📖 نظرية العقد — الفصل 6 من 21 — فهرس الكتاب
الغير هو الأجنبي عن العقد، فهو كل شخص خلاف المتعاقدين وخلفائهما ودائنيهما، فهو لا يتأثر بالعقد ولا يحمله بأي التزام، فالعقد المبرم بين المتعاقدين كما لا يضر الغير فهو لا ينفعه وفقا لقاعدة نسبية آثار العقد، مع استثناءات.
أولا : الاشتراط لمصلحة الغير ( العقد لا ينفع الغير)
جاء في الفصل 228 من ق ل ع : ” الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد، فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون”. نستشف هنا قاعدتين مختلفتين، تعتمد الأولى على الجانب السلبي المتمثل في عدم سريان ما ينتج عن العقد من التزامات تجاه الغير الذي لم يكن طرفا في العقد، فهي لا تضر الغير، وتركز الثانية على الجانب الايجابي، فالعقد لا ينفع الغير، والحقوق المتولدة عن عقد لم يكن الغير طرفا فيه لا تنصرف إلى هذا الغير إلا استثناء وبنص القانون.
الفصل 33 : ” لا يحق لأحد أن يلزم غيره، ولا أن يشترط لصالحه إلا إذا كانت له سلطة النيابة عنه بمقتضى وكالة أو بمقتضى القانون. “
الفصل 34 : ” ومع ذلك، يجوز الاشتراط لمصلحة الغير ولو لم يعين إذا كان ذلك سببا لاتفاق أبرمه معاوضة المشترط نفسه أو سببا لتبرع لمنفعة الواعد. وفي هذه الحالة ينتج الاشتراط أثره مباشرة لمصلحة الغير، ويكون لهذا الغير الحق في أن يطلب باسمه من الواعد تنفيذه وذلك ما لم يمنعه العقد من مباشرة هذه الدعوى أو علقت مباشرتها على شروط معينة. ويعتبر الاشتراط كأن لم يكن إذا رفض الغير الذي عقد لصالحه قبوله مبلغا الواعد هذا الرفض.”
الفصل 35 : ” يسوغ لمن اشترط لمصلحة الغير أن يطلب مع هذا الغير تنفيذ الالتزام ما لم يظهر منه أن طلب تنفيذه مقصور على الغير الذي أجري لصالحه.”
الاشتراط لمصلحة الغير هو عقد ينشأ بموجبه لشخص أجنبي عن العقد ويسمى المنتفع، حق مباشر تجاه أحد المتعاقدين ويسمى المتعهد اشترطه عليه المتعاقد الآخر ويسمى المشترط، فالاشتراط لمصلحة الغير يشكل استثناء من مبدأ العقد لا يُكسب نفعا للغير، واستثناء لما قرره الفصل 33 من ق ل ع الذي نص على أنه : ” لا يحق لأحد أن يلزم غيره، ولا أن يشترط لصالحه إلا إذا كانت له سلطة النيابة عنه بمقتضى وكالة أو بمقتضى القانون.”
وقد أقر ق ل ع في الفصلين 34 و 35 جواز الاشتراط لمصلحة الغير وبين الآثار التي تترتب عليه سواء بالنسبة للمشترط أو بالنسبة للمنتفع أو الغير.
الفصل 34 : ” يجوز الاشتراط لمصلحة الغير ولو لم يعين إذا كان ذلك سببا لاتفاق أبرمه معاوضة المشترط نفسه أو سببا لتبرع لمنفعة الواعد. وفي هذه الحالة ينتج الاشتراط أثره مباشرة لمصلحة الغير، ويكون لهذا الغير الحق في أن يطلب باسمه من الواعد تنفيذه وذلك ما لم يمنعه العقد من مباشرة هذه الدعوى أو علقت مباشرتها على شروط معينة. ويعتبر الاشتراط كأن لم يكن إذا رفض الغير الذي عقد لصالحه قبوله مبلغا الواعد هذا الرفض.”
وللاشتراط لمصلحة الغير صور عديدة، كعقود الهبة بعوض، وفي عقود التأمين خصوصا التأمين عن الحياة أو التأمين من المسؤولية، فقد يؤمن المتعاقد على حياته لمصلحة أولاده. أو يؤمن لمصلحة متضرر محتمل على الطرق السيارة، كما نجده في عقود نقل البضائع وعقود نقل الاشخاص، وفي عقود المرافق العامة.
الأطراف في الاشتراك لمصلحة الغير
- المــُشترط : وهو الشخص الذي يقرر الحق للغير
- الــمُتعهد : وهو الشخص الذي يتحمل بالالتزام
- المـُستفيد : وهو المنتفع من العقد رغم أنه ليس طرفا فيه ولا يشترط أن يكون معينا وقت ابرام العقد.
شروط الاشتراط لمصلحة الغير:
- أن يتعاقد المشترط باسمه لا باسم المنتفع وهذا ما يميزه عن الوكالة والفضالة، فكل شخص يستطيع أن يشترك لمصلحة الغير ما دامت له مصلحة من وراء ذلك، ويمكنه الرجوع في هذا الاشتراك لمصلحة الغير ما لم تكن ثمة التزامات تربطه بالمنتفع وتحول دون هذا الرجوع.
- أن تنصرف إرادة المتعاقد إلى إنشاء حق مباشر للمنتفع، فمصدر هذا الحق هو العقد ذاته، فينشأ حق شخصي للمنتفع على المتعهد من هذا العقد رغم أنه ليس طرفا فيه.
- أن تكون للمشترط مصلحة شخصية مادية أو أدبية، وهذا ما يميزه عن الفضولي في الفضالة، هذه المصلحة يجب أن تكون مشروعة .
بالإضافة الى هذه الشروط يجب أن يخضع العقد للقواعد العامة كصحة الارادة وكذلك للشروط الخاصة بالبيع مثلا لو تعلق الامر بعقد بيع أو للشروط الخاصة بعقد التأمين لو تعلق الامر بعقد تأمين.
آثار الاشتراط لمصلحة الغير ، نميز بين علاقات ثلاث:
علاقة المشترط أو المتعاقد بالمتعهد أو الملتزم : وتحدد هذه العلاقة بمقتضى العقد الذي توافق عليه الطرفان، وبقوته يمكن للمشترط أن يطالب المتعهد بتنفيذ التزامه.
علاقة المشترط بالمنتفع : قد تكون هذه العلاقة من قبيل التبرع وإما من قبيل المعاوضة، تبعا لقصد المشترط من العقد، وهو ما جاء به الفصل 34 من ق.ل.ع، ذلك أنه سواء كانت طبيعة العلاقة بين المشترط والمنتفع علاقة تبرع أم معاوضة، فإن حق المنتفع في الاستفادة من الاشتراط متوقف على عدم رفضه له.
علاقة المنتفع بالمتعهد : تعد هذه العلاقة أهم ما في الاشتراط لمصلحة الغير، لأنها هي التي تضفي عليه طابعه الخاص كاستثناء من قاعدة نسبية آثر العقد وعدم انصراف أثاره إلى غير المتعاقدين، إذ ينشأ عن هذه العلاقة حق مباشر للمنتفع يكون مصدره عقد الاشتراط. وهنا يظهر الخروج على قاعدة نسبية آثار العقد، فالمنتفع وهو لم يكن طرفا في عقد الاشتراط، بل من الممكن أن يكون غير موجود أصلا وقت الاشتراط أي قد يكون وجود المنتفع شرطا مستقبليا أو أن يكون شخصا غير معين بالذات وقت العقد، و مع ذلك ينتفع من العقد. ومتى وقع الاشتراط لمصلحة الغير صحيحا، فإن آثاره تنصرف مباشرة إلى هذا الغير المنتفع في مواجهة المتعهد، ويكون في مركز الشخص الذي اشترط لمصلحته المشترط، فالاشتراط لمصلحة الغير ينتج أثره مباشرة لمصلحة هذا الغير، وتكون له الصفة في أن يقاضي باسمه الملتزم بتنفيذ ما التزم به .
ثانيا : الالتزام عن الغير شرط إقراره إياه ( العقد لا يضر الغير )
الغير طبقا لمبدأ نسبية آثار العقد لا يتأثر بما يبرمه غيره من العقود، لكن هناك حالات استثنائية تجعل الغير يتحمل بالتزامات في إطار عقد لم يشارك في إبرامه، وأهم هذه الحالات : الالتزام عن الغير شرط إقراره إياه، ثم التعهد عن الغير .
الفصل 36 : ” يجوز الالتزام عن الغير على شرط إقراره إياه، وفي هذه الحالة يكون للطرف الآخر أن يطلب قيام هذا الغير بالتصريح بما إذا كان ينوي إقرار الاتفاق. ولا يبقى هذا الطرف ملتزما إذا لم يصدر الإقرار داخل أجل معقول، على أن لا يتجاوز هذا الأجل خمسة عشر يوما بعد الإعلام بالعقد.”
الفصل 37 : ” يعتبر الإقرار بمثابة الوَكالة، ويصح أن يجيء ضمنيا وأن ينتج من قيام الغير بتنفيذ العقد الذي أبرم باسمه. وينتج الإقرار أثره في حق المقر فيما يرتبه له وعليه من وقت إبرام العقد الذي حصل إقراره ما لم يصرح بغير ذلك، ولا يكون له أثر تجاه الغير، إلا من يوم حصوله.
ويقصد بالالتزام عن الغير شرط إقراره إياه، أن يلتزم شخص باسم غيره، شرط أن يقر هذا الغير هذا الالتزام، وقد نظمت أحكام هذا الالتزام الفصول من 36 و 37 من ق.ل.ع، وتتحقق هذه الصورة عندما يتصرف شخص باسم شخص آخر دون أن يكون له وكيلا، لكن تربطه بمن يتصرف عنه صلة خاصة تجعله موقن بأنه سيقر تصرفه، وقد يكون وكيلا لكنه تجاوز حدود وكالته، وتطبيقا لمبدأ سلطان الإرادة، فإن الغير الذي أُبرم الالتزام باسمه له الحرية المطلقة في أن يرفض هذا الالتزام أو يقبل به فيكون الاقرار اللاحق بمثابة الوكالة السابقة.
* حالة رفض الالتزام
إذا رفض الغير العقد المبرم باسمه، فلا يمكن إلزامه به، لأن الالتزام وقع في الأصل معلقا على شرط واقف هو أن يحظى التعاقد بإقرار الغير المتعاقد باسمه.
* حالة إقرار الالتزام
يجب أن يكون الإقرار داخل أجل معقول، وللملتزم أن يطلب من هذا الغير التصريح بموقفه والإفصاح عن نيته في ما إذا كان ينوي إقرار الاتفاق داخل أجل أقصاه 15 يوما من تاريخ الإعلام بالعقد، طبقا للفصل 36 من ق ل ع : ” يجوز الالتزام عن الغير على شرط إقراره إياه، وفي هذه الحالة يكون للطرف الآخر أن يطلب قيام هذا الغير بالتصريح بما إذا كان ينوي إقرار الاتفاق. ولا يبقى هذا الطرف ملتزما إذا لم يصدر الإقرار داخل أجل معقول، على أن لا يتجاوز هذا الأجل خمسة عشر يوما بعد الإعلام بالعقد.”
وإذا ما أجاز هذا الغير التصرف داخل هذا الأجل انقلب الملتزم عن الغير وكيلا، فالإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، وينتج هذا الإقرار أثره في ما بين المتعاقد الآخر والمُقر الغير من وقت إبرام التصرف الذي وقع إقراره، بمعنى أن للإقرار أثر رجعي ما بين المقر والمتعاقد الآخر دون الغير الذي لا يكون للإقرار أي أثر في مواجهته إلا من تاريخ حصوله طبقا للفصل 37 من ق.ل.ع.
ثالثا : التعهد عن الغير
لم ينص عليه المشرع المغربي لكن الفقه يعتبره صورة من صور الالتزام عن الغير شرط اقراره اياه، ويقصد بالتعهد عن الغير ذلك العقد الذي يتم بين شخصين بمقتضاه يلتزم أحدهما وهو المُتعهد بان يجعل شخصا ثالثا يلتزم في مواجهة المتعاقد معه، فنتحدث عن عقدين بين ثلاثة اشخاص، لكن التعهد عن الغير يستلزم توافر ثلاثة شروط:
أولا : أن يتعاقد المتعهد عن الغير باسمه لا باسم الغير الذي يتعهد عنه
من هنا فإن المتعهد يعمل لنفسه وينصرف إليه أثر العقد، ومركزه القانوني يختلف عن مركز الوكيل والفضولي، كما يختلف عن الملتزم عن الغير الذي يتعاقد باسم الغير لا باسمه، وبالتالي فإن العلاقة بين المتعهد والمتعاقد الآخر هي علاقة تعاقدية يترتب على عدم وفاء المتعهد بالتزامه تحقق مسؤوليته العقدية.
ثانيا : أن تتجه نية المتعهد إلى إلزام نفسه بهذا التعهد لا إلزام الغير
وإلا فإن تعاقده باسمه مع إرادة إلزام غيره بتعاقده، يجعل العقد باطلا لاستحالة المحل، لذلك فإن قبول الغير للتعهد هو الذي يولد عقدا آخر جديدا بين هذا الغير والمتعاقد الآخر، ويكون هذا العقد هو مصدر التزام الغير وليس تعاقد المتعهد، وفي هذا يظهر الاختلاف بين التعهد عن الغير والاشتراط لمصلحة الغير الذي تنصرف فيه نية المشترط إلى إكساب الغير حقا مباشرا من ذات العقد الذي أبرمه المشترط مع المتعهد . وكذلك الأمر بالنسبة للالتزام عن الغير شرط إقراره إياه، إذ إن إقرار الغير لهذا الالتزام لا يولد عقدا جديدا، بل يبقى العقد الذي أبرم باسمه هو الذي ينتج آثاره.
ثالثا : أن يكون محل التزام المتعهد القيام بعمل يتمثل في حمل الغير على قبول التعهد
فالتزام المتعهد هنا هو التزام بتحقيق نتيجة وليس فقط التزاما بوسيلة، بحيث إذا رفض الغير إبرام هذا العقد تحمل المتعهد المسؤولية العقدية، أما إذا قبل الغير إبرام العقد لكن تراخى عن تنفيذه فلا مسؤولية على المتعهد مادام أنه قد التزم فقط بضمان ابرام العقد لا بتنفيذه.
📗 خلاصة الباب
- الأصل أن العقد لا يضر الغير ولا ينفعه (الفصل 228)، لكن الاشتراط لمصلحة الغير استثناء صريح يمنح المنتفع حقاً مباشراً تجاه المتعهد (الفصلان 34 و35).
- الالتزام عن الغير مشروط بإقراره (الفصل 36)، والإقرار يعادل الوكالة السابقة وله أثر رجعي بين المتعاقدين لا تجاه الغير نفسه إلا من يوم حصوله (الفصل 37).
- يُميَّز بين الاشتراط لمصلحة الغير (تعاقد باسم المشترط لإنشاء حق مباشر للمنتفع) والتعهد عن الغير (التزام بتحقيق نتيجة هي حمل الغير على القبول).
◀ الفصل السابق: المحور 4 : الخلف العام والخلف الخاص والدائنون
الفصل التالي: المحور 6 : الوكالة ▶
اترك تعليقاً