فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المحور 6 : الوكالة

📖 نظرية العقد — الفصل 7 من 21 — فهرس الكتاب

من المبادئ المقررة في ميدان التعاقد ان العقد لا يلزم الا من كان طرفا فيه، فآثاره لا تنصرف الا الى متعاقديه بالذات ما دام قد ارتضيا ذلك، غير هذه القاعدة ليست مطلقة، اذ قد يحدث أحيانا، وهذا جائز قانونا، ان يتعاقد شخص نيابة عن غيره فتنصرف آثار التعاقد مباشرة الى هذا الغير كما لو كان قد باشر العقد بنفسه، فتترتب له الحقوق ويتحمل بالالتزامات الناشئة عنه، ويكون للأصيل الحق في المطالبة بها بنفسه كما يطالب بتنفيذ الالتزامات، والتعاقد بالنيابة يقتضي حلول إرادة النائب محل إرادة الأصيل في إبرام تصرف قانوني باسم الأصيل ولحسابه، وذلك ضمن حدود النيابة المرسومة له.

وتنقسم النيابة إلى نيابة قانونية منظمة بمقتضى مدونة الاسرة، كما أن هناك النيابة الاتفاقية ( الوكالة) المنظمة بموجب قانون الالتزامات والعقود، وهناك أيضا الوكالة التجارية التي نظمت أحكامها مدونة التجارة .

عقد الوكالة التجارية

عرفت مدونة التجارة المغربية عقد الوكالة التجارية من خلال المادة 393 بقولها: ” الوكالة التجارية عقد يلتزم بمقتضاه شخص ودون أن يكون مرتبطا بعقد عمل، بالتفاوض أو بالتعاقد بصفة معتادة، بشان عمليات تهم أشرية أو بيوعات، أو بصفة عامة جميع العمليات التجارية باسم و لحساب تاجر أو منتج أو ممثل تجاري آخر يلتزم من جهته بأدائه أجرة عن ذلك”.

من خلال هدا التعريف يتضح أن عقد الوكالة التجارية باعتباره مثل سائر العقود، يجب أن يخضع للأركان العامة للعقد الواردة في قانون الالتزامات و العقود، وباعتبار أن الأمر يتعلق بعقد تجاري و هذا الأخير يعد من أعمال التصرف و الإدارة، و بالتالي يجب على الوكيل أن يكون متوفرا على جميع الشروط التي يتطلبها القانون لاكتساب الأهلية التجارية حتى يستطيع أن يبرم عقد وكالة تجارية .

أولا : النيابة القانونية

تكون النيابة قانونية عندما يتولى القانون أمر تعيين النائب الذي يقوم بشؤون الاصيل، كالولي الذي يقوم بإبرام تصرفات قانونية نيابة عن القاصر، والفضولي الذي يعمل نيابة عن رب العمل، والدائن في الدعوى غير المباشرة الذي يقيم دعوى نيابة عن مدينه المتقاعس عن دفعها، فالمشرع نص على النيابة القانونية حماية لمصالح بعض الفئات من أفراد المجتمع من الضياع اما لصغر سنهم أو لضعف ادراكهم أو لعدم كفاءتهم .

إلى جانب هؤلاء هناك اشخاص اخرون اعتبرهم القانون بحكم الوظيفة نوابا، وبإمكانهم ان يباشروا بعض التصرفات القانونية كالوزراء ومديري المصالح حيث يعتبرون نوابا عن الحكومة في تصرفاتهم المالية بمقتضى القوانين الدستورية والادارية، ولما كانت هذه القوانين تعتبر الوظيفة تكليفا فان نيابتهم تعتبر نيابة قانونية .

ثانيا : النيابة القضائية

تكون النيابة قضائية حين يكون تعيين النائب قد تم من طرف القضاء، كما هو الشأن بالنسبة للوصي والمقدم والحارس القضائي ووكيل التفليسة والمصفي القضائي، والنائب يعتبر معينا من طرف القضاء ولو كان اختياره للنيابة قد جاء نتيجة اتفاق بين الاطراف ما دام أن تعيينه كان متوقفا على اجازة القضاء .

ثالثا : النيابة الاتفاقية

تكون النيابة اتفاقية اذا كان مصدرها العقد، أي عقد الوكالة، بعبارة اخرى هي النيابة الناتجة عن اتفاق بين الاصيل وهو المُـُوكل مع النائب وهو الـَوكيل، حيث يقوم الوكيل بمقتضى عقد الوكالة بالقيام بالتصرفات القانونية المنصوص عليها في هذا العقد نيابة عن الاصيل وباسمه. والنيابة الاتفاقية قد ترد صراحة وقد ترد ضمنيا حيث يستفاد ذلك من ظروف الحال، ونلاحظ أن القانون هو الذي يحدد ولاية النائب في كل من النيابة القانونية والنيابة القضائية فهو مصدرها، بينما الاتفاق هو الذي يحدد ولاية النائب في النيابة الاتفاقية فهو مصدرها. تقوم الوكالة بدور مهم في المعاملات المدنية والتجارية ذلك أنه من خلالها يتمكن الاشخاص غير القادرين على إبرام التصرفات القانونية من قضاء مصالحهم عن طريق الوكالة، كما أنهم يتمكنون من تجاوز سلبيات الانقال من مكان إلى آخر.

عرف المشرع المغربي الوكالة في الفصل 879 من ق ل ع بأنها : ” الوَكالة عقد بمقتضاه يكلف شخص شخصا آخر بإجراء عمل مشروع لحسابه، ويسوغ إعطاء الوَكالة أيضا لمصلحة الموكل والوكيل، أو لمصلحة الموكل والغير، بل ولمصلحة الغير وحده.”

أما بالنسبة لمحل العقد، فان الأمر يتعلق هنا بالتفاوض أو التعاقد على شراء أو بيع بضائع أو منتجات يجب أن يكون التعامل عليها مباحا و ليس محرما قانونا و لا مخالفا للنظام العام أو الآداب، وبالتالي يجب أن يكون المحل مشروعا، أما بالنسبة للسبب فيجب أن يكون موجودا سواء تعلق الأمر بسبب الالتزام أو بسبب العقد، فالأول يجب أن يكون متقابلا و مشروعا و الثاني يجب أن يكون مشروعا كذلك، كل هذا مع ضرورة صدور الإيجاب و القبول عن رضا تام صحيح غير مشوب بأي عيب من عيوب الإرادة مثل الغلط و التدليس و الإكراه و الغبن بشروطه.

تمييز الوكيل عن الرسول

في التعاقد بالنيابة يعبر النائب عن ارادته الشخصية التي تحل محل ارادة الاصيل فهو ليس بوسيط تقتصر مهمته على نقل ارادة احد الطرفين الى الطرف الاخر الذي يجعل منه رسولا، فالنائب يختلف عن الرسول، فالرسول يقتصر دوره على نقل ارادة احد الطرفين الى الطرف الاخر، لا يهم بعد ذلك اذا ما كان نقل هذه الارادة قد تم شفويا او كتابيا ولا دخل لإرادته الشخصية في عملية التعاقد، فالرسول هو فقط بمثابة مبلغ بين الطرفين، فالرسول ناقل لإرادة الغير على حالها، كما عبر عنها ذلك الغير، اما النائب فعكس الرسول فهو لا ينقل ارادة الاصيل بل يعبر عنها وذلك بإحلال ارادته الشخصية محلها، فالتعاقد بنائب يعتبر كالتعاقد بين حاضرين اذ جمع النائب والغير متعاقد معه مجلس واحد، اما التعاقد برسول فيعتبر تعاقدا بين غائبين ما دام الاصيل يتعاقد بنفسه ولكن بواسطة رسول عنه حتى ولو جمع الرسول والطرف الاخر مجلس واحد.

لذلك فإن التعاقد بالنيابة يتم بإرادة النائب التي تحل محل ارادة الاصيل، لذا وجب فيه ان يكون متمتعا بالتمييز، اذ لا يعقل ان يكون النائب صبيا غير مميز لانعدام إرادته، كما يجب أن تكون ارادته خالية من العيوب التي قد تشوبها كالغلط او التدليس او الاكراه، اما في التعاقد برسول فان العبرة بإرادة المُرسل لا الرسول الذي يعد ناقلا لها، ولا يشترط في الرسول توافر اهلية الالتزام بل يجب أن يكون قادرا فقط على نقل الرسالة، لذلك تصح الرسالة الواقعة من الصبي غير المميز او المجنون، أي انه يصح ان يكون رسولا، ما دام أن عيوب الارادة لا يرجع فيها الى الرسول بل الى المُرسل، فالتعاقد برسول لا يعدو ان يكون سوى مجرد اداة لنقل ارادة المرسل الى المرسل اليه، فدوره في التعاقد لا يختلف عن الدور الذي تقوم به ادارة البريد من اجل تبليغ الرسائل والبرقيات لأصحابها.

تمييز الوكالة عن النيابة

ميز الفقه بينهما مبينا بان النيابة هي سلطة قانونية لتمثيل شخص معين في ابرام تصرف قانوني معين، هذه السلطة تستمد مصدرها من القانون أو من القضاء أو من عقد الوكالة نفسه، اما الوكالة فهي العقد التي تستمد منه هذه السلطة، الامر الذي يتجلى منه بكل وضوح الفرق بين السلطة ومصدرها، فالنيابة الاتفاقية سلطة قانونية والوكالة مصدر هذه النيابة، واذا كانت الوكالة أساسها العقد، فان النيابة الاتفاقية أساسها الارادة المنفردة، اذ الاعمال التي يقوم بها النائب لحساب الاصيل تعود اثارها الى هذا الاخير على الرغم من انه لم يقم بها بنفسه. يتبين اذن انه ليس من الضروري وجود تلازم بين النيابة والوكالة، فقد توجد النيابة بدون وكالة وهذا هو الشأن في النيابة القانونية كنيابة الولي، او في النيابة القضائية كنيابة الوصي او المقدم او الحارس القضائي او السنديك، كما قد توجد الوكالة بدون نيابة، كما هو الشأن في حالة تعاقد الوكيل باسمه الشخصي، وليس باسم موكله او حالة تعاقد الوكيل بالعمولة.

ويلاحظ ان هناك فرقا بين الحالة التي يتعاقد فيها الوكيل باسم موكله ولحسابه حيث تنسحب اثار العقد الى الاصيل فنكون امام وكالة ونيابة في ان واحد وبين الحالة التي يكون فيها الشخص وكيلا عن الغير ولكنه يتعاقد باسمه حيث تنعدم النيابة وتبقى العلاقة قائمة بين الوكيل المتعاقد باسمه الشخصي والمتعاقد الاخر ومنحصرة عليهما وحدهما فنكون أمام وكالة دون نيابة.

شروط الوكالة أو النيابة الاتفاقية

يتطلب قيام الوكالة قياما صحيحا مجموعة من الشروط .

أولا : إحلال إرادة النائب محل إرادة الأصيل

يتعاقد النائب بإرادته الشخصية لا بإرادة الاصيل فهو يعبر عنها ويقصد من وراء احلالها محل ارادة الاصيل احداث اثار قانونية في ذمة هذا الاخير، هذا الأمر هو ما يميز الوكيل عن الوسيط الذي يقتصر دوره فقط على نقل إرادة الأصيل، بينما الوكيل يتصرف بإرادته، ولا يشترط الفصل 880 من ق ل ع أن تتوافر فيه الأهلية الكاملة بل يكتفي أن يكون متمتعا بالتمييز و بقواه العقلية، عكس الموكل الذي يشترط فيه أن يكون كامل الأهلية .

ثانيا : يجب أن يكون التعاقد باسم الأصيل ولحسابه

معنى ذلك أن يبين الوكيل عن هويته القانونية باعتباره وكيلا، فإذا لم يكن الغير المعنى بالعقد على علم بكون التعاقد يتم باسم الأصيل ولحسابه فإن آثار العقد تنصرف إلى الاصيل لا إلى الوكيل.

ثالثا : تقيد الوكيل بتعليمات الأصيل

بمعنى أن الوكيل يجب أن يحترم حدود الوكالة وهو الأمر الذي نص عليه الفصل 895 من ق ل ع بقوله : ” على الوكيل أن ينفذ بالضبط المهمة التي كلف بها. فلا يسوغ أن يجري أي عمل يتجاوز أو يخرج عن حدود الوَكالة.” بمعنى أن آثار العقد لا تنصرف إلى الأصيل ما لم تتم النيابة في حدودها إلا في حالات خاصة محددة نص عليها الفصل 927 بقوله : ” لا يلتزم المُوكل بما يجريه الوكيل خارج حدود وكالته أو متجاوزا إياها، إلا في الحالات الآتية: أولا : إذا أقره، ولو دلالة؛ ثانيا : إذا استفاد منه؛ ثالثا : إذا أبرم الوكيل التصرف بشروط أفضل مما تضمنته تعليمات الموكل؛ رابعا : إذا أبرم الوكيل التصرف بشروط أقسى مما تضمنته تعليمات الموكل مادام الفرق يسيرا، أو كان مما يتسامح به في التجارة أو في مكان إبرام العقد.

تمثيل الاشخاص المعنوية

التعاقد بالنيابة لا يقتصر على الاشخاص الطبيعية فحسب بل يشمل حتى الاشخاص المعنوية فلما كان الشخص المعنوي لا يستطيع التعبير عن ارادته، فقد بات من اللازم تعيين من ينوب عنه في التعبير عن هذه الارادة عند اجراء التصرفات القانونية. والشخص المعنوي قد يكون شركة أو جمعية عمومية، فيحتاج من اجل تقوية نشاطه الى ابرام عقود مع الغير، هذه العقود لا يتأتى ابرامها الا من طرف ممثليه من مدراء او متصرفين او وكلاء، فتصرف اثارها الى الشخص المعنوي نفسه على الرغم من ان التعبير عن الارادة قد تم بواسطة النائب.

التمثيل بواسطة المستخدم

يعتبر المستخدم بمقتضى عقد العمل تابعا لمخدومه، فهو يطبق تعليماته فقط ولا ينوب عنه فعلاقته هي علاقة التابع بالمتبوع، غير انه قد يحدث احيانا ان يمنح رب العمل لبعض مستخدميه بعض السلطات كتحديد ثمن البضاعة المعروضة للبيع مثلا او اختيار نوعية الزبناء، فيمتزج عقد العمل بالنيابة، وعندئذ ينبغي تطبيق القواعد المتعلقة بالنيابة اذا ما مارسها المستخدم في اطار السلطة الممنوحة له، ولا يهم بعد ذلك ما اذا كانت صريحة او ضمنية تبعا لما اقره الاجتهاد من ان الطابع الاساسي للنيابة لا يتحقق الا في السلطة الممنوحة للوكيل وذلك بالعمل نيابة عن الموكل . جاء في الفصل 884 من ق ل ع : ” غير انه لا يفترض في الخدم انهم موكلون في شراء الحاجيات الضرورية لمنازل مخدومهم بالسلف ما لم يثبت ان من عادة المخدوم الشراء بالسلف”.

فالمشرع هنا يكون قد اقر الوكالة الضمنية للخادم.

📗 خلاصة الباب

  • الوكالة نيابة اتفاقية مصدرها العقد (الفصل 879)، تختلف عن النيابة القانونية والقضائية اللتين يحدد القانون أو القضاء ولايتهما.
  • الوكيل يعبّر بإرادته الشخصية عكس الرسول الذي ينقل فقط إرادة الأصيل، ولذلك يكفي فيه التمييز لا الأهلية الكاملة (الفصل 880).
  • الوكيل مقيّد بحدود وكالته (الفصل 895)، ولا يلتزم الموكل بما تجاوزه إلا في حالات محددة كالإقرار أو الاستفادة (الفصل 927).
  • تنتهي الوكالة من حيث المبدأ بموت الموكل أو الوكيل (الفصل 929)، إلا إذا كانت لمصلحة الوكيل أو الغير.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية