📖 نظرية العقد — الفصل 10 من 21 — فهرس الكتاب
لإبرام أي عقد كيفما كان نوعه لابد من توافر ركن الأهلية كأول ركن عام نص عليه قانون الالتزامات و العقود المغربي في الفصل الثاني منه، والأهلية في اللغة هي الصلاحية أو الجدارة أو الكفاءة واصطلاحا هي قابلية الشخص لأن يكتسب الحقوق ويتحمل بالالتزامات وأن يمارس بنفسه التصرفات القانونية، وبالرجوع إلي الفقرة الأولى من الفصل 3 من ق ل ع نجد : ” الأهلية المدنية للفرد تخضع لقانون أحواله الشخصية .وكل شخص أهل للإلزام والالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك”، والاهلية من النظام العام نظمها المشرع من خلال ق ل ع في الفصول من 3 الى 13 منه وفي مدونة الاسرة من الفصول 206 الى 228 وحيث أنها من النظام العام فلا يجوز مخالفة مقتضياتها .
المقصود بقانون الأحوال الشخصية هو مدونة الأسرة قانون 70.03، هذه الأخيرة نصت في المادة 206 على أنه : ” الأهلية نوعان : أهلية وجوب وأهلية أداء.”، فأهلية الوجوب تعني صلاحية الشخص لثبوت الحقوق و الالتزامات له و عليه و هي أهلية ثابتة للشخص منذ ولادته حيا إلى وقت وفاته، بل وتبدأ قبل ذلك للجنين، أما أهلية الأداء فهي صلاحية الشخص للقيام بالتصرفات القانونية و تحمل الالتزامات على الوجه المطلوب قانونا.
جاء في المادة 207 من مدونة الاسرة: ” أهلية الوجوب هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الواجبات التي يحددها القانون، وهي ملازمة له طول حياته ولا يمكن حرمانه منها”، أما المادة 208 فقد جاء فيها : ” أهلية الأداء هي صلاحية الشخص لممارسة حقوقه الشخصية والمالية ونفاذ تصرفاته، ويحدد القانون شروط اكتسابها وأسباب نقصانها أو انعدامها”، وباستقراء فصول ق ل ع نجد أن المشرع خصص 11 فصلا للحديث عن ركن الأهلية من الفصل 3 إلى الفصل 13 مما يكشف عن أهمية هذا الركن.
أولا : الاصل في الشخص كمال الاهلية
أهلية الأداء هي مناط اهتمامنا إذ أنها الأهلية المطلوبة في التعاقد، والأصل في الشخص هو كمال الأهلية طبقا لما نصت علية الفقرة الثانية من الفصل الثالث من ق ل ع، إذ أقرت أن ” كل شخص أهل للإلزام و الالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك”، بمعنى أن كل شخص يكون أهلا لإبرام العقود بمجرد بلوغه سن الرشد القانوني المحدد من طرف المشرع المغربي في 18 سنة شمسية كاملة كما نصت على ذلك المادة 209 من مدونة الأسرة المغربية بقولها : ” سن الرشد القانوني 18 سنة شمسية كاملة.”.
كما جاء في المادة 210: ” كل شخص بلغ سن الرشد ولم يثبت سبب من أسباب نقصان أهليته أو انعدامها يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه وتحمل التزاماته.”، إلا أن تعبير المشرع في الفصل 3 من ق ل ع بقوله ”ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك” يوحي بأن هناك استثناءات على كمال الأهلية و تتجلى هذه الاستثناءات في ثبوت سبب من أسباب نقصان أو انعدام الأهلية، حيث تتدخل عوامل السن أو القدرات العقلية .
والاهلية تتعلق بالنظام العام، ويجب مراعاة أحكامها وفق ما قرره المشرع، وعليه فلا يجوز منح الاهلية لشخص عن طريق العقد أو حرمانه منها ، بل إن الاهلية أو فقدانها أمر يقرره القانون، فلو باع قاصر عقارا وتعهد للمشتري بعدم الطعن في البيع بعد بلوغ سن الرشد كان البيع باطلا، وإذا وافق النائب الشرعي على تسليم القاصر أمواله بعد بلوغه سن 15 سنة بينما حدد القانون سن الرشد في 18 سنة كانت هذه الموافقة باطلة وعديمة الاثر القانوني.
ثانيا : نقصان الأهلية
أشارت المادة 213 من مدونة الأسرة إلى أن ناقصي الأهلية هم الصبي المميز و السفيه و المعتوه بقولها : ” يعتبر ناقص أهلية الأداء
1 – الصغير الذي بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد؛ 2 – السفيه؛ 3 – المعتوه.”
الصبي المميز: هو كل من بلغ سن التمييز القانوني وهو 12 سنة شمسية كاملة حسب صريح المادة 214 من مدونة الأسرة و بالتالي فان الصبي المميز هو القاصر الذي لم يبلغ سن الرشد القانوني لكنه أتم 12 سنة . الصبي المميز يمكنه قبل بلوغه سن الرشد في حالة الترشيد من طرف القاضي مزاولة التجارة أو الصناعة وتسلم بعضا من أمواله لإدارتها على سبيل التجربة، هنا تكون أهلية الصبي المميز المأذون له كاملة فيما أذن له القاضي ولا يجوز إبطالها، بينما يجوز إلغاء هذا الاذن بإذن من المحكمة إذا تبين أنه أساء إدارة أمواله وتسبب ذلك في خسائر فادحة، لكن لا يكون لهذا الالغاء أي أثر بالنسبة للتصرفات القانونية التي يكون قد أجراها قبل الالغاء .
السفيه : هو كل شخص لا يحسن تدبير أمواله وقد عرفته المادة 215 من مدونة الأسرة بقولها : ” السفيه هو المبذر الذي يصرف ماله فيما لا فائدة فيه، وفيما يعده العقلاء عبثا، بشكل يضر به أو بأسرته.”
المعتوه : عرفته المادة 216 بقولها ” المعتوه هو الشخص المصاب بإعاقة ذهنية لا يستطيع معها التحكم في تفكيره وتصرفاته.”، وبمقارنة المعتوه مع المجنون و المريض مرضا عقليا أو نفسيا نجده يأتي في مرتبة وسطى بينهما.
وبالنسبة للتصرفات التي يقوم بها ناقصو الأهلية فتختلف باختلاف نوع التصرف، إذ تنقسم التصرفات التي يبرمها ناقصي الأهلية إلى نافعة نفعا محضا و ضارة ضررا محضا و الدائرة بين النفع و الضرر، فتكون تصرفاتهم نافذة إذا كانت نافعة بالنسبة لهم نفعا محضا و تكون باطلة إذا كانت مضرة، في حين يتوقف نفاذها على إجازة النائب الشرعي في حدود اختصاصات هذا الأخير إذا كانت هذه التصرفات دائرة بين النفع و الضرر، واستثناء من هذا المبدأ يعتبر الصبي المميز الذي أُذن له بإدارة جزء من أمواله على سبيل اكتساب التجربة كامل الأهلية في حدود الأموال الممنوحة له لإدارتها وفي التقاضي فيها، كما أن القاصر الذي أُذن له بالزواج دون السن القانوني يصبح كامل الأهلية في كل الحقوق و الالتزامات التي تترتب عن ذلك الزواج.
ثالثا : فقدان الأهلية
فاقدو الأهلية هم الصبي غير المميز و المجنون وفاقد العقل بنص المادة 217 من قانون 70.03 التي جاء فيها : ” يعتبر عديم أهلية الأداء: أولا: الصغير الذي لم يبلغ سن التمييز؛ ثانيا: المجنون وفاقد العقل. يعتبر الشخص المصاب بحالة فقدان العقل بكيفية متقطعة، كامل الأهلية خلال الفترات التي يؤوب إليه عقله فيها. الفقدان الإرادي للعقل لا يعفي من المسؤولية.”
الصبي غير المميز: هو الصبي الذي لم يتم سن التمييز بحيث أنه لا يستطيع قبل بلوغ هذا السن التمييز بين ما يعود عليه بالنفع و ما يعود عليه بالضرر.
المجنون و فاقد العقل : الجنون هو العارض الذي يصيب الإنسان فيذهب بعقله فينتفي معه كل إدراك و تمييز، وهو حالة قد تصيب الإنسان بصورة مستمرة فيسمى بالجنون المطبق و قد يكون في أوقات معينة فقط فيسمى بالجنون المتقطع.
رابعا : ترشيد القاصر
جاء في المادة 226 من قانون 70.03 : ” يمكن للصغير المميز أن يتسلم جزءا من أمواله لإدارتها بقصد الاختبار. يصدر الإذن من الولي أو بقرار من القاضي المكلف بشؤون القاصرين بناء على طلب من الوصي أو المقدم أو الصغير المعني بالأمر. يمكن للقاضي المكلف بشؤون القاصرين إلغاء قرار الإذن بالتسليم بطلب من الوصي أو المقدم أو النيابة العامة أو تلقائيا إذا ثبت سوء التدبير في الإدارة المأذون بها. يعتبر المحجور كامل الأهلية فيما أذن له وفي التقاضي فيه.”
والمقصود بالترشيد المبكر حصول الصغير المميز على أهلية كاملة عند توافر الشروط المنصوص عليها في المادة 218 من مدونة الاسرة التي نصت على ما يلي : ” ينتهي الحجر عن القاصر إذا بلغ سن الرشد، ما لم يحجر عليه لداع آخر من دواعي الحجر. يحق للمحجور بسبب إصابته بإعاقة ذهنية أو سفه، أن يطلب من المحكمة رفع الحجر عنه إذا أنس من نفسه الرشد كما يحق ذلك لنائبه الشرعي. إذا بلغ القاصر السادسة عشرة من عمره، جاز له أن يطلب من المحكمة ترشيده. يمكن للنائب الشرعي أن يطلب من المحكمة ترشيد القاصر الذي بلغ السن المذكورة أعلاه، إذا أنس منه الرشد. يترتب عن الترشيد تسلم المرشد لأمواله واكتسابه الأهلية الكاملة في إدارتها والتصرف فيها، وتبقى ممارسة الحقوق غير المالية خاضعة للنصوص القانونية المنظمة لها. وفي جميع الأحوال لا يمكن ترشيد من ذكر، إلا إذا ثبت للمحكمة رشده بعد اتخاذ الإجراءات الشرعية اللازمة”.
العوارض الثانوية التي تؤثر في أهلية الأداء
الحكم بعقوبة جنائية
بالرجوع إلى الفصل 38 من القانون الجنائي نجده ينص على أنه : ” الحجر القانوني يحرم المحكوم عليه من مباشرة حقوقه المالية طوال تنفيذ العقوبة الاصلية …”. وعليه فالمحكوم عليه بعقوبة جنائية تصبح معه التصرفات القانونية التي تجريها باطلة طبقا للفصل 38 من ق ج .
السكر غير الارادي
ذلك أن السكر الارادي لا يعفي من المسؤولية وهو الامر الذي يستشف من المادة 217 من مدونة الاسرة التي جاء فيها بأن الفقدان الارادي للعقل لا يعفي من المسؤولية، وبمفهوم المخالفة فإن الفقدان الاضطراري للعقل يترتب عنه الاعفاء من المسؤولية وهي حالة السكر غير الارادي .
العاهات المزدوجة
كالعمى والبكم والصم، فالمشرع قرر له نوعا من الحماية تتمثل في مساعدة الوصي في التعبير عن إرادته، جاء في الفصل 97 من ق ل ع : ” الصم البكم وغيرهم من ذوي العاهات يسألون عن الأضرار الناتجة من أفعالهم أو أخطائهم إذا كان لهم من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعمالهم.”
حكم تصرفات ناقصي الاهلية وعديميها
بالنسبة للصبي غير المميز فقد نصت المادة 224 من 70.03 على أنه : ” تصرفات عديم الأهلية باطلة ولا تنتج أي أثر.”
بالنسبة للصبي المميز فقد حددت المادة 225 حكم تصرفاته فنصت على ما يلي : ” تخضع تصرفات الصغير المميز للأحكام التالية: 1 – تكون نافذة إذا كانت نافعة له نفعا محضا؛ 2 – تكون باطلة إذا كانت مضرة به؛ 3 – يتوقف نفاذها إذا كانت دائرة بين النفع والضرر على إجازة نائبه الشرعي حسب المصلحة الراجحة للمحجور، وفي الحدود المخولة لاختصاصات كل نائب شرعي.”
بالنسبة للبالغ الرشيد فقد نصت المادة 210 على حكم تصرفاته فقالت : ” كل شخص بلغ سن الرشد ولم يثبت سبب من أسباب نقصان أهليته أو انعدامها يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه وتحمل التزاماته.”
بالنسبة لمن له أهلية إدارة الاموال ، فقد جاء في المادة 226 : ” يمكن للصغير المميز أن يتسلم جزءا من أمواله لإدارتها بقصد الاختبار. يصدر الإذن من الولي أو بقرار من القاضي المكلف بشؤون القاصرين بناء على طلب من الوصي أو المقدم أو الصغير المعني بالأمر. يمكن للقاضي المكلف بشؤون القاصرين إلغاء قرار الإذن بالتسليم بطلب من الوصي أو المقدم أو النيابة العامة أو تلقائيا إذا ثبت سوء التدبير في الإدارة المأذون بها. يعتبر المحجور كامل الأهلية فيما أذن له وفي التقاضي فيه.”
بالنسبة للترشيد المبكر فقد نصت المادة 218 على أحكام إدارته لأمواله فنصت على ما يلي : ” … إذا بلغ القاصر السادسة عشرة من عمره، جاز له أن يطلب من المحكمة ترشيده. يمكن للنائب الشرعي أن يطلب من المحكمة ترشيد القاصر الذي بلغ السن المذكورة أعلاه، إذا أنس منه الرشد. يترتب عن الترشيد تسلم المرشد لأمواله واكتسابه الأهلية الكاملة في إدارتها والتصرف فيها، وتبقى ممارسة الحقوق غير المالية خاضعة للنصوص القانونية المنظمة لها. وفي جميع الأحوال لا يمكن ترشيد من ذكر، إلا إذا ثبت للمحكمة رشده بعد اتخاذ الإجراءات الشرعية اللازمة.”
بالنسبة للمجنون ، جاء في المادة 217 : ” يعتبر الشخص المصاب بحالة فقدان العقل بكيفية متقطعة، كامل الأهلية خلال الفترات التي يؤوب إليه عقله فيها.” بمعنى أنه في حالة الافاقة من الجنون فإن التصرف يكون صحيحا وفي حالة الجنون يلتحق بحالة عديم الاهلية المنصوص عليها في المادة 224 فيقع تصرف المجنون باطلا .
📗 خلاصة الباب
- الأصل كمال الأهلية ببلوغ سن الرشد (18 سنة)، ولا يُحرم منها أحد إلا بنص (الفصل 3 من ق.ل.ع، والمادة 210 من مدونة الأسرة).
- ناقصو الأهلية هم الصبي المميز والسفيه والمعتوه: تصرفاتهم نافذة إن كانت نافعة نفعاً محضاً، باطلة إن كانت ضارة، وموقوفة على إجازة النائب إن ترددت بين النفع والضرر.
- فاقدو الأهلية هم الصبي غير المميز والمجنون وفاقد العقل: تصرفاتهم باطلة بطلاناً مطلقاً ولا تنتج أي أثر.
- عوارض ثانوية تمس الأهلية: الحجر القانوني بعقوبة جنائية، السكر غير الإرادي، والعاهات المزدوجة التي تستوجب مساعدة الوصي دون إسقاط الأهلية.
اترك تعليقاً