فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المحور العاشر : المسؤولية التأديبية والمدنية والجنائية للبنكي

📖 القانون البنكي — الفصل 11 من 12 — فهرس الكتاب

مدخل

يعتبر البنك بمثابة تاجر في النقود والائتمان الشيء الذي قد يدفع هذا الاخير إلى مخالفة القواعد القانونية المنظمة له وذلك من أجل الحصول على ربح أكبر، فالتطور الذي يعرفه العمل البنكي والتجاوزات والإخلالات المرتكبة أحيانا من طرف الأبناك كمؤسسات تجارية جعل المشرع يتدخل بنصوص قانونية يترتب على مخالفتها تحمل البنك مسؤولية ذلك.

مسؤولية البنك ليس مبدأ جديدا، فهو يخضع فيما يخص الأخطاء والتجاوزات التي يرتكبها للقوانين المنظمة له للمسؤولية، ذلك أن إخضاع البنك في نشاطه وأعماله للمسؤولية ليس فيه أي تعارض مع مصالحه، بل إن مسؤوليته تشكل دافعا قويا للدخول في معاملات تجارية معه.

هذا إضافة إلى أن البنك يكون مسؤولا عن أفعال مستخدميه وكل ما يصدر من جانبهم من أخطاء نحو زبنائهم وإهمالهم لأداء خدماتهم التي يتعهدون بها طبق القانون والتنظيمات وبكفاءة.

وقد خولت السلطات الحكومية الحق في إنزال العقوبات المنصوص عليها في القانون على المؤسسة التي لا تعمل على احترام المقتضيات القانونية المتعلقة بالمهنة، وإلى جانب هذه المقتضيات التي تتضمن قدر كاف من الحماية يلتزم البنك بتنفيذ جملة من الالتزامات القانونية التي تفرضها عليه ضوابط المهنة وعاداتها.

والمؤسسات البنكية عند قيامها بالأعمال المنوطة بها قد تقع في بعض الأخطاء التي تلحق ضررا بالزبائن أو الأغيار وهذا ما يجعلها مسؤولة مسؤولية قانونية، يتم تكييفها حسب نوع الخطأ المرتكب فتكون إما مسؤولية أخلاقية أو تأديبية أو مدنية أو جنائية.

أولا : المسؤولية التأديبية للبنك

يلتزم البنك بتنفيذ جملة من الإلتزامات القانونية التي تفرضها عليه ضوابط المهنة وأعرافها.

حالات قيام المسؤولية التأديبية للبنك

جاء في المادة 172 من قانون 103.12، بأن مؤسسات الائتمان والهيئات الأخرى الخاضعة لمراقبة بنك المغرب التي تخالف أحكام هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه تتعرض للعقوبات التأديبية المنصوص عليها في الباب الأول من القسم الثامن من نفس القانون، وذلك دون إخلال بالعقوبات الجنائية المنصوص عليها في هذا القانون أو بالعقوبات المقررة في النصوص التشريعية الخاصة.

في حين سطرت المادة 173 الحالات التي يخول فيها لبنك المغرب توقيع عقوبات تأديبة على مؤسسات الإئتمان المخالفة للمقتضيات القانونية المقررة.

بدراسة تحليلية لمقتضيات المواد المشار إليها في المادة 173، يمكننا إجمال هذه الحالات الموجبة للمسؤولية التأديبية لمؤسسات الائتمان في الآتي :

حالة عدم مراعاة مؤسسات الائتمان للسقف المحدد بمنشور يصدره والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان عند مساهمتها بصفة مباشرة أو غير مباشرة في منشآت موجودة أو مزمع إنشاؤها.

حالة عدم إشعار مؤسسات الائتمان لبنك المغرب وفق الكيفيات المحددة بـ:

تنظيمها واستراتيجيتها ،

كل تغيير يطرأ على أنظمتها الأساسية ،

البرنامج السنوي لتوسيع شبكاتها بالمغرب أو الخارج،

كل فتح لوكالات أو شبابيك أو مكاتب تمثيل أو إغلاقها أو تحويلها بالمغرب أو الخارج.

حالة عدم تبليغها إلى بنك المغرب جميع الوثائق والمعلومات اللازمة لحسن سير المصالح ذات الاهتمام المشترك المشار إليها في المادة 160.

حالة عدم تقيدها بالقرارات المحددة للحد الأقصى للفوائد التعاقدية وأسعار الفائدة التي يمكن تطبيقها على الادخار والشروط المتعلقة بتوزيع القروض من خلال اتفاقيات مع المؤسسات المعنية.

حالة عدم التزامها بمسك محاسبتها وفق أحكام القانون وحسب الشروط المحددة بمنشور يصدره والي بنك المغرب.

حالة عدم مسك مؤسسات الائتمان الموجودة مقارها الاجتماعية بالخارج والمعتمدة لمزاولة نشاطها في المغرب، محاسبة للعمليات التي تقوم بها بمؤسساتها الرئيسية المقامة في المغرب.

حالة عدم تقيدها بمسك بيانات محاسبية والقوائم الملحقة وكل وثيقة تساعد بنك المغرب على إجراء المراقبة.

حالة الإخلال بنشر القوائم التركيبية المشار إليها في المادة 73،وفق الشروط المحددة بمنشور يصدره والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة.

حالة التقصير في التقيد بالقواعد الاحترازية المحددة بمناشير يصدرها والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان .

حالة إخلالها بإحداث نظام ملائم للمراقبة الداخلية وفق الشروط المحددة بمنشور يصدره والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان.

حالة عدم موافاة بنك المغرب بجميع الوثائق والمعلومات التي يطلبها واللازمة للقيام بمهمته في المراقبة.

حالة عدم الانخراط في الصندوق الجماعي لضمان الودائع أو الإخلال بالمساهمة في تمويله وفق الشروط المحددة بمنشور يصدره والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان.

حالة الإخلال بمقتضيات إقفال الحسابات التي تمسكها إذا لم يقم أصحابها أو ذوو حقوقهم بأية عملية أو مطالبة منذ عشر سنوات، أو إغفالها واجب إعلامهم داخل أجل ستة أشهر قبل انصرام المدة المشار إليها أعلاه، متى ما كانت المبالغ الموجودة في حساباتهم تفوق أو تساوي المبلغ المحدد بقرار للوزير المكلف بالمالية.

حالة الإخلال بالتزام إخبار الجمهور بالشروط التي تطبقها مؤسسات الائتمان على عملياتها ولا سيما فيما يتعلق بسعر الفوائد المدينة والدائنة والعمولة ونظام تواريخ القيمة .

حالة عدم احترام مؤسسة ائتمان للواجبات الملقاة عليها عند إغلاق لإحدى الوكالات.

حالة عدم توفرها على نظام داخلي يتلاءم مع حجمها وبنيتها وطبيعة أنشطتها وذلك وفقا للكيفية المحددة بمنشور يصدره والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان.

حالة مخالفة مؤسسة الائتمان للمقتضيات المخولة لبنك المغرب بمراقبة في عين المكان أو إحجامها على موافاته داخل آجال يحددها، بجميع الوثائق والمعلومات التي يعتبرها ضرورية.

حالة عدم تقيدها بتكوين الاحتياطيات الإجبارية لدى بنك المغرب كما هو منصوص على ذلك في القانون المنظم لبنك المغرب.

اللجنة التأديبية لمؤسسات الائتمان

تحدث لدى بنك المغرب لجنة تسمى اللجنة التأديبية لمؤسسات الائتمان من اختصاصاتها:

البحث في الملفات التأديبية المرفوعة اليها وتقديم الاقتراحات الى والي بنك المغرب في شأن العقوبات التأديبية الممكن اصدارها تطبيقا لأحكام المادة 178 أدناه ذلك ما ذكرت المادة 28 من القانون البنكي.

أما بالنسبة لتكوين اللجنة التأديبية كما تم التنصيص عليه في المادة 29 من نفس القانون فهو كالتالي:

يرأس اللجنة التأديبية لمؤسسات الائتمان نائب والي بنك المغرب أو مديره العام أو ممثل له يعينه والي بنك المغرب. وتتألف بالإضافة الى رئيسها من :

_ ممثل واحدا لبنك المغرب,

_ ممثلين اثنين للوزارة المكلفة بالمالية,

_ قاضيين يعينهما المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

كما يجوز لرئيس اللجنة أن يدعوا أي شخص يرى فائدة في الاستعانة به قصد ابداء رأيه الى اللجنة في القضية المرفوعة اليها. ولا يشارك الشخص المذكور في مداولات اللجنة.

كما يتولى بنك المغرب أعمال كتابة اللجنة.

كما نصت المادة 30 من نفس القانون على أن اللجنة التأديبية تتولى اعداد نظامها الداخلي و المصادقة عليه. وتجتمع بدعوة من رئيسها و يشترط لصحة مداولتها أن يحضرها أربعة من أعضائها على الأقل، من بينهم ممثل عن بنك المغرب وممثل عن الوزارة المكلفة بالمالية وقاض.

وتتخذ اللجنة قراراتها بأغلبية أصوات الأعضاء الحاضرين. وفي حالة تعادل الأصوات يرجح الجانب الذي يكون فيه الرئيس.

كما تنص المادة 174 على أن البنك يقوم بابلاغ مؤسسة الائتمان العقوبة المالية الصادرة عليها و الأسباب الداعية الى اصدارها و الأجل المحدد لها لتطبيق أحكام المادة 175 بعده ويجب ألا يقل هذا الأجل عن ثمانية 8 أيام من توجيه التبليغ الى المؤسسة.

مسطرة المسؤولية التأديبية والعقوبات المقررة لها

في مجال التأديب بصفة عامة، وحتى يمكن إحالة الملف على أنظار الجهة المختصة لا بد من توافر واقعة يمكن تكييفها على أنها خطأ تأديبي استوجب استشارة الجهة المختصة لاتخاذ ما تراه مناسبا ، اما في المجال البنكي فإنه لا يتم تحريك المسطرة التأديبية إلا في الحالات التي يكون البنك فيها قد خالف المقتضيات القانونية، خاصة التي جاء بها القانون رقم 103.12

وبالرجوع إلى مقتضيات هذا القانون، فإننا نجد المشرع المغربي قد حدد الجهة المختصة في البحث في الملفات التأديبية للبنك وهي اللجنة التأديبية لمؤسسة الائتمان السالف التطرق إليها وإلى الأحكام المتعلقة بها.

وكأول خطوة تقوم بها اللجنة التأديبية لمؤسسة الائتمان عند قيام المسؤولية التأديبية هي استدعاء الممثل القانوني المؤسسة المعنية قصد الاستماع إليه وإبداء أقواله فيما هو منسوب إلى المؤسسة.

ويمكن للممثل القانوني للمؤسسة المعنية ان يستعين بكل شخص من اختياره للدفاع عنه، وتعمل اللجنة التأديبية لزوما على تبليغ المؤاخذات والمخالفات المنسوبة إلى الممثل القانوني مع حقه في الحصول على جميع عناصر الملف المعروض امام اللجنة

وعند إثبات المخالفات المرتكبة من طرف البنك والتي تستوجب قيام المسؤولية التأديبية، يقوم بنك المغرب بتبليغ العقوبة المالية المطبقة على البنك موضوع المسؤولية، مع ضرورة ذكر الأسباب تلتي كانت وراء إصدار العقوبة المالية وكذا آجال دفع المبالغ موضوع الغرامة،على ان لا يقل هذا الأجل عن ثمانية أيام من تاريخ توجيه التبليغ إلى المؤسسة المعنية

وتقتطع المبالغ المطابقة للعقوبات المالية مباشرة من حسابات مؤسسة الائتمان التي تتوفر على حساب لدى بنك المغرب، أما مؤسسات الائتمان التي لا تتوفر على حساب لدى بنك المغرب أن تدفع المبالع إلى شبابيك بنك المغرب حسب مقتضيات المادة 175 من قانون 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئآت المعتبرة في حكمها، ليعمل بنك المغرب عند انتهاء كل سنة محاسبية على دفع المبالغ المشار إليها غي المادة 175 إلى الخزينة

العقوبات التأديبية للبنك

لقد خصص المشرع القسم الثامن من القانون البنكي للعقوبات التأديبية والجنائية، وما يهمنا بالدراسة في هذا المطلب هو العقوبات التأديبية والتي افرد لها المواد من 172 الى 179 والمتعلقة بالمسؤولية التأديبية للبنك تجاه مؤسسات الائتمان والهيئات الاخرى الخاضعة لمراقبة بنك المغرب.

جاءت المادة 172 لتبين أنه بالإضافة للعقوبات الجنائية المنصوص عليها في القانون البنكي او في باقي التشريعات الخاصة فإن مؤسسات الائتمان والهيئات الأخرى الخاضعة لمراقبة بنك المغرب التي تخالف أحكام هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه، تتعرض للعقوبات التأديبية المنصوص عليها في المواد من 173 الى 179.

وفي حالة إذا ما اذا ظل التحذير أو الإنذار المنصوص عليهما على التوالي في المادتين 85 و 88 دون جدوى، جاز لوالي بنك المغرب بعد استطلاع رأي اللجنة التأديبية لمؤسسات الائتمان :

-توقيف واحد أو أكثر من المسيرين ،

-المنع أو الحد من القيام ببعض العمليات من قبل مؤسسة الائتمان ،

-تعيين مدير مؤقت ،

-سحب الاعتماد.

وبعد استيفاء بنك المغرب للمسطرة التأديبية في حق المؤسسات البنكية يجوز له أن ينشر في وسائل الاعلام التي يراها ملائمة العقوبات التأديبية الصادرة في حق مؤسسات الائتمان، فقد تحدث حسن بنحليمة مدير الإشراف البنكي لبنك المغرب في ندوة صحفية عن بعض العقوبات التأديبية التي طالت خمس مؤسسات مالية، لكنه لم يكشف بالتفصيل عن الاسباب التي دعت إلى ذلك، كما أعلن عن اصدار بنك المغرب عقوبات تأديبية في حق مؤسستين بنكيتين في بسبب إخلالهما بالقانون البنكي، كما أعلن عن عقوبات تأديبية طالت كذلك شركة للتمويل، وجمعية للقروض الصغرى، لعدم احترامهما للقانون البنكي.

ثانيا : المسؤولية المدنية للمؤسسة البنكية

يترتب عن إخلال المؤسسة البنكية بالأحكام المنظمة لعملها قيام المسؤولية المدنية، كما قد تقوم مسؤولية البنك المدنية عن أفعال أحد مستخدميها.

المسؤولية المدنية للمؤسسات البنكية عن أفعالها

أولا : المسؤولية المدنية للمؤسسات البنكية قبل ابرام العقد

واجب الاستعلام

من مقدمات الالتزامات البنكية على عاتق المؤسسة البنكية عند طلب أحد الأشخاص الاستفادة من الخدمات التي تقدمها وخاصة طلب القروض، هو واجب الاستعلام عن وضعية الشخص المالية سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا، حيث إن التزاما يقع على عاتق المؤسسة البنكية قبل الإقدام على إقراض الزبناء يتمثل في ضرورة التأكد من وضعيتهم المالية و ذلك حتى لا يساهم قرار البنك بالموافقة على القرض في تأزيم الوضع المالي للزبون المقترض.

و قد حث المشرع المغربي المؤسسات البنكية على ضرورة اتخاذ الاحتياطات اللازمة من خلال اتخاذ مجموعة من الاحتياطات وعلى رأسها ضرورة تعيين مراقبين للحسابات تكون مهمتهم التأكد من صحة الوثائق المحاسبية التي يدلي بها الزبناء طلبا للقروض، سواء كانوا أشخاص طبيعيين أو معنويين.

و هكذا فقد أكد المشرع المغربي في المادة 70 من القانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها على أنه : ”  تلزم مؤسسات الائتمان بتعيين مراقبين اثنين للحسابات بعد موافقة بنك المغرب وتحدد كيفيات الموافقة بمنشور يصدره والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان.” كما حدد مأمورية هؤلاء المراقبين في ما تم التنصيص عليه بالمادة 72 من نفس القانون

ذلك أن العمل على ضرورة الارتكاز على مراقبة المراقبين المحاسبيين توفر للبنك السند معفي من المسؤولية المدنية عند عزمها تمكين الزبون من قرض معين، كما أن نفس المراقبة هي التي قد تكون سببا في تحميل المؤسسة البنكية المسؤولية عما قد يلحق الزبون من مخاطر بعد تسلمه للقرض.

واجب الإعلام

الالتزام بالإعلام حسب تعريف بعض الفقه هو ” التزام يفرض على أحد المتعاقدين أي المدين إعلام المتعاقد الأخر أي الدائن بكافة الوقائع والمعلومات التي تكون منتجة ولازمة لتكوين رضاء حر مستنير أو لضمان حسن تنفيذ العقد”.

وتتضمن النصوص القانونية المنظمة للمهنة البنكية عدة مقتضيات تتعلق بجوانب الإعلام والإخبار، فالبنكي ملزم بإعلام الزبناء بالشروط الأساسية للخدمات الائتمانية التي يعرضها عليه كما يُلزم بإعلام الزبون المستهلك بأسعار الخدمات المقدمة و الشروط الخاصة بها عن طريق وضع علامة أو ملصق أو إعلام بأية طريقة مناسبة فجهل الزبون بالمعلومات البنكية يولد التزام المؤسسات البنكية بإعلام الزبون بكل دقائق العملية الائتمانية المطلوبة بشكل يمكنه من التعاقد وهو على بينة من أمره.

و من خلال قراءتنا للقانون 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك نجد أن المشرع ألزم المؤسسات البنكية من خلال المادتين 3 و 4 بالإدلاء بكافة المعلومات و البيانات الجوهرية و المؤثرة المتعلقة بالسلعة أو الخدمة محل التعاقد.

إن تكريس المشرع المغربي لفكرة الالتزام بالإعلام مرده أساسا خلق نوع من التوازن العقدي في المعاملات البنكية، لكي يكون الزبون على علم كامل بمضمون العقد الذي سيبرمه مع المؤسسة البنكية.

ثانيا : المسؤولية المدنية للمؤسسات البنكية عند تنفيذ العقود البنكية

تلعب البنوك دورا كبيرا في تجميع و تعبئة الموارد المالية الوطنية و الاجنبية عن طريق الادخار، و إعادة توجهيها بتشجيع الانتمان، و اذا كان هذا الأخير يقتضي تمويل المشاريع و منح القروض و غيرها من العمليات، فإن أغلبية البنوك لا تستطيع أن تؤدي هذه الوظيفة بالاعتماد على مواردها الخاصة، بل تستعين بأموال الزبناء ( المودع ) التي تتلقها على شكل ودائع مما استلزم على المشرع المغربي إصدار مجموعة من النصوص القانونية التي هدفها الحماية، إلا أن هذه الأخيرة التي يتمتع بها المدعون تتوزع بين الالتزامات المفروضة على البنك في إطار التعاقد أثناء تنفيذ العقد و بين الضمانات التي توفرها المؤسسة البنكية عند الإخلال بأحكام إنهاء العلاقة التعاقدية بينها و بين الزبون.

التزام البنك بحفظ الوديعة

ثار حول طبيعة عقد الوديعة النقدية جدل فقهي كبير، حيث أقام جانب من الفقه هذه الطبيعة على أساس فكرة الحفظ في حين ذهب فقهاء آخرون إلى فكرة الاستثمار و الاستغلال، هذا الاختلاف الفقهي تمخض عنه تضارب قانوني و قضائي كبير للوصول إلى تعريف دقيق.

المادة 781 من ق.ل.ع عرفت عقد الوديعة على أنه ” الوديعة عقد بمقتضاه يسلم شخص شيئا منقولا إلى شخص آخر يلتزم بحفظه وبرده بعينه.”.

و للقول بأن العلاقة التعاقدية بين هذين الطرفين يتأتى عنها التزام العميل بتسليم الوديعة إلى البنك لاعتباره عنصرا هاما لهذا لعقد، فالبنك عند التزامه بقبول الأموال المودعة لديه وجب عليه القيام ببعض التحريات عن الشخص المودع، و معرفة هويته و لو عن طريق البيانات التي يقدمها عن نفسه وكذا نماذج توقيعه و بطاقته التعريفية، لأن البنك باعتباره شخصا مهنيا يعتبر مسؤولا عن هلاك تلك الأموال و لو بسبب قوة قاهرة، فالأصل أن الشيء يهلك عند مالكه بتطبيق قاعدة الغرم بالغنم، فالبنك هنا لا يريد أجرا أو عمولة عن الوديعة النقدية بل يسعى دائما إلى النتيجة المتوخاة من جراء استعماله لها و التصرف فيها، مما يعود عليه بمداخيل طائلة.

التزام البنك برد الوديعة

تترتب المسؤولية المدنية على البنك في حالة الامتناع عن رد الوديعة إلى المودع، فطبقا للفصل 246 من ق.ل.ع ” إذا كان محل الالتزام أشياء مثلية لا يكون المدين ملتزما إلا بنفس المقدار والصنف والنوع، المبينة في الالتزام كيفما كانت الزيادة أو النقص في القيمة، وإذا أصبحت الأشياء محل الالتزام غير موجودة عند حلول الأجل، كان للدائن الخيار بين أن ينتظر حتى توجد وبين أن يفسخ الالتزام وأن يسترد ما سبق له دفعه بسبب العقد.”

فالبنك هنا ملزم برد الوديعة بالعملة التي تم بها الايداع، من نفس النوع و العدد سواء كانت عملة وطنية أو أجنبية، كما يجوز للمودع استرداد الوديعة بالعملة الوطنية وفقا لسعر الصرف السائد يوم الإيداع و ليس يوم الاسترداد، أما اذا تأخر البنك في الرد بعد استحقاق الوديعة و مطالبة المودع بها، فإنه يكون مسؤولا في مواجهة المودع عن الانخفاض الذي يطرأ على سعر العملة الأجنبية بالنسبة الوطنية.

المسؤولية المدنية للبنك عند الإخلال بأحكام انهاء العلاقة التعاقدية بين البنك والزبون

تنص المادة 503 من مدونة التجارة على أنه ” يوضع حد للحساب بالإطلاع بإرادة من الطرفين بدون إشعار سابق إذا كانت المبادرة من الزبون ومع مراعاة الإشعار المنصوص عليه في الباب المتعلق بفتح الاعتماد إذا كانت المبادرة من البنك”.

غير أنه وجب أن يوضع حد للحساب المدين بمبادرة من البنك إذا توقف الزبون عن تشغيل حسابه مدة سنة من تاريخ آخر عملية دائنة مقيدة به.

وفي هذه الحالة، يجب على البنك قفل للحساب إشعار الزبون بذلك بواسطة رسالة مضمونة في آخر عنوان يكون قد أدلى به لوكالته البنكية.

إذا لم يبادر الزبون داخل أجل 60 يوما من تاريخ الإشعار بالتعبير عن نيته في الاحتفاظ بالحساب يعتبر هذا الأخير مقفلا بانقضاء هذا الأجل…”

كما لا يمكن فسخ الاعتماد المفتوح لمدة غير معينة بصورة صريحة أو ضمنية، ولا إنقاص مدته إلا بعد إشعار كتابي للزبون أو للبنك حسب الحالات وانتهاء الأجل المحدد عند فتح الاعتماد دون أن يقل عن 60 يوما، وينتهي الاعتماد المفتوح لمدة معينة بانتهاء وهذه المدة غير أنه سواء تعلق الأمر بالاعتماد المحدد الأجل أو غير محدد، يمكن للمؤسسة البنكية قفل الحساب وفسخ العقد دون أجل إذا توقف المستفيد عن الدفع أو في حالة ارتكابه لخطأ جسيم في حق المؤسسة البنكية الفاتحة للاعتماد .

وكل إخلال من البنك بالمقتضيات المنصوص عليها في المادة 525 من مدونة التجارة، يتحمل المسؤولية عن هذا الإخلال بدفع تعويض للمتضرر، ونفس الحكم يقال عن قفل الحساب بالإطلاع في إطار المادة 503 نمن مدونة التجارة دون إشعار الزبون بالرغبة في الإبقاء على الحساب.

ويفسخ العقد كذلك في حالة الوفاة أو فقدان الأهلية أو إعلان إفلاس الزبون كما تنص المادة 503 على ذلك في فقرتها الأخيرة ” يقفل الحساب أيضا بالوفاة أو انعدام الأهلية أو التسوية أو التصفية القضائية للزبون “.

مسؤولية المؤسسة البنكية عن فعل مستخدميها

يكون البنك مسؤولاً عن أعمال مستخدميه تطبيقاً لمبدأ المسؤولية الناجمة عن فعل الغير، حيث أن هذه المسؤولية لا تخرج عن الاحكام العامة لمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه المنصوص عليها في الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقـود الذي جاء فيه ” لا يكون الشخص مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه بفعله فحسب، لكن يكون مسؤولا أيضا عن الضرر الذي يحدثه الأشخاص الذين هم في عهدته. الأب فالأم بعد موته، يسألان عن الضرر الذي يحدثه أبناؤهما القاصرون الساكنون معهما. المخدومون ومن يكلفون غيرهم برعاية مصالحهم يسألون عن الضرر الذي يحدثه خدامهم ومأموروهم في أداء الوظائف التي شغلوهم فيها. أرباب الحرف يسألون عن الضرر الحاصل من متعلميهم خلال الوقت الذي يكونون فيه تحت رقابتهم…”

فمسؤولية البنك إزاء الاغيار الذين لا يرتبطون به بعقد من العقود تنبني على هذا الاساس إذا كان الخطأ صادرا عن مستخدم لدى البنك كيفما كانت درجته بشرط ألا يكون رئيسا لمجلس الإدارة أو عضوا فيه لأن ذلك يشكل أساسا آخر لمسؤولية البنك.

و تنبني هذه المسؤولية على فكرة الخطأ المفترض التي تدور حول الاعتداء بالدرجة الأولى لا بالخطأ في اختيار التابع بلا خطأ في الرقابة والتوجيه .

وهذه المسؤولية شأنها شأن مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعيه ينبغي لتحققها أن يتوفر الشرطان التقليديان والمعروفان والمتمثلان في :

قيام علاقة تبعية بين المتبوع (البنك) والتابع (المستخدم) وتوجيهه .

صدور خطأ من التابع بمناسبة أدائه لوظيفته.

كما ينضاف اليها شرط جديد وهو كون المضرور ليس زبونا للبنك أو مرتبطا به بعقد لأن الخطأ المتمثل في الإخلال ببنود العقد يولد المسؤولية العقدية .

صور وحدود مسؤولية المؤسسة البنكية عن فعل مستخدميها

نظرا لأهمية الجانب العملي في النشاط البنكي، نورد وفيما يلي بعض صور مسؤولية البنك تجاه الأخطاء التي قد يرتكبها مستخدميه أثناء مزاولة مهامهم.

المستخدم الذي يرد حامل شيك بحجة أن خللا أصاب جهاز الحاسوب أو الهاتف مع عدم صحة ذلك، يسأل البنك عن عمل هذا التابع إذا ما أصاب هذا الحامل ضرر مادي من جراء ذلك.

يسأل البنك عن الضرر الذي يصيب شخصا من جراء سرقة مبالغ هامة إذا ما غادر هذا البنك لرفض مستخدمه فتح الحساب المذكور من غير عذر أو سببب وجيه وتعرض للسطو عليه وسرقة تلك الأموال.

يسأل البنك إذا ما أهمل مستخدمه المكلف بصيانة جهاز الانذار وأصيب هذا الجهاز بعطب بفعل عدم الصيانة فلم يؤد وظيفته في حالة سطو ذهب ضحيته أحد زائريه.

مسؤولية البنك عن أعمال مستخدميه التي تسبب ضررا للغير بمناسبة وظيفتهم كأن يقدم بنكي نصحا برسالة إلى أحد معارفه الذي استرشده في شروط الحصول على قرض فيخطئ بإضافة شرط تعجيزي يقعد المسترشد عن الحصور على القرض المذكور لاستثماره في مشروع جاهز ومربح مما يسبب له فوات كسب او يلحق به خسارة.

حدود مسؤولية المؤسسة البنكية عن فعل مستخدميها

اذا كانت الأخطاء المرتكبة من طرف مستخدمي المؤسسات البنكية كثيرة ومتنوعة بحيث يصعب حصرها، فإن مسؤولية البنك عن هذه الأخطاء تبقى واحدة مهما كان قدرها ومهما كانت نية مرتكبها، فمناط مسؤولية البنوك منوط بوقوع ضرر للزبون أو الغير بسبب خطأ مستخدميها وفي المقابل هي ملزمة بتعويض هذا الضرر، كما ان المعيار المعتمد من قبل الفقه للقول بوجود خطأ من المستخدم يتحمل مسؤوليته الخادم و الذي هو في معرض حديثنا المؤسسة البنكية هو معيار التبعية و لا يهم بعد ذلك ما إذا كان الخطأ عمديا أم غير عمدي، و هذا ما قال به الأستاذ مأمون الكزبري الذي قال في معرض حديثه عن خطأ المستخدم أنه يستوي في ذلك أن يكون هدا الخطأ عمديا أو غير عمدي مادام الخطأ قد صدر من المستخدم بمناسبة أدائه لعمله.

ثالثا : المسؤولية الجنائية للبنك

الجرائم المتعلقة بتعاطي المهنة البنكية

إن المشرع في سبيل تنظيم وتأطير المهنة البنكية قد عمل على وضع مجموعة من القواعد القانونية الحاكمة للجرائم البنكية، سعيا منه لزجر المخالفين الراغبين في التملص من الرقابة المفروضة عليهم من طرف بنك المغرب وكذلك حماية منه للنظام والأمن الاقتصاديين.

مخالفة قواعد التأسيس للبنوك

تتمثل هذه الإخلالات أولا في القيام بعمليات مصرفية بدون ترخيص، إضافة إلى استعمال أساليب من شأنها إحداث لبس لدى الغير حول صنف المؤسسة ثم موانع التعاطي للمهنة البنكية.

جريمة ممارسة العمليات البنكية دون رخصة

يفترض للقيام بالعمليات البنكية الحصول على ترخيص يكون بمثابة اعتماد يمنح في حالة إذا ما استوفت المؤسسة الطالبة له للشروط المنصوص عليها في القانون، ويمنح هذا الترخيص بالاعتماد من لدن والي بنك المغرب بعد استطلاع هذا الأخير رأي لجنة مؤسسات الائتمان، وفي حالة عدم الحصول على ترخيص مسبق وممارسة العمليات البنكية تقوم الجريمة، ويكون العقاب بالحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات وبغرامة من 100 000 إلى 5 000 000 درهم أو قد يكتفى بإحدى العقوبتين فقط (المادة 183 من القانون 103.12).

خرق مقتضيات المنع من مزاولة المهنة البنكية

تنص المادة 38 على أنه : ” لا يجوز لأي شخص أن يؤسس مؤسسة ائتمان أو يسيرها أو يديرها أو يدبرها أو يصفيها، بأي وجه من الوجوه :

إذا صدر في حقه حكم نهائي من أجل جناية أو إحدى الجنح المنصوص والمعاقب عليها بالفصول من 334 إلى 391 ومن 505 إلى 574 من القانون الجنائي.

إذا صدر في حقه حكم نهائي من أجل مخالفة للتشريع الخاص بالصرف.

إذا صدر في حقه حكم نهائي عملا بالتشريع الخاص بمكافحة الإرهاب.

إذا سقطت أهليته التجارية عملا بأحكام المواد من 711 إلى 720 من القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة ولم يرد إليه الاعتبار.

إذا صدر في حقه حكم نهائي من أجل إحدى المخالفات المنصوص عليها في المواد من 721 إلى 724 من القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة.

إذا صدر في حقه حكم نهائي عملا بأحكام المواد من 182 إلى 193 من هذا القانون.

إذا وقع التشطيب عليه بصفة نهائية لأسباب تأديبية من إحدى المهن المنظمة.

إذا صدر في حقه حكم نهائي عملا بالتشريع الخاص بمكافحة غسل الأموال.

إذا أصدرت في حقه محكمة أجنبية حكما اكتسب قوة الشيء المقضي به من أجل إحدى الجنايات أو الجنح المشار إليها أعلاه.”

كما تنص المادة 44 من القانون 103.12 على أنه : ” لا يجوز للرئيس المدير العام والمدير العام والمدير العام المنتدب وأعضاء مجلس الإدارة الجماعية وكل شخص أسند إليه تفويض في سلطة التسيير من الرئيس المدير العام أومن مجلس الإدارة أومن مجلس الرقابة بمؤسسة ائتمان تتلقى أموالا من الجمهور أن يجمع بين هذه المهام ومهام مماثلة بأي منشأة أخرى باستثناء :

الشركات التي تراقبها مؤسسة الائتمان المعنية التي كان من الممكن أن تمارس هذه الأخيرة نشاطها في الإطار العادي لتدبيرها مع مراعاة التقيد بأحكام النصوص التشريعية الخاصة.

شركات التمويل التي لا تتلقى أموالا من الجمهور.”

باستقراء أحكام المادتين أعلاه يتبين أن هذا المنع يتعلق بأشخاص معينين كما يهم وضعيات معينة، والملاحظ أنه في هذه المرحلة قد تم تجاوز البحث عن الترخيص بالاعتماد إلى الإشكال المتعلق بالشخص الذي يقيم مؤسسة الائتمان وساهم في نشاطها سواء بالإدارة أو بالتصرف أو بالتسيير، إذ يجب أن يكون الشخص خاليا من بعض السوابق العدلية كجريمة التزييف أو التزوير أو النصب أو انتحال صفة…، أما بالنسبة للمادة 44 أعلاه فالمشرع منع الجمع بين وظيفتين مماثلتين في مؤسستي ائتمان وذلك حفاظا على استقلالية المهنة وسعيا منه للحد من المنافسة غير المشروعة، كما أن الجمع بين وظيفتين من شأنه أن يؤثر على عمل الموظف ومردوديته في المؤسسة البنكية.

ولعل المشرع وفي سبيله لتثبيت وإقرار هذه الأحكام وضمان احترامها من لدن المؤسسات الائتمانية فقد أدرج مقتضى زجري يقضي بمعاقبة المخالف للأحكام السالفة الذكر في المادة 185 بعقوبة حبسية تتراوح بين 6 أشهر و3 سنوات فضلا عن عقوبة مالية من 100 000 إلى مليون درهم على أنه يجوز الحكم بإحدى العقوبتين فقط.

الجرائم متعلقة بالمهنة البنكية

الامتناع عن تقديم البيانات لبنك المغرب

تقتضي القوانين والأحكام البنكية أن تقوم البنوك بتزويد بنك المغرب بالمعلومات والوثائق التي يراها ضرورية لممارسة أعماله الرقابية، وقد تكون هذه المعلومات بشكل دوري أو سنوي أو عند الحاجة (المادة 82من القانون 103.12)، فهذه المعلومات تضع بنك المغرب في الصورة دائما حتى يستطيع أن يستخلص منها المؤشرات والنتائج، والتي على ضوئها يمكن أن يحدد سياسات وتوجيهات لهذه البنوك، والمشرع في إطار سعيه لتنظيم الحياة الاقتصادية تنظيما محكما والتصدي لكل ما من شأنه أن يشكل خطرا تم إخضاع المؤسسات الائتمانية لواجب الكشف عن المعلومات المحفوفة بالسرية إلى الهيكل الرقابي الأول وهو بنك المغرب، ضامنة بذلك جزاء يردع البنوك وغيرها من المؤسسات الائتمانية والهيئات التي تدخل في حكمها أمام كل محاولة لإخفاء أو التستر أو تأخير في تبليغ الوثائق والمعلومات المطلوبة.

وبذلك عاقب المشرع طبقا للمادة 187 مسيري المؤسسات المالية التي لا تقوم بإعداد و نشر القوائم التركيبية أو لا يبلغون إلى بنك المغرب المعلومات المطلوبة بعقوبة مالية تبدأ من 100 000 إلى 1 000 000 درهم تضاعف في حالة العود، كما جاء العقاب حسب المادة 191 من نفس القانون على كل ممثل مؤسسة بحيث يلزم بتبليغ وثائق ومعلومات إلى بنك المغرب، ويقدم إليه عمدا معلومات مغلوطة وغير صحيحة، وتضاعف العقوبة في حالة العود مع إمكانية أن تنضاف إليها عقوبة سالبة للحرية تتراوح من 3 أشهر إلى سنة واحدة.

2- خرق واجب احترام السر المهني

إن الالتزام بالسر المهني البنكي يتصدر قائمة التزامات المؤسسة البنكية، حيث تتعهد هذه الاخيرة بعدم افشاء الاسرار البنكية التي اودعها الزبناء او اطلعت عليها بفعل الممارسة المهنية، وكل اخلال بهذا الالتزام يعرض البنك للمسؤولية، هذه المسؤولية تطورت وانتشرت بين دول العالم حيث تم تجريم افشاء المعلومات الائتمانية للزبون، ليس فقط لتحمي مصلحة هذا الاخير الادبية لا بل لحماية الثقة في البنوك كمؤسسات مالية اقتصادية فضلا عن حماية المصلحة العامة في تدعيم الائتمان وتوفير المناخ المناسب للاستثمار والاستقرار الاقتصادي.

في هذا الصدد المادة 180 على أنه : ” يلزم بكتمان السر المهني جميع الأشخاص الذين يشاركون، بأي وجه من الوجوه، في إدارة أو تسيير أو تدبير مؤسسة ائتمان أو هيئة معتبرة في حكمها أو يكونون مستخدمين لديها وأعضاء المجلس الوطني للائتمان والادخار ولجنة مؤسسات الائتمان واللجنة التأديبية لمؤسسات الائتمان ولجنة التنسيق والرقابة على المخاطر الشمولية ومجلس الإدارة ومستخدمي الشركة المسيرة والأشخاص المكلفون ولو بصفة استثنائية بأعمال تتعلق بمراقبة المؤسسات الخاضعة لرقابة بنك المغرب عملا بهذا القانون وبوجه عام كل شخص يدعى، بوجه من الوجوه، للاطلاع على المعلومات المتعلقة بالمؤسسات المذكورة أو لاستغلالها وذلك فيما يتعلق بجميع القضايا التي ينظرون فيها بأي صفة كانت تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في الفصل 446 من القانون الجنائي.”

والملاحظ أن المادة البنكية قد أحالت فيما يخص المقتضى الزجري على الفصل 446 من ق.ج والذي جاء في فقرته الأولى:” الأطباء والجراحون وملاحظو الصحة، وكذلك الصيادلة والمولدات وكل شخص يعتبر من الأمناء على الأسرار، بحكم مهنته أو وظيفته، الدائمة أو المؤقتة، إذا أفشى سرا أودع لديه، وذلك في غير الأحوال التي يجيز له فيها القانون أو يوجب عليه فيها التبليغ عنه، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من ألف ومائتين إلى عشرين ألف درهم.”

إلا أننا وفي خضم مقتضيات المنع والزجر لا يجب أن ننسى بأن المشرع وضع حالات يجوز أن يتم إفشاء سر العميل فيها سواء لمصلحة عامة كأن يتعلق الأمر بقضية منشورة لدى المحاكم أو لفائدة بنك المغرب باعتباره بنكا مركزيا له واجب الرقابة.

3- الجرائم الواقعة على الأموال

إن جرائم الاعتداء على الأموال هي: «الجرائم التي تنال بالاعتداء أو تهدد بالخطر الحقوق ذات القيمة المالية، ويدخل في نطاق هذه الحقوق كل حق ذي قيمة اقتصادية ويشكل جزءاً من الذمة المالية». وتفترق جرائم الاعتداء على الأموال بالتحديد المشار إليه عن جرائم الاعتداء على الأشخاص في مدلولها الواسع التي تنال بالاعتداء أو تهدد بالخطر حقوقاً لصيقة بشخص المجني عليه كالحق في سلامة البدن والحق في الشرف وغير ذلك.

ولا يقتصر نطاق جرائم الاعتداء على الأموال على الجرائم التي تنال بالاعتداء الجانب الإيجابي من الذمة المالية، أي مجموعة الحقوق الثابتة للمجني عليه ولكنها تتسع كذلك للجرائم التي تمس الجانب السلبي للذمة فتزيد دون حق من الديون الملتزم بها المجني عليه، كالزيادة في الفائدة بالنسبة للعملاء بصفة خفية أو غير قانونية.

جرائم الاختلاس

الأكيد أن مستخدمي ومسؤولي الأبناك ملزمون بالقيام بالأعمال وممارسة مهامهم وفق القانون وكل تصرف مخالف للقانون قد يعتبر فعلا مجرما معاقبا عليه خاصة وأن الأعمال البنكية قائمة بالدرجة الاولى على الثقة والائتمان.

جريمة خيانة الأمانة

تعتبر جريمة خيانة الأمانة من بين الجرائم الخطيرة التي تهدد الثقة العامة في القطاع البنكي، إذ أن الثقة المتبادلة بين العميل وبنكه هي الأساس وأي شرخ في هذه العلاقة ستؤثر على الاقتصاد الوطني، فهي من جرائم الأموال التي تنصب على أموال العملاء، وهي بذلك تعتبر إحدى الطرق والوسائل التي قد يتم عن طريقها الاستحواذ على أموال الغير من خلال خيانة الثقة التي وضعها الشخص في الجاني بتسليمه المال وائتمانه عليه. ومن أجل هذا تدخل المشرع المغربي من خلال ترسانة قانونية قوية تحمي العملاء، والضرب على أيدي من سولت له نفسه الاعتداء على أموال الغير، فالقانون الجنائي المغربي عاقب على جريمة خيانة الأمانة والتملك بدون حق في الفصول من 547 إلى 555، وذلك في الباب التاسع من مجوعة القانون الجنائي.

ثم إن الأفعال المرتكبة تكيف من طرف النيابة العامة بحسب ظروف وطبيعة كل فعل و إن كانت جنحة خيانة الأمانة تعتبر من الجرائم الشائعة في العمل البنكي وهي من الأفعال المنصوص عليها وعلى عقوبتها في القانون الجنائي بحيث آن مقتضيات المادة 547 من القانون الجنائي تعاقب من اختلس أو بدد بسوء نية إضرارا بالمالك أو واضع اليد أو الحائز، أمتعة آو نقودا أو بضائع آو سندات أو وصولات أو أوراقا من أي نوع تتضمن أو تنشئ التزاما أو إبراء كانت سلمت إليه على آن يردها أو سلمت إليه لاستعمالها أو استخدامها لغرض معين بحيث يعد خائنا للأمانة ويعاقب بالحبس من ستة اشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى ألفين درهم.

وإذا كان الضرر الناتج عن الجريمة قليل القيمة كانت عقوبة الحبس من شهر إلى سنتين والغرامة من مائة وعشرون إلى مائتين وخمسين درهما مع عدم الإخلال بتطبيق الظروف المشددة المقررة في الفصلين 549 و550 من القانون الجنائي.

فضلا عن أن المشرع في الفصل 555 من ق.ج نص على عقوبات إضافية من شأنها حرمان الجاني من واحد أو أكثر من الحقوق الوطنية أو المدنية أو العائلية.

ب – جريمة التزوير

لقد عرف القانون الجنائي المغربي التزوير في المحررات في المادة 351 كما يلي : ” تزوير الأوراق هو تغير الحقيقة فيها بسوء نية، تغيرا من شانه أن يسبب ضرر من وقع في المحرر، بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون. ويعتبر هذا التعريف نقلا حرفيا للتعريف الذي صاغه الفقيه الفرنسي جارسون، وهو تعريف يتميز بكونه أحاط بجميع العناصر التي يتعين توافرها لتحقق جريمة التزوير في المحررات”.

إن العمل البنكي يعتبر من الأعمال التي تكثر فيها جرائم التزوير، ولهذا نجد صرامة المشرع في التعامل مع هذا النوع من الجرائم الذي يضرب الائتمان ويهز الثقة في المؤسسات البنكية ككيان اقتصادي مهم لحياة وازدهار الدول، فنجده قد عاقب مزور المحررات البنكية أو التجارية ولو تعلق الأمر بالمحاولة فقط بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة 250 إلى 2000 درهم وذلك في حالة ارتكابه لهذه الجريمة بإحدى إلى الوسائل التالية:

بالتزييف أو التحريف في الكتابة أو التوقيع،

باصطناع اتفاقات أو تضمينات أو التزامات أو إبراء أو بإضافتها في تلك المحررات بعد تحريرها،

بإضافة أو حذف أو تحريف الشروط أو التصريحات أو الوقائع التي خصصت تلك المحررات لإثباتها أو الإدلاء بها،

بخلق أشخاص وهميين أو استبدال أشخاص بآخرين.

وقد أضاف المشرع مقتضيات أخرى تتيح للقاضي إمكانية أن يضاعف العقوبة لتصل إلى 10 سنوات سجنا وغرامة قد تصل إلى 40 000 ألف درهم وذلك إذا كان مرتكب الجريمة صاحب مصرف أو مدير شركة، أو على العموم، شخصا ممن يلجؤون إلى الاكتتاب العام بواسطة إصدار الأسهم أو السندات أو الأذونات أو الحصص أو الأوراق المالية أيا كان نوعها، سواء كانت متعلقة بشركة أو مؤسسة تجارية أو صناعية، فضلا عن العقوبات الإضافية المتعلقة بالحرمان من الحقوق الوطنية والمدنية والعائلية المنصوص عليها في الفصل 26 وبالمنع من الإقامة لمدة تزيد عن 5 سنوات.

جريمة غسل الأموال

كما سبق وأن لاحظنا بمناسبة حديثنا عن السر المهني حيث أن المشرع تشدد في مسألة السرية، وفرض عقوبات قاسية على كل من يفشي السر المهني البنكي، إلا أنه عاد بمناسبة وضعه للقانون المتعلق بمكافحة غسل الأموال 43.05 والذي حاول فيه المشرع إضافة إلى تكريس الجانب الزجري والعقابي، أن يصوغ مجموعة من الالتزامات ينهض بها الأشخاص الخاضعين من أجل محاربة جريمة غسل الأموال، وذلك بغية تحقيق الأمن في شقيه الاقتصادي والاجتماعي.

جاء في المادة 12 من القانون رقم 43.05 : ” يجب على الأشخاص الخاضعين وضع تدابير داخلية لليقظة والكشف والمراقبة وتدبير المخاطر المرتبطة بغسل الأموال”.

كما تلتزم البنوك في هذا الإطار بالتصريح في حالة الاشتباه لوحدة المراقبة المالية المحدثة بواسطة هذا القانون والتي لها أن تعاقبهم بعقوبات مالية صارمة حددها الفصل 28 من نفس القانون والتي تتراوح بين 100.000 و500.000 درهم، على أنه يمكن الطعن في القرارات الصادرة عن الوحدة طبقا لأحكام هذه المادة أمام المحكمة الإدارية المختصة.

لكن عدم تقديم البنك للتصريح بالاشتباه قد تتعدد أسبابه ومبرراته، بحيث يكون هذا الإخلال راجعا إلى ضعف التدابير الداخلية الخاصة باليقظة، وإما راجعا إلى تواطؤ البنك مع صاحب المال المغسول، وتختلف النتائج المترتبة عن عدم التبليغ بين هاته الحالة وتلك.

فحينما يكون الإخلال راجعا إلى عدم احتياط من البنك أو تهاون في تدابير اليقظة اللازمة تحيل الوحدة الأمر على السلطة المخولة إليها صلاحية مراقبة ومعاقبة الشخص المذكور، قصد إصدار عقوبات ضده، على أساس التشريع المطبق عليه، إذ يعاقب تأديبيا وفق ما أشارت إليه المادة 28 من القانون 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، غير أن تواطؤ البنك أي العاملين به أو مسيريه المؤهلين للتصريح بالاشتباه أو باقي أعوانه مع صاحب المال المغسول سيؤدي إلى معاقبة هؤلاء جنائيا نتيجة لهذا التواطؤ في جريمة غسل الأموال ويعاقبون بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 574-3 من مجموعة القانون الجنائي.

بالتوفيق

📗 خلاصة الباب

  • تتعدد أوجه مسؤولية البنك: المسؤولية التأديبية التي يمارسها بنك المغرب على المؤسسات المخالفة للقواعد الاحترازية والتنظيمية، والمسؤولية المدنية عند الإخلال بالتزاماته التعاقدية تجاه الزبناء (كالإخلال بواجب اليقظة أو النصيحة).
  • أما المسؤولية الجنائية فتقوم عند ارتكاب البنك أو مسيريه لأفعال مجرمة قانونا كجرائم الشيك بدون رصيد أو غسل الأموال أو تمويل الإرهاب، وهي مسؤولية تكرس الطابع الحساس لمهنة تتعامل مع أموال الجمهور وثقته.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية