فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المحور 3 : آثار مبدأ سلطان الارادة

📖 نظرية العقد — الفصل 4 من 21 — فهرس الكتاب

يمكن الحديث هنا عن ثلاثة نتائج : الحرية التعاقدية، القوة الملزمة للعقد، نسبية آثار العقد

أولا : الحرية التعاقدية

معنى ذلك أن الفرد حر في أن يتعاقد أو لا يتعاقد، هذه الحرية لها بعد شكلي وبعد موضوعي، فمن حيث الشكل فإن تبادل الارادات يكفي لقيام العقد، أما من حيث المضمون فالمتعاقد يحق له اختيار مضمون العقد وقبل ذلك اختيار شخص المتعاقد الاخر ثم التعاقد من عدمه .

هذه الحرية التعاقدية يترتب عنها المبدأ الثاني وهو القوة الملزمة للعقد، فيصبح القاضي ملزما باحترام إرادة المتعاقدين عند تفسير العقد والبحث عن إرادة المتعاقدين، ولا يجوز له تحريف العقد طبقا للفصل 461 من ق ل ع الذي جاء فيه : ” إذا كانت ألفاظ العقد صريحة، امتنع البحث عن قصد صاحبها.”

هكذا وبمقتضى مبدأ حرية التعاقد، يكون كل طرف من أطراف العقد الحرية في مناقشة الشروط المدرجة في العقد مع الطرف الآخر سواء عند ابرام العقد أو أثناء تنفيذه، لكن تدخل المشرع ببعض النصوص الاخرى غير ق ل ع أدى إلى التضييق من مساحة مبدأ الحرية التعاقدية، حيث لم يعد للمتعاقد كامل الحرية في إبرام العقود وتحديد مضمونها، بل أصبح القانون يتدخل لفرض إبرام بعض العقود مثال ذلك عقود التأمين على السيارات، كما أنه من حيث المضمون أصبح القانون يتدخل لتحديد بعض مضامين العقد بغية تحقيق مصلحة عامة، من ذلك بعض العقود المتعلقة بالعقار.

ثانيا : القوة الملزمة للعقد

معنى ذلك أن المتعاقد ملزم باحترام التزاماته الناتجة عن العقد، وهنا يقوم العقد مقام القانون، فالعقد شريعة المتعاقدين، وهو المقتضى الذي أشار إليه الفصل 230 بقوله : ” الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون.”

القاعدة العامة إذن أن العقد شريعة المتعاقدين، ومعنى ذلك أن للعقد قوة ملزمة اكتسبها من إرادة المتعاقدين أو اتجاهها إلى ترتيب آثاره، وبهذا فإن الحقوق و الالتزامات التي تتولد عن العقد هي واجبة التنفيذ، وبالتالي لا يمكن نقض العقد أو تعديله إلا وفقا لاتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون، هذا الالتزام هو الذي يبرر المبدأ المعروف بالقوة الملزمة للعقد الذي تتجلى مظاهره في المبادئ التالية : العقد شريعة المتعاقدين، تنفيذ العقد بحسن نية، الالتزام بمحتوى العقد.

  • العقد شريعة المتعاقدين

فيقوم العقد بين المتعاقدين مقام القانون في تنظيم العلاقات العقدية و يطبقه القاضي كما يطبق القانون، ويترتب على هذا من ناحية أن العقد لا يجوز نقضه و لا تعديله إلا باتفاق طرفيه، فالإرادة المشتركة التي أنشأت العقد هي وحدها من يستطيع إنهاء أو تعديل الالتزامات المتولدة عنه، ولا يجوز لأحد المتعاقدين بإرادته المنفردة أن ينقض العقد أو يعدله أو ينهيه دون رضاء المتعاقد الأخر، لأن ما تعقده الإرادة المشتركة لا تستطيع أن تحله إرادة واحدة، ومع ذلك فقد يقرر القانون استثناء على هذا الأصل لأحد العاقدين أن يستقل بإلغاء العقد كما في عقد العارية . والعارية كما عرفها الفصل الفصل 830 : ” عارية الاستعمال عقد بمقتضاه يسلم أحد طرفيه للآخر شيئا، لكي يستعمله خلال أجل معين أو في غرض محدد، على أن يرده بعينه. وفي العارية يحتفظ المعير بملكية الشيء المستعار وبحيازته القانونية. وليس للمستعير إلا مجرد استعماله.”

كما أنه يجوز نقض العقد أو تعديله باتفاق الطرفين عند التعاقد على إعطاء هذا الحق لأحدهما كما يجوز ذلك لسبب يقره القانون، فهناك عقود ينص القانون على أنه يجوز لأحد المتعاقدين أن يستقل بإلغائها كالوكالة والوديعة، أو ينص القانون على جواز تعديلها كالشرط الجزائي ومنح المدين نظرة الميسرة و أجرة الوكيل ورد الإلتزام المرهق إلى الحد المعقول في نظرية الظروف الطارئة.

  • تنفيذ العقد بحسن نية

وفقا لمبدأ القوة الملزمة للعقد، يكون لزاما على المتعاقدين تنفيذ العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، وهو ما أكده الفصل 231 من ق.ل.ع عندما نص على أنه ” كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية…”.

وسوء النية في تنفيذ العقد يسمى غشا، ويتم خلال مرحلة تنفيذ العقد، يقابله التدليس الذي يتم عند تكوين العقد، فكما يجب أن يخلو العقد من التدليس عند نشأته، يلزم كذلك أن يخلو من الغش عند تنفيذه، فإذا أخل أحد المتعاقدين بمبدأ حسن النية كان مسؤولا مسؤولية عقدية، بل إن المدين سيء النية لا يسأل عن خطئه و تقصيره فحسب، بل يسأل حتى في حالة القوة القاهرة متى تبين أن عدم تنفيذه للعقد راجع بالأساس إلى ارتكابه غشا أو خطأ جسيما.

على أن مبدأ حسن النية إذا كان يُقيد المدين في طريقة تنفيذه لالتزامه فهو يقيد الدائن أيضا في طريقة المطالبة بحقه إزاء المدين، فلا يجب أن يتمسك بحرفية بنود العقد بشكل يجعله متعسفا في استعمال حقه، وهو ما يعني وجوب حصول تعاون بين الدائن والمدين في تنفيذ العقد من منطلق مبدإ حسن النية.

  • الإلتزام بمحتوى العقد و ملحقاته

الالتزامات التي تترتب على إبرام عقد معين، ليست فقط تلك الإلتزامات المتضمنة في هذا العقد واتجهت إليها إرادة المتعاقدين صراحة أو ضمنا، بل ترد على العقد التزامات أخرى تعتبر من مستلزماته و التي يُرجع في تحديدها إلى القانون أو العرف أو العدالة وهو ما نص عليه الفصل 231 من ق ل ع حيث جاء فيه : ” كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية، و هو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب، بل أيضا بكل ملحقات الإلتزام التي يقررها القانون، أو العرف أو الإنصاف، وفقا لما تقتضيه طبيعته”.

هذا كأصل عام، لكن هناك قيود كثيرة تحد من قوة هذا المبدأ و هذه القيود منها ما يتعلق بإمكانية تعديل العقد ومنها ما يرتبط بضرورة تنفيذ العقد بطريقة  تستوجب حسن النية، حيث ينص الفصل 231 من ق ل ع على أن كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية، ومن ذلك إمكانية منح مهلة الميسرة، كما يمكن تعديل الشرط الجزائي، إضافة إلى إمكانية تطبيق نظرية الظروف الطارئة التي تسمح بتعديل العقد .

* تدخل القاضي في إطار نظرية الظروف الطارئة

حيث يتمكن القاضي من مراجعة بنود العقد عندما يثبت لديه بأن الاستمرار في تنفيذ الالتزامات الملقاة على عاتق المدين أصبح مرهقا لهذا الأخير ومن شأن هذا التنفيذ أن يلحق بالمدين أقصى الخسارات المادية، لكن المشرع المغربي لم يأخذ بهذه النظرية .

* تدخل القاضي لتمتيع المدين بمهلة الميسرة

أو الأجل القضائي وهو الذي يكون مصدره القضاء، حيث يجيز القانون للقاضي أن يمنح المدين حسن النية أجلا معقولا للوفاء بدينه دون أن يلحق الدائن من ذلك ضرر جسيم، وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 243 من ق ل ع ” … يسوغ للقضاة مراعاة منهم لمركز المدين، ومع استعمال هذه السلطة في نطاق ضيق، أن يمنحوه آجالا معتدلة للوفاء، وأن يوقفوا إجراءات المطالبة، مع إبقاء الأشياء على حالها.”

* تدخل القاضي للتخفيف من حدة الشروط التعسفية

الأصل في التعاقد أن يتم إجراؤه بحرية النقاش و المساومة، بحيث تُترك لكل من طرفيه الفرصة في أن يجعل الآخر يرتضي أفضل الشروط بالنسبة إليه. وهذا هو عقد المساومة الذي يكون فيه توافق الإرادتين نتيجة مساومة بين طرفين متساويين، يؤدي كل منهما دورا في إبرام العقد مساويا للدور الذي يؤديه الأخر، وهناك نوع أخر من العقد يشذ عن هذه القاعدة، فلا تكون هناك مساومة أو نقاش في شروط العقد و إنما يضع أحد الطرفين هذه الشروط و لا يكون أمام الطرف الثاني إلا أن يذعن لها فيقبلها جملة أو يرفضها جملة.

هنا تتمثل سلطة القاضي إما في تعديل الشروط التعسفية أو الغائها، فالمظهر الأساسي للحماية التي يضمنها القانون لصالح الطرف المذعن تتمثل في رفع الضرر الذي يلحق بهذا الطرف من جراء الشروط التعسفية إما بتعديل هذه الشروط أو بإلغائها، فبالنسبة لتعديل الشروط التعسفية، مثال ذلك تعديل التزامات الطرفين بالزيادة أو النقصان أو تعديل الشرط الجزائي، أما فيما يخص الغاء الشروط التعسفية فهذه الصورة من التدخل تعتبر دون شك أشد جرأة من الصورة الأولى، وسلاحا بالغ الخطورة في يد القضاء، إذ بموجبه يستطيع القاضي إذا ما وصف الشرط بأنه تعسفي أن يلغيه، فيعفي الطرف المذعن منه مخالفا بذلك قاعدة أساسية وهي أن العقد شريعة المتعاقدين.

* تدخل القاضي في إطار الشرط الجزائي

الشرط الجزائي أو ما يعرف بالتعويض الاتفاقي، هو اتفاق سابق على تقدير التعويض الذي يستحقه الدائن في حالة عدم تنفيذ المدين للالتزامه الأصلي أو لمجرد التأخير في تنفيذه.

جاء في الفصل 264 من ق ل ع : ” يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على التعويض عن الأضرار التي قد تلحق الدائن من جراء عدم الوفاء بالالتزام الأصلي كليا أو جزئيا أو التأخير في تنفيذه. يمكن للمحكمة تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغا فيه أو الرفع من قيمته إذا كان زهيدا، ولها أيضا أن تخفض من التعويض المتفق عليه بنسبة النفع الذي عاد على الدائن من جراء التنفيذ الجزئي”.

واضح أنه بمقتضى هذه المادة أصبح بإمكان المحكمة التدخل في مجال العقد بشكل مباشر وبالتالي تعديل قيمة الشرط الجزائي سواء بالتخفيض أو الرفع استنادا إلى معايير موضوعية تكشفها المحكمة لما لها من سلطة تقديرية .

ثالثا : نسبية آثار العقد

أطراف العقد فقط من يتوجب عليهم احترام بنوده، مما يعني أن العقد لا يربط إلا أطرافه ولا يمكن أن يستفيد أو يتضرر منه الغير، وهو ما نص عليه الفصل 228 بقوله : ” الالتزامات لا تُلزم إلا من كان طرفا في العقد، فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون.”

لكن ماذا عن الخلف العام والخلف الخاص والدائنون والغير ؟

📗 خلاصة الباب

  • ثلاثة آثار رئيسية لسلطان الإرادة: الحرية التعاقدية، القوة الملزمة للعقد (الفصل 230: العقد شريعة المتعاقدين)، ونسبية آثار العقد (الفصل 228).
  • القوة الملزمة تستلزم تنفيذ العقد بحسن نية (الفصل 231) والالتزام بمحتواه وملحقاته لا بحرفيته وحدها.
  • يتدخل القاضي استثناءً رغم القوة الملزمة: مهلة الميسرة (الفصل 243)، تعديل الشرط الجزائي (الفصل 264)، والتخفيف من الشروط التعسفية في عقود الإذعان.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية