فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الركن القانوني للجريمة

📖 الجنائي العام — الفصل 4 من 11 — فهرس الكتاب

مدخل

لا يمكن للمشرع أن يخلق جرائم و لا أن يُعين عقوبات إلا إذا تدخل بنص قانوني يضمن به حقوق الأفراد و المجتمع، وهو بعمله هذا يقرر مبدأ شرعية التجريم والعقاب، ومبدأ الشرعية أو القانونية أو النصية هو مبدأ عالمي تأخذ به كل التشريعات الحديثة، وهو مبدأ يحمي الفرد من التسلط، تسلط الدولة وتسلط القضاء، وبالتالي لا يستطيع القضاء معاقبته إلا على الأفعال التي اعتبرها المشرع جرائم، ولا يمكنه معاقبته إلا بالعقوبات التي حددها المشرع من حيث النوع والمقدار، وهذا المبدأ كان شائعا حتى في النظم والشرائع القديمة كالقانون الروماني واليوناني، وفي الشريعة الإسلامية نجد أسسا له من خلال الآية 15 من سورة الاسراء : ” مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ” فما كان الله ليعذب أحدا حتى يبعث إليه رسولا ينذره ويقيم الحجة عليه بمعنى وجود النص قبل العقاب، كما أن هذه القاعدة ما هي إلا إعمال للمبدأ الشهير : ” الأصل في الإنسان البراءة والأصل في الأشياء الإباحة ” .

الركن القانوني إذن هو نص التجريم الذي يخلق الجريمة ” فلا جريمة و لا عقاب إلا بنص” طبقا لمبدأ الشرعية، و بتعبير أوضح هو الصفة غير المشروعة للفعل المُكون للجريمة، و يكتسب الفعل تلك الصفة متى كان خاضعا لنص قانوني يُجرمه و لم يكن خاضعا لنص يبيحه .

خضوع الفعل أو الإمتناع لنص قانوني يجرمه :

والمقصود به خضوع الفعل أو الإمتناع لنص في المجموعة الجنائية أو في غيرها من المقتضيات الجنائية التكميلية المنصوص عليها في القوانين الاخرى، يجرمه و يضفي عليه صفة عدم المشروعية، و هذا ما يطلق عليه مبدأ شرعية التجريم والعقاب أو مبدأ النصية ” فلا جريمة و لا عقاب إلا بنص “، وقد كرس هذا المبدأ الفصل 3 من القانون الجنائي المغربي حيث جاء فيه :” لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعد جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون.”

عدم خضوع الفعل أو الامتناع لسبب تبرير أو إباحة :

بمعنى أن الافعال التي تشكل جرائم قد تصبح مشروعة في حالات خاصة نص عليها القانون، تسمى حالات التبرير والاباحة، فإذا توافرت أسباب التبرير والاباحة لم يعد الفعل جريمة وخرج بذلك من دائرة القانون الجنائي.

نتائج مبدأ الشرعية الجنائية :

• حصر مصادر القانون الجنائي في القانون المكتوب

• قاعدة عدم التوسع في تفسير النص الجنائي

• قاعدة عدم رجعية القانون الجنائي

• قاعدة اقليمية القانون الجنائي

أولا : حصر مصادر القانون الجنائي في القانون دون غيره من مصادر القاعدة القانونية الاخرى

فيتم حصر مصادر قاعدة القانونية الجنائية في التشريع المكتوب وحده دون غيره من مصادر القواعد القانونية الاخرى، و هو مبدأ ينتج عنه تبرئة المتهم اذا لم يجد القاضي في النصوص التشريعية المكتوبة ما يجرم و يعاقب به الفعل أو الإمتناع المرتكب، أما فيما يتعلق بالإباحة أو التبرير فيمكن الإعتماد فيهما على قوانين الشريعة كما هي الحال مثلا بالنسبة لمسألة تأديب الزوج لزوجته وأولاده دون تعسف وحق ممارسة المهن الطبية في نطاق احترام القوانين المنظمة لها فهذه مثلا أسباب لتبرير الجريمة لم تأتي بها المادة 124 من قانون الجنائي مغربي ولكن يمكن الأخذ بها اعتمادًا على أحكام الشريعة التي تبيح للزوج تأديب زوجته في نطاق المعقول. وتجدر الاشارة أن حصر مصادر القانون الجنائي في التشريع القانوني المكتوب ينطبق على التجريم و العقاب معا.

السلطة الموكول اليها أمر تشريع القاعدة الجنائية

بموجب الفصل 71 من الدستور يملك البرلمان سلطة التشريع، بينما الحكومة خولها الدستور إمكانية إصدار مراسيم معينة في ظرف زمني محدود لغاية معينة على أن يتم عرضها على البرلمان بقصد المصادقة عليها عند انتهاء الاجل الذي حدده القانون للإذن بإصدارها، والملك يعود إليه أيضا أمر التشريع في حالات الاستثناء (الفصل59 من الدستور) كما لو كانت حوزة التراب الوطني ﻣھددة، أو في حالة حل البرلمان إلى أن يتم انتخابه (الفصل96 من الدستور) .

ثانيا : عدم التوسع في تفسير النص الجنائي

إن إقرار مبدأ لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص يقتضي أن تكون صياغة النص الجنائي واضحة الدلالة سهلة العبارة، حتى يتمكن الخاضعون لأوامر القانون و نواهيه من فهم قصد المشرع منها بكل وضوح و يُسر ويُكيفوا تبعاَ لذلك تصرفاتهم في الحدود التي رسمها لهم النص الجنائي، فلا يؤاخذون على حين غرة، هذا المبدأ يجد نفسه في نقطتين:

عدم جواز استعمال القاضي الجنائي للقياس :

والمقصود بعدم جواز استعمال القاضي للقياس أنه إذا عرضت عليه وقائع متضمنة لأفعال أتاها شخص من الأشخاص دون أن تكون مُجرمة صراحة من طرف المشرع الجنائي في نص من النصوص، فإنه يمتنع عليه نهائيا إدانة فاعل ذلك النشاط مهما كانت خطورته قياسا على تجريم المشرع لأفعال مشابهة، مثال ذلك أن الفصل 571 يعاقب على اخفاء الاشياء المتحصلة من جناية أو جنحة، وعليه فلا يجوز معاقبة شخص يخفي اشياء متحصلة من مخالفة قياسا على الفصل 571.

تفسير النص الجنائي الغامض لصالح المتهم :

حيث لا يتمكن معه القاضي من فهم قصد المشرع، والقاعدة في هذه الحالة أن النص الغامض يجب أن يفسر لصالح المتهم، لكن القاضي لا يفعل ذلك إلا بعد أن يبذل مجهودا معقولا في سبيل توضيح الغموض الذي يحيط بالنص الجنائي، ويستعين القاضي في هذا السياق بمدارس التفسير المختلفة، كما يمكنه أن يرجع إلى الأعمال التحضيرية التي قام بها البرلمان أثناء مناقشة النص الجنائي والوقوف على إرادة المشرع من إصدار هذا القانون.

ثالثا : مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي

يُعمل بقواعد القانون الجنائي كغيره من القواعد القانونية منذ لحظة نفاذها ( دخولها حيز التطبيق ) وفق ما ينص عليه الدستور، و يظل لتلك القواعد وجودها القانوني إلى أن يتم إلغاءها إما صراحةً و إما ضمناً، وتتمتع القواعد الجنائية بثبات نسبي فلا يتم إلغاءها أو تعديلها إلا إذا تغيرت فلسفة التجريم و العقاب في المجتمع، فتصدر قواعد جديدة تعكس الفلسفة الأحدث، فقد يتبين للمشرع خطورة فعلِ أو امتناع كان يعتبره مباحاً فيتدخل و يجعل منه جريمـة جنائية أو يرفع من جسامة الفعل فينقله من جنحة إلى جناية مثلاُ أو يغير من بنيان الجريمة أو نطاق العقاب أو يبيح فعلاً كان مجرماً.

تطبيق القوانين الجنائية من حيث الزمان يهيمن عليه مبدأ عدم الرجعية، ويراد به أن القانون لا يطبق إلا على الوقائع التي ارتكبت بعد صدوره وصيرورته قابلا للتطبيق دون ما عداها، وعليه فإن قاعدة عدم رجعية القوانين تقتضي سريان القانون الجنائي على الأفعال المرتكبة بعد دخوله حيز التنفيذ، ولا يمكن تطبيقه على الوقائع التي سبقته، ومن باب أولى التي أعقبت إلغائه.

ويعد مبدأ عدم رجعية القوانين إحدى الضمانات الأساسية المقررة لفائدة الأفراد حماية لهم من تحكم السلطات المتدخلة في مختلف مجالات تطبيق القوانين الجنائية ( القوة العمومية – الشرطة القضائية – القضاء)، ولهذا وجد المشرع المغربي أن يرقى بهذا المبدأ إلى مصاف القواعد الدستورية، حيث جاء الفصل الرابع منه ” لا يؤاخذ أحد على فعل لم يكن يعتبر جريمة بمقتضى القانون الذي كان ساريا وقت ارتكابه. “

الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي

• عدم رجعية قوانين الموضوع وإمكانية ذلك في قوانين الشكل، فالمادة 4 من القانون الجنائي المغربي التي تقضي بعدم رجعية القانون الجنائي تفرض نفسها فقط بالنسبة للقوانين الجنائية الموضوعـية أي القانون الجنائي العام والخاص، دون الشكلية أي المسطرة الجنائية التي تطبقها المحاكم بأثر فوري بمجرد صدورها على جميع الأشخاص الذين يحاكمون أمامها بغض النظر عن ارتكابهم للأفعال التي يتابعون عنها قبل أو بعد صدور هذه القوانين الشكلية الاجرائية، لأن هذه القواعد لا علاقة لها بموضوع الجريمة بل هي فقط تنظم إجراءات الدعوى العمومية، وهذه الامور التنظيمية هي من النظام العام لا يمكن تطبيق عدة قوانين منها بل تخضع لقانون واحد هو القانون الأحدث، من أمثلة ذلك القواعد الشكلية المنظمة لإجراءات التحقيق والمتابعة والمحاكمة وتنفيذ العقوبة وبصفة عامة جميع الاجراءات المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية .

• القوانين المفسرة : وهي القوانين التي يصدرها المشرع لتغيير معنى قانون سابق، فيندمج القانون التفسيري في القانون الأصلي ليكون لهما نفس النطاق الزمني، فالمشرع الجنائي يعمد في بعض الاحيان الى اصدار قوانين مفسرة يجب تطبيقها بأثر فوري على الحالات المعروضة على المحاكم والمطبق بشأنها النص الاصلي ما لم تكن هذه الحالات قد فصل فيها بحكم نهائي .

• النص الجنائي الأصلح للمتهم : فالأصل أن النص الجنائي الموضوعي لا ينسحب أثره إلى الماضي فلا يطبق على الأفعال التي ارتكبت قبل سريانه، لكن إذا كان أصلح للمتهم من سابقه فإنه يطبق استثناء، و علة هذا الاستثناء أن مبدأ الشرعية وجد لحماية مصالح الفرد و ضمان حقوقه، ومن ثمة لا يكون لوجوده معنى إذا أهدر هذه الحقوق، هذا المبدأ كرسه المشرع المغربي في الفصل 6 من القانون الجنائي المغربي حيث جاء فيه : ” في حالة وجود عدة قوانين سارية المفعول، بين تاريخ ارتكاب الجريمة والحكم النهائي بشأنها، يتعين تطبيق القانون الأصلح للمتهم.”

لكن المشرع اشترط شروطا للاستفادة من هذا المبدأ :

• أن يكون النص الجنائي الجديد أصلح للمتهم من النص القديم سواء بالإعفاء أو التخفيف

• أن لا يكون قد صدر حكم أصبح باتا في موضوع الدعوى العمومية عن الجريمة المرتكبة قبل نفاذ القانون الجديد

• أن لا يكون الفعل المرتكب أتى مخالفا لقانون جنائي مؤقت ينتهي العمل به خلال فترة معينة

• التدابير الوقائية : حيث ينص الفصل 2 من ق.ج على أنه ” لا يحكم إلا بالتدابير المنصوص عليها في القانون النافذ وقت صدور الحكم”، وهذا يعني أنه إذا صدر بعد ارتكاب الجريمة وقبل انتهاء المحاكمة قانون ينص على تدبير وقائي، لم يكن موجودا من قبل، تعين تطبيق هذا القانون الجديد، ويرتكز التطبيق الفوري للتدابير الوقائية على أساس أنها ليست عقوبات للجرائم، وإنما هي وسائل للإدماج الاجتماعي و تفادي الأخطار .

رابعا : مبدأ إقليمية القانون الجنائي أو تطبيق القانون الجنائي من حيث المكان

يقصد بهذا المبدأ ان قانون الدولة هو الذي يطبق على كل الافعال الاجرامية التي تقع داخلها، وعلى كل الافراد المقيمين بغض النظر عن جنسيتهم وسواء كانوا مواطنين او اجانب، كما انه و وفقا لهذا المبدأ فإن قانون الدولة لا يسري على مواطنيها الذين يوجدون خارج اقليمها، لأنه سيصطدم هذا القانون حينها بسيادة دولة اخرى.

تطبيق القوانين الجنائية من حيث المكان يخضع لمبدأ إقليمية القوانين، فالقانون الجنائي المغربي يطبق على جميع الأشخاص الذين يرتكبون جرائم داخل الإقليم المغربي بصرف النظر عن جنسيتهم أو ظروف الارتكاب، وهذا المبدأ منصوص عليه في الفصل 10 من ق.ج الذي يقضي بأنه : ” يسري التشريع الجنائي المغربي على كل من يوجد بإقليم المملكة من وطنيين وأجانب وعديمي الجنسية، مع مراعاة الاستثناءات المقررة في القانون العام الداخلي والقانون الدولي”.

يرتبط تطبيق النص الجنائي من حيث المكان بأربعة مبادئ أساسية :

• مبدأ إقليمية النص الجنائي.

• مبدأ عينية النص الجنائي.

• مبدأ شخصية النص الجنائي.

• مبدأ عالمية و شمولية النص الجنائي.

مبدأ إقليمية النص الجنائي :

يعني هذا المبدأ أن النص الجنائي يسري على كافة الجرائم التي تقع في الإقليم المغربي:

• مهما كانت جنسية الجاني أو جنسية المجني عليه.

• مهما كان مكان وجود الجاني وقت وقوع الفعل الأصلي على إقليم المغربي.

• مهما كان موقف التشريعات الأجنبية من تجريم الفعل او امتداد تطبيقها عليه.

حسب هذا المبدأ فكل ما يلزم لتطبيق القانون الجنائي المغربي هو وقوع الفعل في مكان يدخل ضمن حدود الدولة المغربية، و بمعنى أوضح في مكان خاضع لسيادة الدولة المغربية، وقد نص المشرع المغربي على هذا المبدأ في مادة 10 من القانون الجنائي كما سبق الذكر، أما تحديد مفهوم الإقليم فيُرجع فيه إلى مبادئ القانون الدولي العام و إلى المادة 11 من القانون الجنائي المغربي التي جاء فيها : ” يدخل ضمن إقليم المملكة السفن و الطائرات المغربية أينما وجدت فيما عدا الحالات التي تكون فيها خاضعة لتشريع أجنبي بمقتضى القانون. “

وفقا لقواعد القانون الدولي العام يتحدد إقليم الدولة في الإقليم الترابي والجوي والبحري :

• الإقليم الترابي : يقصد به الإمتداد الترابي للدولة في نطاق حدودها البرية.

• الإقليم الجوي : يشمل الفضاء الجوي الذي يعلو مباشرة الإقليمين الترابي والبحري دون النجوم والكواكب.

• الإقليم البحري : ويشمل بالإضافة إلى المساحات التي تمتد فيها الأنهار والبحيرات الداخلية، وحوالي 3 أميال بحرية من أقرب نقطة برية .

• السفن والطائرات المغربية.

هذا المبدأ يظهر سيادة الدولة على إقليمها و يعزز وظيفتها في توفير الامن داخل ربوعها، فالسماح بتطبيق قانون جنائي أجنبي على إقليم الدولة يقلل من سيادة الدولة، لكن هذا المبدأ له استثناءات يمكن تقسيمها إلى نوعين، الجرائم المرتكبة داخل المغرب ولا تخضع لمبدأ الإقليمية وتهم شخص الملك وأعضاء مجلسي البرلمان، ثم رؤساء الدول الأجنبية وأعضاء السلك الدبلوماسي وممثلو المنظمات الدولية لأن إخضاعهم للقانون المغربي يمس بمبدأ سيادة الدول التي يمثلونها، الاستثناء الثاني يتعلق بأثر من آثار عدم حجية الأحكام الأجنبية الحائزة لقوة الشيء المقضي به عند صدور حكم نهائي في الخارج بشأن جريمة ، مع إثبات تنفيذ العقوبة أو سقوطها بالتقادم أو بصدور عفو .

مبدأ شخصية النص الجنائي :

بمقتضى هذا المبدأ أن النص الجنائي الوطني يكون واجب التطبيق على الوطنيين أي الحاملين للجنسية المغربية حتى و لو ارتكبوا جرائم خارج الأقاليم الخاضعة لسلطة دولتهم و هذا هو ما يعرف بمبدأ الإيجابي، كما يكون واجب التطبيق أيضاُ النص الجنائي الوطني (المغربي) على الأجانب الذين يرتكبون جرائم ضد الوطنيين في الخارج و هو ما يعرف بمبدأ الشخصية السلبي، و يبدو تكريس هذا المبدأ من طرف المشرع المغربي في المواد 706 و 709 و 712 و لو لم يكتسب المتهم الجنسية المغربية إلا بعد ارتكابه الجناية أو الجنحة.

• الجرائم المرتكبة من طرف أشخاص مغاربة : في هذه الحالة يخول الاختصاص للقانون الجنائي والقضاء المغربي استنادا إلى مبدأ الشخصية القاضي بامتداد سريان القانون الجنائي المغربي على الرعايا المغاربة حتى بالنسبة للجرائم التي يرتكبونها خارج الوطن. وفي هذه الحالة يبدو مبدأ الشخصية مكملا لمبدأ الإقليمية سدا للفراغ التشريعي والقضائي الناتج عن عدم الاعتراف في المغرب بحجية الأحكام الصادرة في الخارج. كما هو الحال في الفصول751 ف2 و752 ف2 من ق.م.ج. وللعقاب على الفعل المرتكب من قبل مغربي في الخارج، يجب أن يكون هذا الفعل يشكل جناية في القانون المغربي وفقا للفصل 751 من ق.م.ج كما الشأن بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في الفصول من 163 إلى 180 من القانون الجنائي المتعلقة بالمس أو المؤامرة ضد حياة الملك أو الأسرة الملكية، وكذلك شكل نظام الحكم بالمغرب، أما في ميدان الجنح فإن مبدأ الشخصية لا يؤخذ به، أي أن الجنح المرتكبة من قبل رعايا مغاربة في الخارج لا يمكن المتابعة بشأنها أمام المحاكم المغربية وفقا للقانون المغربي.

• الجرائم المرتكبة من طرف أجانب: إن الاقتصار على تطبيق مبدأ الإقليمية يغل يد القضاء والقانون المغربي عن السريان على مواطني الدول الأجنبية المقيمين بالمغرب بعد ارتكابهم لأعمال إجرامية بالخارج. غير أنه من المحتمل جدا أن يكون المغرب نفسه ضحية هذه الأعمال، لهذا أوجد الخروج من هذا المبدأ، حيث نص الفصل755 من قانون المسطرة الجنائية على أن: ” كل أجنبي ارتكب خارج تراب المملكة بصفته فاعلا أو مساهما أو مشاركا في جناية ضد سلامة الدولة المغربية أو تزييف نقود أو أوراق بنكية وطنية متداولة بالمغرب بصفة قانونية، يمكن متابعته ومحاكمته طبقا للقانون المغربي”. مبدأ الشخصية ل وجهان إيجابي وسلبي، فالإيجابي يقضي بتطبيق النص الجنائي المغربي على كل من يحمل الجنسية المغربية ولو ارتكب الفعل الجرمي خارج الإقليم المغربي، مثال ذلك عندما يرتكب شخص مغربي جريمة خارج المغرب ثم يفر هاربا إلى المغرب فيعاقب حينها وفق القانون الجنائي المغربي، أما الوجه السلبي فهو تطبيق النص عندما يكون المجني عليه مغربي الجنسية ولو ارتكب الجريمة أجنبي وخارج إقليم المغرب، لكن لا يمكن محاكمته الا بعد دخوله المغرب ولا يكون قد صدر في حقه حكم وقضى عقوبته، فلا يعقل المعاقبة على الفعل مرتين.

مبدأ عينية النص الجنائي :

يقصد به سريان القانون الجنائي الوطني على جرائم معينة ترتكب خارج الإقليم أيان كانت جنسية مرتكبها أو مكان اقترافها و قد أكد الفصل 12 من القانون الجنائي المغربي ذلك حيث جاء فيه : ” يطبق التشريع الجنائي المغربي على الجرائم المرتكبة خارج المملكة، إذا كانت من اختصاص المحاكم الزجرية المغربية حسب الفصول 751 إلى 756 من المسطرة الجنائية ..” ونص الفصل 707 من القانون الجنائي على أنه : ” كل فعل له وصف جناية في نظر القانون المغربي ارتكب خارج المملكة المغربية من طرف مغربي، يمكن المتابعة من أجله والحكم فيه بالمغرب . غير أنه لا يمكن أن يتابع المتھم ويحاكم إلا إذا عاد إلى الأراضي المغربية، ولم يثبت أنه صدر في حقه في الخارج حكم اكتسب قوة الشيء المقضي به وأنه في حالة الحكم بإدانته، قضى العقوبة المحكوم بھا عليه أو تقادمت أو حصل على عفو بشأنھا ” . ولذلك فإن كل جريمة تمس أمن الدولة وتصيب بالضرر المغرب وحده دون غيره من الدول التي ق لا يهمها أن يمس كيان المغرب كجريمة تزييف النقود المغربية، يمكن متابعة الفاعلين لها والمشاركين والمساهين ومحاكمتهم طبق القانون الجنائي المغربي إذا ألقي القبض عليهم بالمغرب أو إذا حصلت الحكومة المغربية على تسليمهم.

مبدأ عالمية أو شمولية النص الجنائي :

يقصد به تطبيق النص الجنائي الوطني على كل فعل يكون جريمة في القانون المغربي و يكون مرتكبه مقيماً في المغرب أو ألقي القبض عليه فيه مهما كانت جنسيته أو المكان الذي ارتكبت فيه الجريمة، فالشرط هنا :

• الإقامة في المغرب.

• إلقاء القبض على الجرم في المغرب.

و مع على أن هذا المبدأ لم يتم التنصيص عليه في المجموعة الجنائية المغربية ( ولا في قانون المسطرة الجنائية ) إلا أن بعض الفقه يؤكد ضرورة الأخذ به تحقيقاً لنوعِ من التعاون في الميدان الدولي لمكافحة الجريمة التي انتشرت بشكلِ واسع في العالم بأسره فأضحى التعاون الدولي مطلوباً للتصدي لها، فجريمة الاتجار في المخدرات أو السلاح أو دعم الارهاب تمس المصالح المشتركة للدول، وعليه يمكن لمن ثبت في حقه فعل جرمي ولو كانت جنسيته غير مغربية محاكمته وفق التشريع الجنائي المغربي إذا تم القبض عليه في المغرب باعتبار أن كل دولة تنوب عن المنتظم الدولي في مكافحة الارهاب والجريمة العابرة، لكن شريطة عدم وجود اتفاقية بتسليم المجرمين.

سبق وأشرنا إلى أن الركن القانون يقوم على أمرين، نص قانوني يجرم الفعل والامر الثاني عدم إدراج الفعل ضمن أسباب التبرير والاباحة، فإذا كان الفعل مبررا أو مباحا في ظروف معينة لم يعد جريمة، في الفقرة الموالية سنتعرف على أسباب التبرير والاباحة التي ينتفي فيها الركن القانوني وبالتالي تسقط الجريمة لانتفاء أهم ركن وهو شرعية التجريم والعقاب .

حالات انتفاء الركن القانوني ( أسباب التبرير والاباحة )

أسباب التبرير والاباحة هي تلك الرخص القانونية التي تبرر لمن توافرت فيه أن يرتكب فعلا جرميا جرمه المشرع، مثال ذلك الدفاع عن النفس. هذه الرخص القانونية تنصرف إلى الفعل أو الامتناع فترفع عنه وصف الجرم، أي أنها تنفي الركن القانوني للجريمة ، وبالتالي لا يمكن القول بقيام الجريمة، وعدم إمكانية مساءلة الفاعل، كما لا تقوم مسؤوليته المدنية أيضا القائمة على الخطأ الشخصي لانتفاء أي خطأ .

الأساس القانوني لأسباب التبرير والاباحة هو الفصل 124 من ق.ج الذي جاء فيه : ” لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة في الأحوال الآتية :

• إذا كان الفعل قد أوجبه القانون وأمرت به السلطة الشرعية.

• إذا اضطر الفاعل إلى ارتكاب الجريمة، أو كان في حالة استحالة مادية لاجتنبها، وذلك لسبب خارجي لم يستطع مقاومته.

• إذا كانت الجريمة قد استلزمتها ضرورة حالة الدفاع الشرعي عن نفس الفاعل أو غيره، أو عن ماله أو مال غيره، بشرط أن يكون الدفاع متناسبا مع خطورة الاعتداء.”

• لكن هناك حالات من أسباب التبرير والاباحة لم يتعرض لها المشرع في الفصل 124 من ذلك مثلا أسباب الاباحة الناجمة عن استعمال الحق وكذلك حالة رضاء المجني عليه.

أولا : تنفيذ أمر القانون

أو ما يصطلح عليه أداء الواجب، حيث يعتبر تنفيذ أمر القانون قياما بواجب يبرر ارتكاب مختلف الأعمال التي اعتبرها المشرع جريمة، وعاقب على اقترافها، مثال ذلك في إطار التحقيق الإعدادي وقد يترتب عن ذلك انتهاك لحصانة منزل أو المساس بحرية شخص، فهذه الأفعال لا تعد جريمة لأن قاضي التحقيق وضابط الشرطة القاضية ينفذانها بأمر من القانون، وكذلك من ينفذ العقوبة الجنائية في مواجهة المحكوم عليه سواء بالغرامة أو الاعدام أو الحبس لا يعتبر مرتكبا لجريمة لأنه ينفذ القانون، نفس المقتضى بالنسبة لمن يقبض على مجرم متلبس بجريمة ويسوقه إلى أقرب مركز شرطة لا يكون مرتكبا لجريمة معاقب عليها لأنه نفذ أمر القانون، ولو كان هذا الشخص عاديا لا ينتمي إلى جهاز الشرطة، ففي هذه الحالة يكون أمر القانون اختياريا لا إلزاميا ومع ذلك يسمح به القانون، أما لو كان الحاضر على حالة التلبس من الشرطة فضروري أن يتدخل للقبض على المجرم والقانون يكفل له ذلك.

كما نشير هنا إلى أن المقصود بأمر القانون لا يفيد فقط النص التشريعي الصريح الذي ينص على فعل شيء أو الامتناع عن فعله، بل يشمل كذلك الأوامر المستفادة من القرارات الصادرة عن السلطات العمومية كالقرار الوزاري مثلا الذي يلزم الأطباء بالإبلاغ عن كل مرض معد ظهر أثناء الكشف على المريض، فهذا أمر قانوني لا يعد خرقا لواجب السر المهني طبقا للفصل 446 ق.ج ، نفس المقتضى بالنسبة إلى الرخص الادارية لبيع شيء ما ، فهذه الرخص هي من قبيل أمر القانون، لأنها منحت من جهات مختصة بمقتضى القانون.

شروط التبرير في حالة تنفيذ أمر القانون

الفصل 124 برر من خلاله المشرع الفعل المكون للجريمة إذا كان القانون هو الذي أوجب هذا الفعل، وأن تكون السلطة الشرعية قد أمرت به، فإذا توفر أمر القانون وأمر السلطة الشرعية فإن الفعل يكون مبررا بلا خلاف. والحقيقة أنه وبالرغم من أن ظاهر النص يتطلب لقيام التبرير أمر القانون وأمر السلطة الشرعية، فإن الاكتفاء بأمر القانون وحده يكون أحيانا كافيا لتبرير الفعل، أما العكس فغير صحيح، فأمر السلطة الشرعية دون أمر القانون فيبقى غير صحيح لأن ذلك مخالفة للقانون وخرق لمبدأ الشرعية.

الافتراض الأول : توار أمر القانون وحده دون أمر السلطة الشرعية

ونميز هنا بين نوعين من الأوامر ، النوع الأول موجه إلى الرؤساء مباشرة وليس للمرؤوسين، ففي هذه الحالة لا يكفي أمر القانون وحده، بل لابد من أمر السلطة الشرعية، مثال ذلك تجديد فترة وضع المشبوه به تحت الحراسة النظرية لأكثر من 48 ساعة، بحيث لابد فيها من إذن النيابة العامة وإلا اعتبر الأمر اعتقالا تعسفيا وفق الفصل225، جاء في الفصل 66 من ق م ج : ” إذا تطلبت ضرورة البحث أن يحتفظ ضابط الشرطة القضائية بشخص أو عدة أشخاص ممن أشير إليهم في المادة 65 أعلاه ليكونوا رهن إشارته، فله أن يضعهم تحت الحراسة النظرية لمدة لا تتجاوز 48 ساعة تحسب ابتداء من ساعة توقيفهم، وتشعر النيابة العامة بذلك .. .يمكن بإذن كتابي من النيابة العامة لضرورة البحث، تمديد مدة الحراسة النظرية لمرة واحدة أربعا وعشرين ساعة…”

الفصل 225 : ” كل قاض، أو موظف عمومي، أو أحد رجال أو مفوضي السلطة أو القوة العمومية يأمر أو يباشر بنفسه عملا تحكميا، ماسا بالحريات الشخصية أو الحقوق الوطنية لمواطن أو أكثر يعاقب بالتجريد من الحقوق الوطنية. لكن إذا أثبت أنه تصرف بناء على أمر صادر من رؤسائه في مادة تدخل في نطاق اختصاصهم ويوجب عليه طاعتهم، فإنه يتمتع بعذر معف من العقاب، وفي هذه الحالة تطبق العقوبة على الرئيس الذي أصدر الأمر وحده. وإذا كان العمل التحكمي أو المساس بالحرية الفردية قد ارتكب أو أمر به لغرض ذاتي أو بقصد إرضاء أهواء شخصية، طبقت العقوبة المقررة في الفصول 436 إلى 440…”

الفصل 436 : ” يعاقب بالحبس من خمس إلى عشر سنوات كل من يختطف شخصا أو يقبض عليه أو يحبسه أو يحجزه دون أمر من السلطات المختصة وفي غير الحالات التي يجيز فيها القانون أو يوجب ضبط الأشخاص. وإذا استغرقت مدة الحبس أو الحجز 30 يوما أو أكثر كانت العقوبة بالسجن من 10 سنوات إلى 20 سنة…”.

أما النوع الثاني فيتوجه القانون بخطابه إلى الأشخاص الذين تكون مهمتهم تنفيذ أوامر القانون مباشرة، ففي هذه الحالة يكفي أمر القانون وحده لتبرير الفعل دون أمر من السلطة الشرعية، مثال ذلك القبض على المجرم وإيداعه أقرب مركز شرطة، ومثاله أيضا احتجاز ضابط الشرطة القضائية للمشبوه به ووضعه تحت الحراسة النظرية لمدة لا تزيد على 48 ساعة .

الافتراض الثاني : توافر أمر السلطة الشرعية دون أمر القانون

هي الحالة التي يستند فيها المرؤوس إلى أوامر رؤسائه لتبرير الفعل الذي لا يسمح به القانون، وهنا المشرع المغربي في الفصل 124 نص على أنه لا يمكن أبدا تبرير الفعل الذي لا يسمح به القانون بناء على أوامر الرؤساء، فهذا الفصل يشترط توافر أمر القانون وأمر السلطة الشرعية معا، هذا كأصل عام ، لكن الفصل 258 ينص على أن : ” إذا أثبت القاضي أو الموظف العمومي أنه تصرف بناء على أمر من رؤسائه، في نطاق اختصاصاتهم التي يجب عليه طاعتهم فيها، فإنه يتمتع بعذر معف من العقاب؛ وفي هذه الحالة تطبق العقوبة على الرئيس الذي أصدر الأمر وحده.” وعليه فإن المرؤوس الذي ينفذ أوامر رؤسائه في إطار صلاحياتهم يكون معفى من المسؤولية الجنائية، شريطة أن يكون الفعل غير مخالف للقانون أو على الاقل غير واضح الدلالة على مخالفته للقانون، فالفصل 258 لا يمكن أن نقول معه أن المشرع يسمح للمرؤوس بمخالفة القانون، وإلا كان الرئيس مشاركا والمرؤوس فاعلا أصليا، فالمدلول من الفصل 258 هو إعفاء المنفذ للأمر المنافي للقانون الصادر إليه من الرئيس شريطة أن يكون في حدود الاختصاصات التي تجب عليه طاعته فيها.

ثانيا : حالة الضرورة والقوة القاهرة

حالة الضرورة : تنصرف حالة الضرورة عندما يرتكب الشخص نشاطا يجرمه القانون الجنائي ويلحق أذى بنفس الغير أو ماله، ويكون مضطرا إلى ارتكاب الفعل المجرم بقصد المحافظة على حياته أو ماله، كمن يسرق طعاما من أجل أن يسدد الرمق نتيجة الجوع، أو يدخل منزل الغير هربا من حيوان مفترس، فالأساس الذي تقوم عليه الضرورة هو نية دفع الضرر وتأثير الإكراه المعنوي .

الشروط الواجبة لقيام حالة الضرورة :

• وجود خطر جسيم يهدد النفس أو المال، ويكون كذلك إذا كان حالا ومحققا أو وشيك الوقوع، ويقدره القضاء على أساس عناصر متعددة منها ظروف الجاني الجسمية والاجتماعية وسنه.

• عدم مشروعية الخطر، فإذا كان التعرض للخطر يقتضيه القانون على الشخص، فإن حالة الخطر لا تكون سببا للتبرير(العسكري الذي يعرض نفسه لضرر من أجل عدم مواجهة العدو).

• ألا يكون فاعل الجريمة هو المتسبب في الخطر عمدا.

• أن تكون الجريمة هي الوسيلة الوحيدة لتجنب الضرر الناتج عن الخطر، فإذا كان بمقدور الفاعل تجنب الضرر الناتج عن الخطر بوسيلة أخرى غير ارتكاب الجريمة فلا يقبل منه التمسك بحالة الضرورة.

• أن يكون ما وقع التضحية به عن طريق ارتكاب الجريمة أقل مما استهدف المحافظة عليه من حيث القيمة، أو على الأقل يكون مساويا له . فإذا ما وقع العكس فهذا لا يبرر الجريمة ولا تقوم حالة الضرورة تبعا لذلك، مثلا التضحية بحياة إنسان مقابل المحافظة على المال.

آثار قيام حالة الضرورة

إذا قامت حالة الضرورة بالشروط السابقة، ترتب عن ذلك تخلف الجريمة أصلا وتبعا لذلك لا تقوم أية مسؤولية جنائية في جانب الفعل، تبقى إشكالية التعويض على الضرر وفق مبادئ المسؤولية المدنية، وإن كان الفقه قد اختلف، فإن المشرع المغربي وفق الفصل 77 من ق ل ع اشترط أن يكون الفعل عن بينة واختيار ومن دون أن يسمح به القانون، وفي حالة الضرورة واضح أن الفعل تحت الضرورة لم يكن باختيار الفاعل، ولم يخرق القانون، فإذا برأ القاضي الجنائي الشخص المتابع امتنع القاضي المدني عن مساءلة المعني وفق المسؤولية القائمة على الخطأ الشخصي.

إثبات حالة الضرورة

عبء إثبات حالة الضرورة يقوم على عاتق المتابع الذي يدعي أنها قام بالفعل تحت تأثير الضرورة، ومحكمة الموضوع هي التي يرجع إليها أمر التثبت من مدى قيام حالة الضرورة بشروطها دن رقابة عليها من محكمة النقض، بينما الدفع بحالة الضرورة واثبات وقائع معينة يوجب على المحكمة البحث فيه والجواب عنه وإلا تعرض حكمها للنقض.

القوة القاهرة

هي الحالة التي يستحيل على الفاعل تجنب الفعل بسبب خارجي لم يستطع مقاومته (تسمى الإكراه المادي، أو الحادث الفجائي أو القوة القاهرة) ، كمن لا يحضر لأداء الشهادة بسبب انقطاع الطريق نتيجة تساقط الثلوج، ويترتب على قيام حالة القوة القاهرة تحلل الفاعل نهائيا من المسؤولية الجنائية وفق الفصل 124 و المدنية أيضا تقصيرية أو عقدية.

ثالثا : الدفاع الشرعي

الفصل 124 ينص على أنه : ” إذا كانت الجريمة قد استلزمتها ضرورة حالة الدفاع الشرعي عن نفس الفاعل أو غيره أو ماله أو مال غيره، بشرط أن يكون الدفاع متناسبا مع خطورة الاعتداء”.

لكن المشرع لم يلزم ذلك بمعنى أنه لا يكون واجبا التصدي للعدوان وارتكاب جريمة في مواجهته، بل هو فقط سمح بذلك دفاعا عن النفس أو المال.

شروط حالة الدفاع الشرعي

أولا : الشروط اللازم توافرها في الاعتداء

• وجود خطر اعتداء ضد نفس الشخص أو غيره أو ماله أو مال غيره، والمشرع لم يستلزم قيام رابطة قرابة بين من يرد العدوان بالدفاع الشرعي عن نفس الغير أو ماله وبين المعتدى عليه، ومع ذلك فالدفاع الشرعي لا يجوز إلا لرد الاعتداء عن النفس فيهدد الحياة أو الحرية أو السلامة الجسدية أو العرض ، وبذلك يعتبر الاعتداء بالسب والقذف غير مبرر سلوك طريق الدفاع الشرعي، أما المال فهو يفهم على إطلاقه سواء كان مشروعا أو غير مشروع لأن مهام أخذه من مهام الدولة إذا كان غير مشروع وليس من مهام الافراد، وعليه فأي نشاط يرد العدوان على المال بمفهومه الشامل بالسرقة أو الاحراق أو التخريب أو التحطيم أو التبديد يكون مشروعا.

• أن يكون خطر الاعتداء حالا أو وشيكا فيكون من اللازم المبادرة بالدفاع، أما إذا انتهى الاعتداء فلا مجال للدفاع الشرعي، لكن إذا كان الاعتداء ما يزال مستمرا ولم ينتهي بعد جاز الدفاع الشرعي، ولا يشترط وُقوع الاعتداء بالفعل بل يكفي أن يكون وشيك الوقوع.

• أن يكون الاعتداء غير مشروع، أما إذا كان الفعل مشروعا فلا يجوز مواجهته بالدفاع الشرعي كمقاومة مطاردة رجال الشرطة، نشير هنا إلى أنه لا يجوز مقاومة الدفاع الشرعي لأنه حق مشروع، أما مقاومة الزوجة وعشيقها للزوج فيعتبر دفاعا شرعيا، بينما الشخص الواقع من اعتداء من رجال الشرطة الذين يتجاوزون حدود سلطاتهم فأغلب الفقه يميل إلى أنه يجوز مقاومتهم لكن القضاء الفرنسي يميل إلى عدم المقاومة ثم الاقتصاص بعد ذلك أمام محاكم الموضوع.

ثانيا : الشروط الواجب توافرها في فعل الدفاع

• أن يكون فعل الدفاع لازما وضروريا لرد الاعتداء، فلو كان بإمكان المعتدى عليه مراجعة السلطة العامة، أو أية وسيلة أخرى غير رد العدوان بالقوة ولم يلجأ إليها، فإنه سيكون مسؤولا إن لجأ إلى فعل الدفاع بدل استنفاذه لتلك الوسيلة، أما إذا توافرت إمكانية الهروب فلا ضرورة للدفاع الشرعي اللهم إذا كان ذلك منقصة في حق المعتدى عليه وسببا للاستهزاء أما الهروب من اعتداء الاب مثلا فواجب وضروري.

• أن يكون فعل الدفاع متناسبا مع الاعتداء، فيقتصر على القدر الضروري لدفع الاعتداء ولا يتجاوزه، فالاعتداء على المال بالسرقة لا يمكن مواجهته بالقتل ومعيار ذلك متروك للقضاة في إطار سلطتهم التقديرية المبنية على معيار شخصي كالسن والقوة الجسمية والجنس والزمان والمكان.

الحالات الممتازة للدفاع الشرعي الواردة في الفصل 125

جاء في الفصل 125 من ق ج ” تعتبر الجريمة نتيجة الضرورة الحالة للدفاع الشرعي في الحالتين الآتيتين:

1 – القتل أو الجرح أو الضرب الذي يرتكب ليلا لدفع تسلق أو كسر حاجز أو حائط أو مدخل دار أو منزل مسكون أو ملحقاتهما.

2 – الجريمة التي ترتكب دفاعا عن نفس الفاعل أو نفس غيره ضد مرتكب السرقة أو النهب بالقوة.”

وعليه فإن إثبات حالة الدفاع الشرعي وفق الفصل 125 تكون مفترضة بينما يقع عبء اثباتها في حالات الفصل 124 على صاحب فعل الدفاع.

أسباب التبرير أو الإباحة غير المنصوص عليها في الفصل 124 ق.ج

إن أسباب التبرير الواردة في الفصل 124 ليست على سبيل الحصر وإنما أشار إلى أهم هذه الأسباب إلى أهمها، فهناك بعض الوقائع التي تعتبر مبررة لأفعال مكونة للجريمة دون أن يكون المشرع قد بررها بكيفية صريحة وذلك قياسا على وقائع مبررة واردة في القانون، ذلك أنه يجوز استعمال القياس للتوسع في تفسير النص الجنائي، لأن محل عدم جوازه ينصرف إلى مجال التجريم والعقاب، أما في مجال التبرير والإباحة فيجوز القياس.

أسباب التبرير التي ترجع إلى استعمال الحق: فعندما يسمح القانون بممارسة حق إنما يسمح بالضرورة باستعمال بعض الوسائل لاقتضاء هذا الحق، ولو كانت هذه الوسائل تشكل جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي، شريطة مراعاة الحدود المقررة لهذا الاستعمال قانونا أو عرفا.

• حق التأديب : لا يجوز اللجوء إلى حق الـتأديب إلا من أجل التقويم والتعليم والتأديب، فإن تجاوز هذه الحدود أصبح جريمة يعاقب عليها القانون ويستوجب مساءلة المؤدب جنائيا.

• مهنة الطب : تقتضي ممارسة المهن الطبية كالجراحة أو غيرها مباشرة بعض الأعمال تعد في ذاتها جرائم، ومع هذا فهذه الأعمال تعتبر مبررة حتى ولو نتج عنها وفاة لأن الغاية منها هي التوصل للعلاج، لكن يشترط لممارسة هذه المهنة التقيد بقواعدها وأصولها، لأن الخروج عن هذه الحدود (دواء غير مرخص) يعد فعلا غير مسموح به ويجوز مسائلة مرتكبه على هذا الفعل.

• ممارسة الرياضة : كالملاكمة ، حيث أن تبادل اللكمات ليس جريمة، شريطة أن تمارس في إطارها القانوني وقواعدها المنظمة وهيئاتها التنظيمية.

أسباب التبرير التي ترجع إلى رضا المجني عليه : القانون المغربي لم يشر إلى ذلك، وبالتالي لا يمكن اعتبار رضا المجني عليه سببا من اسباب التبرير، لكن يميز الفقه بين جرائم الاموال والجرائم الماسة بالحق في الحياة، حيث يرى أن رضاء المجني عليه يسمح بتبرير الجريمة في إطار جرائم الاموال (حق يجوز التصرف فيه) دون الجرائم الماسة بحق الحياة أو السلامة الجسدية.

نص القانون الجنائي المغربي على حالات استثنائية (زرع الاعضاء البشرية الصادر بتاريخ 26 غشت 1989).

📗 خلاصة الباب

  • • الركن القانوني يقوم على عنصرين: خضوع الفعل لنص يجرمه، وعدم خضوعه لسبب تبرير أو إباحة، وهو التطبيق المباشر لمبدأ الشرعية الجنائية.
  • • ينتج عن مبدأ الشرعية أربع قواعد: حصر مصادر التجريم في القانون المكتوب، منع القياس في التجريم والعقاب، عدم رجعية القانون الجنائي إلا إذا كان أصلح للمتهم، وإقليمية تطبيقه.
  • • تطبيق القانون الجنائي من حيث المكان يحكمه مبدأ الإقليمية أساسا (الفصل 10)، وتكمله استثناءً مبادئ الشخصية والعينية والعالمية لسد الفراغ التشريعي في الجرائم العابرة للحدود.
  • • ينتفي الركن القانوني بتوافر أسباب التبرير أو الإباحة المنصوص عليها في الفصل 124 (تنفيذ أمر القانون، حالة الضرورة، الدفاع الشرعي)، وهي أسباب ترفع الصفة الجرمية عن الفعل ولو تحققت باقي الأركان.

◀ الفصل السابق: المسؤولية الجنائية

🔖 فهرس الكتاب

الفصل التالي: الركن المادي

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية