فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الركن المادي

📖 الجنائي العام — الفصل 5 من 11 — فهرس الكتاب

مدخل

لا يكفي من الناحية القانونية لوجود الجريمة توافر الركن القانوني فقط، وإنما لابد من توافر فعل مادي يشكل مضمون الجريمة سواء في شكل فعل أو امتناع، بحيث تأخذ الجريمة شكلها الخارجي، هذا النشاط المادي الإيجابي أو السلبي الذي يمس بحقوق الافراد أو الجماعة هو ما يسمى بالركن المادي للجريمة، وهو مظهر مادي للجريمة يتسبب في اضطراب اجتماعي تعاقب الجماعة المتسبب فيه عندما يخرج من عالم النوايا إلى العالم الخارجي، ذلك أن القانون لا يعاقب على مجرد الافكار و النوايا الاجرامية، ولا على تصميم المجرم لارتكاب الجريمة، ولا على الاعمال التحضيرية لها، ولا حتى على الاعمال الضارة إدا لم تكن مُجرمة، وإنما يتدخل فقط عندما تتحول كل هذه الامور النفسية الى واقع مادي ملموس متمثل في فعل إيجابي أو امتناع يجرمه القانون الجنائي. وتوافر العنصر المادي للجريمة، يستلزم ثلاثة مسائل ضرورية :

• نشاط إجرامي سواء كان عملا أو امتناع

• حصول نتيجة ضارة من هذا النشاط .

• وجود رابطة سببية بين هذا النشاط و النتيجة .

أولا : النشاط الجرمي

بالرجوع الى القانون الجنائي المغربي نجد ان المادة 110 من القانون الجنائي تنص على أنه : ” الجريمة هي عمل أو امتناع مخالف للقانون الجنائي و معاقب عليه “، يتضح أن النشاط الاجرامي الذي يصدر من الجاني إما أن يكون ايجابيا أو سلبيا .

النشاط الإيجابي : هو حركة عضوية إرادية، فالجاني قبل أن ينفذ جريمته يتصور في ذهنه أولا النتيجة الإجرامي التي يريد الوصول إليها، ويتصور في نفس الوقت الحركة العضوية المادية التي عليه أن يقوم بها لتحقيق النتيجة، فقد يحدث هذا النشاط بحركة من أعضاء الجسم بتحريك اليد للبطش أو بالاختلاس أو التزوير أو كتابة عبارات القذف أو السب وتحريك اللسان بالنطق بشهادة الزور أو الاتفاق على مؤامرة أو الوشاية الكاذبة، كما قد يحرك الجسم كله كجرائم الهروب، ودخول منزل الغير، وخرق الاقامة الاجبارية .

النشاط السلبي : ويتحقق بمجرد الترك أو الامتناع عن القيام بعمل إيجابي، وينقسم إلى نوعين: امتناع يشكل في حد ذاته جريمة، وآخر يكون وسيلة لاقتراف جريمة، فالامتناع الذي يشكل جريمة لا يشكل في ذاته جريمة إلا إذا نص القانون على اعتباره كذلك وبصرف النظر عن تحقق نتيجة ضارة أو عدم تحققها ( كعدم التبليغ، وحالة عدم التدخل لمنع وقوع جريمة وحالة الامتناع عن تقديم المساعدة )، أما الامتناع كوسيلة لارتكاب الجريمة، فهي الحالة التي تُرتكب فيها الجريمة وكان بمقدور الممتنع منع حصولها ولكنه لم يفعل قاصدا بذلك الامتناع حصول النتائج الضارة، فيكون بذلك مشاركا للفاعل الأصلي بالنسبة لجرائم معينة كالقتل والسرقة، ومجرما أصليا في جرائم أخرى كعدم التبليغ عن جريمة إرهابية، كذلك الشأن بالنسبة لترك الغريق يموت وعدم الحيلولة دون إنقاذ شخص أعمى.

جاء في الفصل 463 : ” إذا نتج عن التعريض للخطر أو الترك موت الطفل أو العاجز، وكانت لدى الجاني نية إحداثه، فإنه يعاقب بالعقوبات المقررة في الفصول 392 إلى 397، على حسب الأحوال.”

وجاء في الفصل 392 : ” كل من تسبب عمدا في قتل غيره يعد قاتلا، ويعاقب بالسجن المؤبد.

لكن يعاقب على القتل بالإعدام في الحالتين الآتيتين:

• إذا سبقته أو صحبته أو أعقبته جناية أخرى؛

• إذا كان الغرض منه إعداد جناية أو جنحة أو تسهيل ارتكابها أو إتمام تنفيذها أو تسهيل فرار الفاعلين أو شركائهم أو تخليصهم من العقوبة.”

ثانيا : النتيجة الإجرامية

هي التغيير أو التأثير التي تحدثه الجريمة في العالم الخارجي بما يترتب عليه من اضطراب في المجتمع. والضرر التي تسفر عنه النتيجة الاجرامية قد يكون ماديا كإزهاق روح الضحية أو سرقة ماله، أو معنويا كالسب والقذف، لكننا نتحدث هنا عن جرائم النتيجة أو جرائم الضرر أو الجرائم المادي التي يتوقف قيامها قانونا على حدوث نتيجة معينة، أما جرائم الخطر أو الجرائم الشكلية فهي تقوم دون أن يتوقف قيامها على نتيجة، فهذه الجرائم لم يجرمها المشرع للضرر وإنما للخطر الذي قد تنجم عنه أضرار محتملة كجرائم المؤامرة والاعتداء وقيادة سيارة بلا رخصة وخرق قانون السير والمحاولة في الجناية، هذه كلها جرائم شكلية يعاقب القانون عليها بغض النظر عن حصول أية نتيجة.

ثالثا : العلاقة السببية بين الفعل الجرمي والنتيجة الاجرامية

يجب أن يكون نشاط الجاني هو السبب المباشر لحصول النتيجة الاجرامية، فإذا تخلفت العلاقة تخلفت تبعا لذلك النتيجة، نتحدث عن جرائم النتيجة أما الجرائم الشكلية فلا يتصور فيها وجود هذه العلاقة ، حمل السلاح بدون رخصة مثلا، وإذا كان استخلاص هذه العلاقة السببية أمرا يسيرا في الجرائم التي يتسبب فيها عامل واحد، فإن الأمر يطرح إشكاليات عندما تتعدد الأسباب، كأن يطلق شخص النار على شخص آخر فيصيبه إصابة طفيفة لكن الشخص المصاب يكون مريضا بنقص فيتامين ك فلا يتوقف سيلان الدم ويموت.

وهنا تتدخل ثلاث نظريات لمساعدة القضاء ، نظرية تكافؤ الاسباب، نظرية السبب المباشر ثم نظرية السبب المنتج.

فنظرية تكافؤ الاسباب تعني أن جميع الأسباب تتحمل مسؤولية النتيجة ولو كانت تافهة، فجميع من يتسبب ولو بقدر بسيط في الجريمة يكون مسؤولا مسؤولية جنائية كاملة عن الجريمة، وهي نظرية قاسية نوعا ما ، أما النظرية الثانية فهي نظرية السبب المباشر أي السبب القوي والاساسي وتستبعد الاسباب غير المباشرة، أما نظرية السبب المنتج فهي تعتبر السبب الذي يؤدي عادة إلى النتيجة الحاصلة أما الاسباب العارضة فلا يعتد بها لأنها عادة لا تحدث تلك النتيجة.

والمشرع المغربي يعتد بالسببية المباشرة في المسؤولية المدنية، أما في المسؤولية الجنائية فليس هناك أي تنصيص من المشرع، والأمر متروك للقضاة لإعمال سلطته التقديرية على حسب ملابسات كل قضية وظروفها. لكن يجب التعليل حتى تتمكن محكمة النقض من بسط رقابتها على محكمة الموضوع والوقوف على مدى سلامة الاستخلاص لهذه العلاقة من تلك الوقائع إثباتا أو نفيا.

مراحل ارتكاب الركن المادي

تمر الجريمة بأربعة مراحل ، تبدأ فكرة، ثم تنتقل الى التحضير، ثم التنفيذ، ثم المرحلة الاخيرة بانتهاء التنفيذ وتحقق النتيجة، لكن المشرع المغربي لا يعاقب على الفكرة ولا على التحضير، لكن المحاولة والجريمة التامة يعاقب عليهما .

المحاولة (114-117)

الركن المادي قد يكون عبارة عن فعل جرمي وقد يكون محاولة إجرامية، ومن الناحية القانونية لا يقع النشاط الاجرامي دفعة واحدة، وإنما يمر بمراحل متعددة، وهذ المراحل لا يتم العقاب عليها جميعا، فالجريمة التامة التي تتحقق نتيجتها يعاقب عليها، أما المحاولة التي يبذل الجاني فيها ما في وسعه لتحقيقها، ومع ذلك لا تحقق نتيجتها، يعاقب عليها القانون ولكن في حدود معينة.

الفصل 114 : ” كل محاولة ارتكاب جناية بدت بالشروع في تنفيذها أو بأعمال لا لبس فيها، تهدف مباشرة إلى ارتكابها، إذا لم يوقف تنفيذها أو لم يحصل الأثر المتوخى منها إلا لظروف خارجة عن إرادة مرتكبها، تعتبر كالجناية التامة ويعاقب عليها بهذه الصفة.”

الفصل 115 : ” لا يعاقب على محاولة الجنحة إلا بمقتضى نص خاص في القانون.”

الفصل 116 : ” محاولة المخالفة لا يعاقب عليها مطلقا.”

الفصل 117 : ” يعاقب على المحاولة حتى في الأحوال التي يكون الغرض فيها من الجريمة غير ممكن بسبب ظروف واقعية يجهلها الفاعل”.

عناصر المحاولة

لقيام المحالة يستلزم الأمر أولا البدء في التنفيذ قصد ارتكاب الجريمة وثانيا عدم تحقق النتيجة الإجرامية لظروف خارجة عن إرادة الجانين، ولا يوجد ضابط دقيق يسمح بالتمييز بين البدء في التنفيذ الذي يعتبر عنصرا في المحاولة، والأعمال التحضيرية التي تعتبر أفعالا مباحة لا تخضع للعقاب من حيث المبدأ، وفي جميع الأحوال فتكييف الفعل بأنه بدء في التنفيذ أو مجرد عمل تحضيري يعتبر من المسائل القانونية التي يخضع فيها قاضي الموضوع لرقابة قضاة محكمة النقض، على أن البدء في التنفيذ لا يعتبر محاولة إلا إذا كان القصد تحقيق الجريمة التامة بكل عناصرها، مع انعدام العدول الإرادي الذي يكون بإرادة الفاعل وتوقفه عن تنفيذ الجريمة، فإذا انعدم العدول الارادي مع البدء في التنفيذ كنا بصدد محاولة ، الفصل114.

ولا يرتب العدول الإرادي أثرا على تحقق المحاولة إلا إذا حصل قبل تحقق النتيجة في الجرائم المادية أو جرائم النتيجة، حيث يبقى العدول هنا ممكنا مادام أن النتيجة لم تتحقق، أما في الجرائم الشكلية كحمل السلاح بدون رخصة فإن الجريمة تتحقق بمجرد قيام الفاعل بالسلوك المعاقب عليه أو المكون للركن المادي فيها، ولا يرتفع هذا الوصف إذا قام الفاعل بعد ذلك بمحاولة إصلاح نتائج فعله.

صور المحاولة

هناك ثلاث صور للمحاولة من الناحية العلمية.

أولا : الجريمة الموقوفة

وهي الصورة المألوفة والعادية للمحاولة لأن الجاني يكون مستمرا في مواصلة القيام بالأعمال كالقبض عليه أو هروبه، حيث يتوقف عن التنفيذ لسبب خارجي عن إرادته، كأن يعتزم زيد قتل عمرو ويوجه المسدس نحوه لكن يحدث أن يأتي بكر فيقبض على يد زيد ويفوت عليه فرصة القتل.

ثانيا : الجريمة الخائبة

وهي الجريمة التي حقق الفاعل ركنها المادي واعتقد أنه سيتوصل إلى النتيجة التي استهدفها نشاطه، إلا أن محاولته فشلت من غير تدخل سبب أجنبي أو عدول من طرفه. فلم تتحقق النتيجة رغم أنها كانت ممكنة الحصول، كأن يعتزم زيد قتل عمرو ويوجه المسدس نحوه لكن يحدث أن يخطئه.

ثالثا : الجريمة المستحيلة

حيث لا تتحقق النتيجة الاجرامية لاستحالة تحققها، إما من الناحية القانونية أو المادية، وتكون الاستحالة قانونية لانتفاء أحد الشروط المتطلبة قانونا لتجريم الفعل أو الامتناع، مثال ذلك من يختلس منقولا لأخيه ثم يتبين أنه هو المالك لذلك المنقول بسبب أنه هو الوريث لأخيه المتوفى قبل اختلاسه لذلك المنقول، أما الاستحالة المادية فتكون في حالة وجود عائق مادي أو واقعي يصبح معه من المستحيل تحقق النتيجة الاجرامية، مثال ذلك من يطلق النار على شخص يعتقد أنه حي، فإذا به قد فارق الحياة قبل إطلاق النار عليه.

عقاب المحاولة

نظرا لخطورة المحاولة على مصالح المجتمع فقد نص المشرع المغربي على العقاب واعتبرها كالجريمة التامة، إلا أنه أقام تمييزا في هذا العقاب بين الجنايات والجنح والمخالفات، فالمحاولة لا تلحق بالجريمة إلا بالنسبة للجنايات طبقا للفصل 114، أما الجنح فلا يعاقب على المحاولة فيها إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك الفصل 115، بينما المخالفات فلا يعاقب على المحاولة فيها على الإطلاق طبقا للفصل 116.

📗 خلاصة الباب

  • • لا يعاقب القانون على مجرد النية؛ لا بد من نشاط مادي فعل أو امتناع يترجم القصد إلى واقع ملموس، وتوافر الركن المادي يستلزم نشاطا إجراميا ونتيجة ضارة ورابطة سببية بينهما.
  • • تُميّز جرائم النتيجة، التي يتوقف قيامها على تحقق ضرر، عن الجرائم الشكلية أو جرائم الخطر التي يعاقب عليها لمجرد وقوع السلوك، كحمل السلاح بدون رخصة.
  • • تمر الجريمة بمراحل: الفكرة والتحضير (لا عقاب عليهما)، ثم المحاولة والتنفيذ التام، والمحاولة معاقب عليها وجوبا في الجناية (الفصل 114)، وبنص خاص فقط في الجنحة (الفصل 115)، وغير معاقب عليها إطلاقا في المخالفة (الفصل 116).
  • • للمحاولة ثلاث صور: الجريمة الموقوفة (توقف بفعل خارجي)، الجريمة الخائبة (فشل الوسيلة رغم اكتمال الفعل)، والجريمة المستحيلة (استحالة قانونية أو مادية لتحقق النتيجة).

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية