📖 الجنائي العام — الفصل 8 من 11 — فهرس الكتاب
الأحكام العامة للعقوبة
العقوبة هي الجزاء الذي يوقعه القضاء باسم المجتمع على كل شخص ارتكب فعلا أو تركا مخالفا للقانون الجنائي، وتكون الغاية المباشرة هي ردعه عن طريق إيلامه في بدنه أو حريته أو ماله أولا ثم الانتقاص من شخصيته على المستوى الاجتماعي وهبوط رصيده من التقدير والاحترام.
يتعلق الجزاء الجنائي بالجانب الشخصي للجاني وليس بالعوامل التي تدفع به إلى ارتكاب النشاط الإجرامي، لذلك نادى الفكر الجنائي الحديث إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار شخصية الجاني والظروف المؤدية إلى ارتكاب الجريمة، ولقد توج هذا الفكر الحديث بظهور مبدأ التفريد الذي أكد على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار شخصية الجاني وظروف ارتكاب الجريمة، ولقد كان لمبدأ التفريد سواء القضائي أو التشريعي أو الإداري دور مهم في أنسنة العقوبة وجعلها تتناسب مع مبادئ حقوق الإنسان، وبالموازاة مع هذا المبدأ نجد مبدأ آخر لا يقل عنه أهمية، ويتعلق الأمر بمبدأ الشرعية، والذي يعتبر من الضمانات الأساسية لحماية حقوق الأفراد من تعسف السلطة التشريعية والسلطة القضائية.
و مع ظهور هذين المبدأين، أصبح للعقوبة وظائف جديدة، من بينها حماية المجتمع بالاعتماد على وسائل إنسانية فعالة، فلم يعد يُنظر للجاني كمذنب يجب معاقبته، بل أصبح ينظر إليه كمريض اجتماعي يجب تخليصه من مرضه وإعادته سليما إلى المجتمع ، وقد كان لهذين المبدأين دورا كبيرا في تلطيف من قسوة الجزاء الجنائي، الذي تم فرضه من أجل إصلاح الجاني وفي نفس الوقت ردعه من اجل حماية المجتمع ككل.
مميزات العقوبة
أولا : الشرعية
بمعنى أنه لا يجوز إيقاع العقوبة على شخص إلا إذا نص عليها القانون. هذه الخاصية هي تأكيد لمبدأ ” لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ” ولقد نص التشريع الجنائي المغربي على هذه الخاصية في الفصل الأول منه ، كما تم التأكيد على هذه الخاصية في الفصل العاشر من الدستور المغربي، ويمكن تلخيص هذه الخاصية في نقطتين أساسيتين، تتعلق الأولى بحماية حقوق الأفراد من تعسف القضاة، أما الثانية فهي متعلقة بتحديد طرق التقاضي والقضاء.
ثانيا : الشخصية
بمعنى أن العقوبة لا تطال إلا شخص الجاني وليس أهله وأبناءه وعشيرته. وقد حدد القانون الجنائي المغربي شخصية هذا الجزاء في الفصل 132، إذ نص على ما يلي : ” كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا على الجرائم التي يرتكبها ” ، فمن خلال هذا الفصل يمكننا القول أن كل من ارتكب فعلا مجرما قانونا يسأل عن فعله مسؤولية شخصية، وأما الغير الذي لا علاقة له بالجريمة فلا يجوز معاقبته .
ثالثا : النفعية
بمعنى التقيد بالغاية المتوخاة من العقوبة، مثلا المحكوم عليه بالإعدام لا فائدة من التنكيل والتمثيل به.
رابعا : المساواة
بمعنى أن الجزاء الجنائي يطبق على كل من ثبتت مسؤوليته في الجريمة المعاقب عليها في القانون الجنائي، وبالتالي ينبغي أن يكون الجزاء واحدا لجميع المجرمين دون التفريق بينهم تبعا لمكانتهم في المجتمع أو لعقيدتهم الدينية، هذه الخاصية تجد سندها الأساسي في الدستور المغربي الذي يقضي بأن الكل سواء أمام القانون وأمام القضاء.
وظائف العقوبة
أولا : الوظيفة الأخلاقية
تظهر أهمية هذه الوظيفة من خلال تحقيق مبدأ العدالة، وقد كان لمبدأ التفريد والشرعية دو كبير في جعل هذا الجزاء الجنائي يمتاز بهذه الخاصية، فقد أصبح الجزاء الجنائي وسيلة تساعد الجاني على تحسين وتقويم سلوكه، لإدماجه داخل المجتمع، وبالتالي إزالة التصور الذي كان يحيط بالجزاء الجنائي والمتمثل في اعتباره مجرد وسيلة لإنزال العقاب على الجاني.
ثانيا : حماية المجتمع وحقوق المواطنين
يمتاز القانون الجنائي عن غيره من القوانين بتعدد صور جزاءه الموضوعة من أجل حماية حقوق وحريات الأفراد، إذ يشتمل هذا القانون على مجموعة من المقتضيات التي تعتبر مخالفتها جرائم موجبة للمسؤولية الجنائية، والغرض من ذلك هو حماية المجتمع من الافراد المارقين المهددين للسلم الاجتماعي.
ثالثا : الوظيفة النفعية
يقصد بذلك أن يصبح الجزاء أداة لإصلاح وتقويم الجاني، وقد تشبث مناصرو مبدأ أنسنة العقوبة بالقول أن خطورة الجاني لا تعالج بالتعذيب والعنف ، وإنما بالإصلاح والتقويم والتهذيب الذي كان هو الغرض من إدراج التدابير الوقائية كبدائل للعقوبات.
تمييز الجزاء الجنائي عن الجزاء المدني
• الجزاء المدني يهتم بالحاضر وذلك لاستقرار المعاملات وتثبيتها، بينما الجزاء الجنائي فيهتم بالمستقبل وذلك للحفاظ على حياة الناس وممتلكاتهم.
• الجزاء الجنائي يتعلق بكيان المجتمع وبقائه، لذلك فإن الدعوى العمومية تحركها النيابة العامة ولا تتنازل عنها، على عكس ما يكون عليه الأمر بالنسبة للجزاء المدني، فهو مرتبط بالأفراد الذين يمارسونه بأنفسهم ولهم حق التنازل عن الدعوى الشخصية .
• يسقط الجزاء الجنائي بوفاة الجاني، عكس الجزاء المدني الذي يمكن استيفاؤه من تركة المتوفى.
التمييز بين العقوبة السالبة للحرية والموقوفة التنفيذ
الأصل في صدور الأحكام هو أثار تنفيذها ، لكن المشرع أجاز للقاضي الجنائي وفق قناعته أن يأمر بإيقاف تنفيذها ، ويراد بإيقاف تنفيذ العقوبة تعليق تنفيذ الحكم وفق قناعة القاضي الجنائي الذي يبقى حرا في تكوين قناعته وحريته في تطبيق حالات وظروف التخفيف إذ ما توافرت بعض الشروط المخففة ، من بينها انعدام السوابق القضائية والظروف الاجتماعية للمتهم.
جاء في الفصل 55 من القانون الجنائي : ” في حالة الحكم بعقوبة الحبس أو الغرامة، في غير مواد المخالفات، إذا لم يكن قد سبق الحكم على المتهم بالحبس من أجل جناية أو جنحة عادية، يجوز للمحكمة أن تأمر بإيقاف تنفيذ تلك العقوبة، على أن تعلل ذلك.”
من هنا يتبين أن لإيقاف التنفيذ شروط جوهرية أهمها :
• انعدام السوابق القضائية : والغاية من هذا التدبير حماية المجرم المبتدأ من آثار السجون الوخيمة على مسار حياته.
• أن يكون الفعل جناية أو جنحة : لا يجوز وقف التنفيذ في المخالفات .
• تعليل أسباب منح إيقاف التنفيذ : في حالة عدم تعليل أسباب منح ايقاف التنفيذ يتعرض الحكم للبطلان ما دام الايقاف يعتبر استثناء وانذارا للمحكوم عليه بالعواقب إذا ارتكب فعلا جرميا داخل خمس سنوات من اليوم الذي أصبح فيه الحكم نهائيا.
وايقاف تنفيذ العقوبة تترتب عنه بعض الاثار سواء كان المتهم رهن الاعتقال الاحتياطي أو المحاكمة أوفي حالة سراح ، يمكن تلخيصها فيما يلي:
• إذا كان المتهم معتقلا يفرج عنه ولا يؤثر استئناف النيابة في سراحه.
• يلغى وقف التنفيذ في حالة ارتكاب فعل اجرامي داخل أجل مدة التنفيذ الموقوفة.
• اعتبار الحكم في حالة رد اعتبار قانوني عند انقضاء الأجل القانوني إذا لم يرتكب المحكوم عليه أي فعل جرمي.
• أما إذا كان الامر يتعلق بتنفيذ عقوبة جنائية سالبة للحرية وهي العقوبة البدنية النافذة التي تحكم بها المحاكم فإن الامر مختلف تماما عن صور ايقاف التنفيذ كحرمان المحكوم عليه من الحرية والزج بالمعني بالأمر بالسجن ، ولصحة تنفيذها يتعين احترام بعض الشكليات الجوهرية .
الشروط الجوهرية لتنفيذ العقوبة الجنائية
أولا : أن يقع التنفيذ من الجهة المختصة
بالرجوع الى مقتضيات المادة 597 من قانون المسطرة الجنائية يتضح أن طالب تنفيذ الاحكام الجنائية هي النيابة العامة باعتبارها جهة حامية لحقوق المجتمع والمدافعة عنه، فالنيابة العامة هي الجهة المختصة بالتنفيذ و المطالبة به، ولا يجوز لها أن تباشر التنفيذ إلا بعد توصلها بأوراق تنفيذ العقوبة الجنائية السالبة للحرية من طرف كتابة الضبط للمحكمة المصدرة للحكم ، وهو ما يؤكد خضوع موظفي المكاتب الزجرية لمراقبة النيابة العامة تفاديا لتعطيل الاحكام ، فإذا أجاز المشرع للنيابة العامة إثارة الدعوى العمومية ومراقبة مسارها فإنه أوكل لها طلب تنفيذها والاشراف على اطوار التنفيذ بواسطة أجهزة السلطة العمومية التي تراقب أعمالها.
ثانيا : أن يكون الحكم نهائيا
تعطي المحكمة الأحكام التي تصدرها ثلاثة أوصاف، حضوري، بمثابة حضوري ، غيابي أو غيابي بوكيل ، وجميع هذه الأوصاف تعطي للمحكوم عليه آجالا قانونية للطعن بعد تبليغه ، واكتساب الأحكام الصادرة حجية الشيء المقضي به معناه أن الحكم استوفى طرق الطعن، التعرض ، الاستئناف ، النقض ، والغاية من هذا الاجراء اعطاء المحكوم عليه جميع الضمانات التي يمكن للمتهم سلوكها تحقيقا لاحترام الحرية الشخصية للمحكوم عليه.
ثالثا : أن تكون العقوبة غير متقادمة
بالرجوع الى مقتضيات المواد 5-6-648-649-650-651 -652 و653 من قانون المسطرة الجنائية تتقادم الدعوى العمومية في الجنايات بمرور 15 سنة ميلادية من تاريخ ارتكاب الفعل الجرمي وبمرور سنة من يوم ارتكاب المخالفة وفي الجنح بمضي 4 سنوات، والغاية من تقادم العقوبات الجنائية هو تخلص المحكوم عليه من مقتضى الحكم الصادر ضده ويرجع سبب تقادم العقوبة الى إهمال كتابة الضبط في إعداد أوراق تنفيذ العقوبة وتقاعس النيابة العامة في المراقبة والضابطة القضائية في البحث عن المطلوب القاء القبض عليه.
وينقطع التقادم بكل اجراء من اجراءات التحقيق أو المتابعة يتم من طرف السلطة القضائية أو تأمر باتخاذه وبالتالي يبتدئ أجل التقادم من جديد من اليوم الذي انقطع فيه التقادم ، كما ينقطع التقادم أيضا بأحد الطعون القانونية التي قد تطرأ في القضية .
📗 خلاصة الباب
- • العقوبة جزاء يوقعه القضاء باسم المجتمع، وتتميز بأربع خصائص: الشرعية (لا عقوبة إلا بنص)، الشخصية (لا تطال إلا الجاني، الفصل 132)، النفعية، والمساواة.
- • تؤدي العقوبة وظائف ثلاثا: أخلاقية لتحقيق العدالة، حماية المجتمع، ونفعية لإصلاح الجاني وتأهيله، وتختلف عن الجزاء المدني في كونها تهتم بالمستقبل وتسقط بوفاة الجاني.
- • يجوز للمحكمة إيقاف تنفيذ عقوبة الحبس أو الغرامة، في غير المخالفات، لأول مرة مع التعليل الإلزامي (الفصل 55)، وتترتب عن الإيقاف آثار منها اعتبار الحكم كأن لم يكن بعد خمس سنوات دون عود.
- • لصحة تنفيذ العقوبة السالبة للحرية ثلاثة شروط جوهرية: أن يتم التنفيذ من الجهة المختصة (النيابة العامة)، وأن يكون الحكم نهائيا حائزا لقوة الشيء المقضي به، وألا تكون العقوبة قد تقادمت.
◀ الفصل السابق: الفاعل الأصلي، الفاعل المعنوي، المساهم، المشارك
الفصل التالي: أنواع العقوبة ▶
اترك تعليقاً