان". ج 1. ص 188.

◀ الفصل السابق: الفشل التربوي

🔖 فهرس الكتاب

الفصل التالي: أخلاق التنظيم

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية